«المستعمر السردي» في رواية «جامعة المشير… مئة عام من الفوضى»… صورة تنبؤية لجمهورية الخوف على أرض مصر

حجم الخط
0

لعبت الرواية السياسية في الأدب العربي دورًا مهما في مقاومة القهر وكشف الظلم, فبدون الرواية السياسية يصبح الضمير صامتًا والتاريخ صامتًا والناس صامتين, نحن في حاجة إلى صوت الرواية السياسية الآن، حتى يعود البصر لنا لكشف هذا الواقع المرعب وتعود البصيرة لمن تبقى منا وفينا من العميان, لرؤية تلك العلاقة الآثمة والمعقدة بين الجمالي والسياسي في الرواية العربية.
ورواية «جامعة المشير مئة عام من الفوضى» للكاتبة انتصار عبد المنعم رواية معجونة بماء السياسة العكر، تتقاطع أحداثها مع وقائع ما تزال حية وفي مخاض وحركة منتفضة تتشكل مع الزمن بسرعة, ولا نعرف ملامحها النهائية على وجه التحديد.
فنحن أمام رواية سياسية تشخص الواقع وتستدرجه إلى فضاء الأدب, ويتجسد فيها هذا الزيغ بين الجمالي والسياسي، ومن ثم فهي تمنحنا الفرصة وتحقق لنا رغبة حقيقية في رصد الرؤية الملتبسة، أو ما يسمى المستعمر السردي الجديد، ذلك الإيحاء الخفي الذي يسكن القلب في العديد من الروايات العربية.
وفي الحقيقة نحن نزعم أننا أمام خطاب إمبريالي متجدد مقبل من الغرب كامن في أدبيات الإنشاء اللغوي، يصنع له فضاء في العقل العربي، ومن ثم يمارس علينا تأثيرًا بالغًا، فهو يمطرنا بالمفاهيم الكاذبة, ويحوطنا بشبكة من المعرفة الملوثة, ويرسم لنا الحدود الجغرافية المغموسة بالذل والسيطرة والقمع. إن ما نطرحه هنا لا يعدو إلا التنبيه همسًا إلى لغة الإنشاء والتصورات التي ينتجها الخطاب السردي الاستعماري للعملاء والمغامرين والمتعصبين من الغرب, أمثال «كرومر, ولورانس, وسايكس, وهرتزل, وبلفور, وفوكاياما»، وأخيراً كتابات برنارد لويس، تلك الكتابات المشتبكة مع تحولات المنطقة وتاريخها الحاضر, وتؤثر على إنتاج الأدب والتي يمكن أن تخلق لا المعرفة فحسب, بل يبدو أنها تصنع واقعا جديدا من الأفكار في نسيج النصوص الروائية العربية, التي تتواشج ربما معها من دون وعي, وبمرور الزمن سوف تولد لنا تراثاً سردياً له سلطته وقوته، يصنع الواقع ويؤثر في تكوين العقول وأخيلتها, من خلال هذا الجيش المتحرك من الاستعارات والكنايات والتشبيهات.
وهنا أود أن أناقش بشكل رئيسي هذه القضية وتفكيكها، من خلال إلقاء الضوء على قوة الإنشاء الغربي والأخطار الكامنة فيه, وهي قوة كثيرًا جدًا ما تفهم خطأ على أنها زخرفة فقط تزين البنية الفوقية للسرد الروائي. ولا ريب أن أفكار ادوارد سعيد وتجربته الحية والمتحركة حول الإنشاء الغربي في الدراسات النقدية، تمثل انقلابًا معرفيًا سيساعدنا بدون ريب في حقل التحليل والنقد لهذه الإشكالية.
وقبل أن نخوض في الهواجس الفكرية المرعبة، التي تطرحها رواية انتصار عبدالمنعم «جامعة المشير مئة عام من الفوضى» وعلى سبيل الوعي بإشكالية تأثير سلطة النص الاستشراقي. فلننظر إلى مرآة التاريخ للشرق الأوسط قليلاً لنعرف كيف تمت سرقة وطن من خلال حزمة من الحكايات السردية.
يقول صديقي الرجل ذو الطربوش الأحمر في هذا الصدد, إن صناعة المكان والجغرافيا الجديدة هي في حقيقتها صناعة تبدأ عادة من السرديات والأحلام الروائية، ونصوص الإنشاء التي يمطرها الغرب علينا من دوائر الاستشراق، فهي تنطوي على مفارقات تاريخية وخبث فائق، تأمل فكرة قيام كيان جغرافي جديد على أرض فلسطين العربية.
يمكن القول تاريخيًا، بدأت فكرة قيام الجغرافيا التخيلية لإسرائيل من خلال نصوص سردية ملأت حيز الكتابات الحالمة المتناثرة في المخيال اليهودي الأوروبي، إلى أن أصدر هرتزل كتابه «الدولة اليهودية» عام 1895، حيث تتواشج به المعرفة بالسيطرة وتندغم فيه بالأهواء والتحيزات العنصرية, فتحول الحلم السردي إلى فكرة، ولا يهم هنا إن كانت الفكرة ميتافيزيقية أو من الخيال الأسطوري، في نهاية الأمر صدر وعد «بلفور» عام 1917 وتحولت الأحلام السردية إلى حقيقة تاريخية بالضرورة، وفي عام 1948 ولدت إسرائيل ككيان مادي، وعليه تم استيلاء الخيال السردي اليهودي على الجغرافيا والواقع في ارض فلسطين التاريخية.
أغمض عيني لتتسع الصور في خيالي، وبعد سنوات كثيرة الآن فهمت الحكاية! والآن أيضًا يبدو واضحًا لنا أن ثورات الربيع العربي دخلت محرقة الصراعات السياسية, التي انعكست في ما يشبه الأصداء بالعديد من الروايات العربية، ومن بين الروايات المهمة التي رصدت هذا الواقع رواية «جامعة المشير.. مئة عام من الفوضى»، فالرواية تقدم لنا ، بعد مئة عام في أوحال السياسة التي يقودها الجنرالات, وعبر فيوض من الأخيلة الجغرافية التي تتقاطع أحيانًا في أفكارها مع الإنشاء الإمبريالي الغربي, والتي ترسم صورة قاتمة بالأبيض والأسود للحياة في بر مصر المحروسة.
ورواية «جامعة المشير.. مئة عام من الفوضى», هي واحدة من الروايات التي نستشعر صعوبة في تصنيفها، فهي حالة برزخية لها وجه نحو الواقع ووجه آخر نحو الخيال, وهذا التوسط في الرواية يتحقق من خلال هذه الأصداء، في التعبير الناتجة من التقابل والتردد بين عالمين متناقضين يحكمها خطان من الزمن داخل الرواية، الأول يبدأ مع ثورة 25 يناير/كانون الثاني عام 2011، والثاني يجيء بعد مئة عام من الفوضى بعد الثورة, وما بينهما من زمن هي فترة مظلمة فاغرة الفم، يقوم القارئ بملء فجواتها فنحن نعرف بداية الرواية، أما ما نجهله فهو ما حدث في الطريق إلى النهاية. وإذا انتقلنا إلى صلب القضية التي نريد إلقاء الضوء عليها، وهي طبيعة الصراع الذي تخوضه اللغة وتضليل الإنشاء الغربي في السيطرة على فضاء السرديات. نجد أن رواية «جامعة المشير…» فجرت مجموعة من الألغام في حقل الرواية العربية، ربما أهمها هو مشكلة الحرية في تقاطع المخيال الروائي مع نوع من المعرفة السياسية للإنشاء الغربي، التي تملك طاقة على الإيحاء بالكذب وقدرة رهيبة على تشويش الحقائق. وفي هذا السياق تلامس رواية جامعة المشير» قضية من أخطر ما كان في السرد الروائي العربي، وهى قضية تقسيم الوطن ليصبح فسيفساء ورقية قائمة على الفرز الديني والعرقي، وهي الرؤية التي تطرحها خريطة تقسيم مصر في كتابات بطريرك الاستشراق اليهودي برنارد لويس، هذا المفكر عميل المخابرات البريطانية، الذي يتمثلنا ويتحدث باسمنا ويرسم الحدود الاحتدامية لنا في الشرق الأوسط الجديد.
وتتسرب هذه الرؤية عبر التصورات والإيحاءات التي يصطخب بها نص «جامعة المشير» وتسكن الذاكرة من خلال جغرافيا الأخيلة في الرواية لمصر بعد مئة عام, فتبوح الرواية بعدد من المقاطع الصادمة المؤثرة, فعن المشير الديكتاتور العابر للزمن، الذي تولى حكم مصر وأحكم قبضته عليها تقول الكاتبة «ثم تولى حكم القادة بالأسلوب نفسه الذي خضع له المصريون في مصر الشمالية، التي تمتد من خليج العقبة شرقًا إلى حدود مملكة قبطستان غربًا، ومملكة النوبة في الجنوب». وأعتقد أنه ما من شك في أن هذه الرؤية المتكررة في الدراما داخل السياق الروائي هي جزء إيجابي من حياة النص. ولكن هناك وجهة نظر أخرى تتجاوز هذه الرؤية، بعيداً عن سوء النية, تعتقد بأن الأفق الروائي الذي يصنع رؤية للمستقبل من الأوهام الاستشراقية وأكاذيبها لبرنارد لويس، هو في الوقت ذاته يعيد فكرة إنتاج فضاء إمبريالي «سايكس بيكو» جديد, ويعيد استذكاره داخل مخيلة الناس عبر الرواية التي تخلق الواقع الذي تتنبأ به فتنبئ عنه في وجدان الناس.
ثمة وجهة نظر أخرى، على أرض الواقع تقول، أليس من الطبيعي أن تتعدد المقاصد اختلافًا للرؤية الواحدة في ظل رواية مفتوحة الدلالة. فالبعض يرى أن أهمية هذه الرؤية تكمن في نبل مقاصدها وإلى الصرخات الخبيئة والرسائل الإنسانية الكامنة فيها، فالرواية تحض على روح المقاومة للطغيان والاستبداد ويسري هذا الإحساس في كل جملة فيها، ولعل الكلمات الفاضحة لنا التي تصيبنا بالرعب تجاه تقسيم الوطن في هذه الرواية تكون بمثابة جرس الإنذار الأخير للفرقاء، لصناعة وعي جديد تجاه مشاكلهم, فهل سنلقي على هذه الرواية نظرة ونمر عابرين.
وأياً ما كان المقصد, في اعتقادي فإن خطورة الأمر هنا لا تكمن في طرح هذه الرؤية الآن التي تصنع من الوطن فسيفساء متناثرة، ولكن في الإلحاح على مثل هذه الأفكار مستقبلاً في الرواية العربية ليصبح الإنشاء الغربي منهاجًا قابعًا في المخيال الجمعي لنا يشرع لحل الإشكاليات والصعوبات التي تواجه الأوطان. إن مقاومة هذه السرديات الإمبريالية وفضح هذا الخطاب «الكولونيالي» يأتي من خلال الكلمة الحرة فهي نجمة الشمال في صحراء التيه التي تحيط بنا, أتذكر الآن كلمات أغنية وطني للسيدة «فيروز» التي تقول: وطني يا جبل الغيم الأزرق.. وطني يا قمر الندى والزنبق, يا وجوه الـ بيحبوّنا.. يا تراب اللي سبقونا.. يا زغيّر ووسع الدنيا يا وطني.
وفي اعتقادي إن الفعل اللغوي للكلمة فعل مقاومة للسيطرة لا يقل بل يزيد خطورة على المقاومة المسلحة. وهكذا تبقى الأسئلة مشرعة على كل روائي عربي يصنع أرواحا جديدة للمستقبل من خلال السرد القصصي.
س.. هل من الحرية طرح رؤية في القص تشوش على روح الجماعة, في زمن الفوضى الخلاقة؟
س.. هل من الحرية أن نتماهي في السرد الروائي مع رؤية أو معارف تصدر من دوائر إمبريالية معروفة بمعاداتها لنا؟
س.. هل إكبار الحرية في التعبير يتطلب التساهل في قبول أفكار روائية تجيش المتخيل الإمبريالي ضد فكرة وحدة الوطن؟
وبعيدًا عن التورط في الإجابة على هذه الأسئلة الجدلية سنهرب إلى الحقيقة الأخيرة, وهي نحن لسنا قضاة نحاكم الرواية وفكرتها، ففي اعتقادي الرواية التي تجبرك على تحريك طاقة الغضب الكامنة داخلك وتصفعنا بقوة هي رواية إيجابية تسأل الضمائر عن معنى كلمة وطن. وفي هذا الصدد أيضاً يجب أن تستبعد فكرة التلصص على ضمير الكاتبة التي كشفت في هذه الرواية تواطؤ السلطة على تغييب روح الوطن في العدالة والحرية والكرامة الإنسانية. وقالت ما يجب أن يقال, فصاحبة الرواية، الكاتبة انتصار عبد المنعم هي شخصية وطنية جريئة, تمتلك وعيا حادا، عندما تكتب لا تعرف الحياد على الإطلاق، متمردة، مريضة بالحرية, مقاومة تخفي أحيانًا بين أوراق الرواية مسدسات كاتمة للصوت, تفجر أسئلة المستقبل وتحفر في ألغام الحاضر، الأنا عندها طاغية ترمى بظلالها على جسد النص وتسكن قلب الرواية بأريحية كزهرة النرجس.
وأخيراً.. لا ريب أن الأفكار التي يصنعها الكاتب لها أجنحة ما تلبث أن تخرج عن سطوته, ففي ظل هذا البعد السندبادي للرواية هل نستطيع أن نوقف إندياح التأويلات المتحركة للقص, التي تهاجر من ذاكرة إلى أخرى. وأيًا ما كان الأمر، يبقى السؤال الملتبس بالدجى في نفوس البعض منا.
س .. هل من الحرية طرح رؤية خيالية في السرد الروائي تكرس انزياح الوطن في وجدان الناس؟
والإجابة هي خليها على الله.. خليها على الله.

كاتب و أكاديمي مصر ي

رضا شحاتة أبوالمجد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية