في ذلك المساء المائل إلى رماد السماء، خرج طفلان من قلب غزة المحترق. الأخ الأكبر، بجلده المسمر من شمس الحرب وعرق الجوع. كان يمشي بخطوات متعبة على طريق مغطى بالغبار. فوق كتفيه الصغيرتين جلس أخوه الأصغر، بعينيه الزرقاوين الدامعتين، كأنه ملاك هبط خطأً في أرض الخراب. حمله كما تحمل الأوطان حين يضيق بها الزمن، كما يحمل الحلم حين يوشك أن يسقط في هاوية النسيان. المشهد لم يكن عادياً. كان صرخة متجسدة، صورة ناطقة تفضح صمت العالم. كل من رأى الفيديو شعر أن شيئاً في داخله ينكسر. طفل يجر طفولته على الرمال، وآخر يتشبث بأخيه كمن يتشبث بالحياة.
ذلك الصغير ذو الشعر الأشقر والوجه المضيء وسط الغبار، لم يكن يدرك لماذا خسر حقه في أن يلعب، لماذا حرم من سرير نظيف أو صدر أم مطمئن. عيناه كانتا تبحران بعيداً، تبحثان عن بيت، عن لعبة، عن شيء من الطمأنينة. لكن البيت صار ركاماً، واللعبة صارت حجراً، والطمأنينة أصبحت ترفاً لا تعرفه غزة. أما الأخ الأكبر، فقد بدا أكبر من عمره بعشر سنين. في ملامحه كان هناك مزيج غريب من الطفولة والرجولة المبكرة، كأنه ولد ليمشي في جنازات متواصلة: جنازة الطفولة، جنازة البيت، جنازة الأمل. ومع ذلك، حمل أخاه بكل ما بقي فيه من قوة. لم يشك ولم يتوقف. كان يسير على طريق الرشيد كمن يسير على خط القدر، موقناً أن كل خطوة قد تكون الأخيرة، لكن لا بد من أن يحمل أخاه حتى النهاية.
حين انتشرت صورتهما، امتلأت شاشات بالدموع المكبوتة، وغصّت مواقع التواصل بأصوات لا تعرف كيف تعبّر إلا بالصمت الطويل أو بالتكبير أو بلعن العجز. بدا وكأن الطفلين يحملان الأمة كلها فوق كتفيهما. الناس رأوا في المشهد أكثر من مجرد طفلين يسيران في الصحراء. رأوا غزة كلها تمشي، عارية من كل سند، مرفوعة على أكتاف أبنائها. رأوا التاريخ يعيد نفسه…. الأطفال الفلسطينيون يهربون حفاة منذ النكبة، يحملون مفاتيح بيوت هدمت، وألعاباً لم يعودوا إليها أبداً.
وصل الخبر إلى اللجنة المصرية لإغاثة غزة. تحركوا كمن يطارد آخر خيط ضوء قبل أن ينطفئ. لم يكن المشهد بحاجة إلى تقارير ولا بيانات، كانت صورة الطفل على كتف أخيه تكفي لتكون رسالة. وحين وصلت القافلة إليهما، كان الأخ الأصغر قد أرهق من البكاء، والأخ الأكبر قد أثقلته الرمال. دخل الطفلان حضن الخيمة المصرية كما يدخل الناجون حضن البحر بعد الغرق. أحد أعضاء اللجنة قال بصوت متأثر: العالم كله رأى الطفل على كتف أخيه هارباً من القتل والجوع… لقد لبّينا النداء.
ثم جاءت الأم، مثقلة بالخذلان وبدموع لم تجد وقتاً لتجف. روت كيف فقدت ولديها وسط القصف والتيه. وحين عادت تبحث وجدت الكبير يحمل الصغير ويمشي به مع الغرباء. قالت: دورت على ولادي ولقيت الكبير شايل أخوه وماشي رغم القصف وظل ماشي مع المواطنين. كانت كلماتها كطعنة جديدة في قلب كل من سمعها. الأم، مثل غزة كلها، تبحث عن أبنائها بين الركام. الأم، مثل فلسطين، لا تعرف كيف تجمع أشلاء العائلة ولا كيف تحصي أسماء الغائبين.
لم يكن المشهد مجرد لحظة إنسانية. كان درساً في التضحية، في معنى الأخوّة حين تنفجر السماء بالقنابل. الطفل الذي حمل أخاه لم يكن يعرف الفلسفة، لكنه مارسها بالفعل: وضع الآخر أولاً، أنقذ البراءة قبل أن ينقذ نفسه. صار هو البوصلة في زمنٍ بلا اتجاه. منذ تلك اللحظة، صار الطفلان رمزاً. ربما لن يتذكّر الناس اسميهما، لكنهم سيتذكّرون صورتهما: أخ صغير بشعر أشقر كأنه نور، وأخ أكبر يسير به وسط الخراب. صورة تختصر مئة عام من الحكايات الفلسطينية.
أن تكون طفلاً في غزة يعني أن تتعلم كيف تحفر نفقاً صغيراً من الهواء لتتنفس. أن تكون طفلاً هنا يعني أن تحلم برغيف خبز أكثر مما تحلم بلعبة. لكنها تقول أيضاً إن الأخوّة قادرة على أن تخلق معجزة. إن قلب طفل أكبر يمكن أن يصير وطناً لأخيه. وإن الأكتاف الصغيرة، رغم هشاشتها، يمكن أن تصير أكثر صلابة من جدران العالم.
لم يكن غريباً أن تهتز شوارع العرب بهذا المشهد. في كل بيت عربي هناك طفل يشبههما، طفل ينام في أمان، لكنه حين يرى الصورة يسأل أباه: لماذا هذا الولد يبكي؟ لماذا يحمل أخاه؟ أين بيته؟ تلك الأسئلة تحرج الآباء أكثر مما تفعل السياسة. لأن الجواب الوحيد هو أن العالم ظالم، وأن العدالة لم تخلق للجميع.
اليوم، الطفلان في مأمن نسبي داخل الخيمة المصرية. يأكلان ويلبسان ثياباً جديدة. لكن الجرح أعمق من أن يلتئم بوجبة ساخنة أو بطانية. الجرح هو أنهما عاشا تجربة الموت في عمر كان يفترض أن يتعلما فيه الأبجدية. سيكبران يوماً، وسيروى لهما أن صورتهما هزّت العالم العربي. قد لا يفهمان تماماً ماذا يعني ذلك، لكنهما سيعرفان أن لحظة صدق طفولية جعلت الملايين يعيدون التفكير في معنى الأخوّة، في معنى المسؤولية، في معنى أن تكون إنساناً وسط حرب تنزع عنك إنسانيتك.
هذا المشهد، في جوهره، ليس حكاية طفلين فقط، بل حكاية وطن بأكمله. وطن يحمل على الأكتاف، وطن يبكي بعيون زرقاء باهتة، وطن يواصل السير رغم التعب، لأن الاستسلام يعني الموت. وفي النهاية، سيبقى السؤال معلّقاً في فضاء الروح: كم طفلاً آخر يجب أن يحمل على الأكتاف حتى يستيقظ العالم؟
عمران… وجه الطفولة المصفوع
في الضفّة الغربيّة، يواجه الأطفال قدراً أكبر من أعمارهم. عمران، الطفل الذي لم يتجاوز سنوات البراءة، لم يعد يعرف من الطفولة سوى الاسم. الجنود اقتادوه، أجلسوه أمام ضابط قاس، سأل بصوت يقطر استهزاء:
«ماذا فعلت؟
ارتجف عمران، أجاب بصوت خافت:
«لم أفعل شيئاً».
لكن الضابط لم ينتظر تفسيراً، رفع يده وصفع وجهه الصغير. صفعة أحرقت الوجنتين وأثقلت الروح، صفعة ظلّ صداها يرنّ في ذاكرته كرصاصة لا تخمد.
عاد عمران إلى البيت ليجلس بين أسرته ويشرح ما جرى:
«كبّلوني.. صفعوني.. هدّدوني».
قالها ببراءة مجروحة. أخبرهم أنّ الجنود جعلوه يجلس في الشمس، رشّوا الماء على وجهه، وتحدّثوا معه بالعبرية التي لا يفهمها. لم يعرف أنهم يصوّرونه، ظن أنهم يسخرون منه بالكلام فقط.
لم يكتفوا بالصفع. بعد ساعات قليلة، اعتقلوا عمران واقتادوه إلى دوريّة الجيش. عندها انهارت الأم. كانت في طريقها لشراء مستلزمات الأطفال عندما رنّ هاتفها لتخبرها ابنتها بأن جيش الاحتلال اعتقل عمران.
الجنود لم يتركوا لأم عمران سوى الخوف. رأته بعينيها مكبّلاً، ويداه مربوطتان بقسوة من الجانبين ومن الوسط. طفل بالكاد يرفع حقيبته المدرسية، قيّدوه كأنه خطر يهدّد جيشاً بأكمله. حين عاد عمران لاحقاً إلى حضن أمّه، لم يعد كما خرج. احتضنته بقوة، دموعها تجاهد كي لا تسقط. بين ذراعيها جلس طفل فقد شيئاً من طفولته لن يعود.
عمران ليس حالة استثنائية. هو صورة لأطفال كثر … في فلسطين يتعلّم الصغار أسماء البنادق قبل أسماء الأشجار، ويكبرون على وقع القيود بدل الأناشيد.
قال عمران في النهاية، وكأنه يلخص مأساته بكلمتين:
«صفعني الضابط… ثم اعتقلني».
تلك الصفعة ستبقى محفورة في وجه الطفولة كلها.
كاتبة لبنانية