دمشق ـ «القدس العربي» : أبدت مصادر سياسية من مناطق شمال وشرق سوريا، تفاؤلها الحذر تجاه مستقبل العلاقة بين الإدارية الذاتية والحكومة السورية في دمشق، مشيرة إلى «تعرض كل الأطراف السورية إلى ضغوطات كبيرة للوصول إلى تفاهمات تفضي إلى حلول» حيث أن حل القضايا المعلقة «يجب أن يتم عبر تفاهمات دولية وإقليمية، ولا سيما الأمريكية منها» وأن هذا الحل «يتطلب خطوات عملية تبدأ بحوار مباشر، يفضي إلى الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي كشريك أصيل في البلاد».
ضغوطات كبيرة
وعلى خلفية مشاركة رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تلقت الإدارة السورية الجديدة دعماً سياسياً كبيراً إلى جانب مواقف أمريكية أكدت الحرص على وحدة البلاد، ومن ثم تحذيرات تركية من إمكان لجوء أنقرة إلى الخيار العسكري ضد أي تهديد لأمنها القومي نابع من إصرار كردي على اللا مركزية السياسية.
وعلق المتحدث باسم وفد شمال وشرق سوريا التفاوضي مع دمشق ياسر سليمان، على تلك المواقف. وقال في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن «المسألة السورية ذات شأن كبير، وثمّة تدخلات وتداخلات إقليمية ودولية تربك المشهد» مشيراً إلى «ضغوطات كبيرة تمارس على كل الأطراف السورية، للوصول إلى تفاهمات تفضي إلى حلول، وهذه الحلول يجب أن تضمن حقوق جميع السوريين بما يعزز وحدة سورية وسلامة شعبها بجميع مكوناته الأصيلة والعريقة».
ونفى وجود نوايا انفصالية لدى الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا عن الدولة، وقال: «لا توجد مساومة على وحدة الأراضي السورية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، واتفاق العاشر من آذار/ مارس (بين الرئيس الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي) نصّ على دمج المؤسسات جميعها المدنية منها والعسكرية».
وأضاف: «نحن في شمال وشرق سوريا أعلنّا عن جهوزية اللجان التقنية جميعها وبما يضمن مناقشة الملفات الكبيرة والصغيرة، وما زلنا ننتظر تحديد موعد من قبل الحكومة السورية لمناقشة هذه الملفات من قبل لجاننا واللجان المقابلة إن كانت مدنية أم عسكرية أم أمنية، حتى الدستورية منها إن أمكن».
محادثات متعثرة
وخلال الأشهر الماضية عُقدت جلستا محادثات في دمشق بين الإدارة السورية الجديدة والإدارة الذاتية لبحث آليات تنفيذ اتفاق «الشرععبدي». وجرى اللقاء الأول في الأول من حزيران/ يونيو الماضي في العاصمة دمشق. وعقب انتهاء الاجتماع الذي دام أكثر من ساعتين، قال عضو اللجنة السياسية المشارك عن وفد الحكومة السورية العميد زياد العايش إن ثمة توافقاً على عدد من الملفات المهمة، وإن الاجتماع عقد في «أجواء إيجابية اتسمت بروح المسؤولية والحرص المتبادل على المصلحة الوطنية» مضيفاً أن أبرز ما تم الاتفاق عليه تشكيل لجان فرعية تخصصية لمتابعة تنفيذ اتفاق الـ10 من آذار/ مارس الماضي».
وفي التاسع من تموز/ يوليو الماضي استضافت دمشق، جلسة مفاوضات ثانية بين وفد سياسي وعسكري من الإدارة الذاتية وممثلين عن الإدارة السورية الجديدة في قصر تشرين، بحضور وفد أمريكي برئاسة المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك، والمبعوث الأمريكي إلى شمال وشرق سوريا سكوت بولز وعضو في الكونغرس الأمريكي، مع حضور وفد فرنسي تقدمه القائم بأعمال السفارة الفرنسية في سوريا جان باتيست فيفر.
وحضر الاجتماع وزراء الخارجية أسعد الشيباني والداخلية أنس خطاب والدفاع مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة.
يوسف لـ«القدس العربي»: الدمج يتطلب عملية مدروسة تضمن بيئة آمنة
ومثّل الإدارة الذاتية الرئيسان المشتركان للوفد المفاوض مع الحكومة الانتقالية في دمشق فوزة يوسف وعبد حامد المهباش، والقائد العام لـ«قوات سوريا الديمقراطيةقسد» مظلوم عبدي، ورئيسة دائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية الديمقراطية إلهام أحمد.
وحسب أخبار نشرتها مواقع كردية حينها فإن وفد الإدارة الذاتية طالب بضرورة الاسراع في تطبيق تعهدات الحكومة الانتقالية في ما يخص المهجرين قسراً من عفرين ورأس العين وتل أبيض، ورفض اعتقال عدد من الكرد في دمشق. كذلك ناقش المجتمعون ملف المعابر الحدودية، وكيفية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية مع المؤسسات الحكومية، ونقلت المواقع عن فوزة يوسف أن الأجواء كانت إيجابية وسيتم استكمال المفاوضات لاحقاً.
وعلى خلاف الإيحاءات الأولية الإيجابية حينها من وفد الإدارة الذاتية، خرج المبعوث الأمريكي بُعيد الاجتماع بتصريحات يمكن وصفها بالصادمة للوفد القادم من شمال شرق سوريا وبيئته، حيث حمّل «قسد» مسؤولية التأخير في تنفيذ الاتفاق المبرم بين الشرع وعبدي.
وعُلّقت الاجتماعات بين دمشق والإدارة الذاتية منذ ذلك الوقت، بعد أن كان مقررا أن تستضيف العاصمة باريس الجلسة الثالثة من المحادثات، لكن دمشق رفضت المشاركة في أي اجتماعات خارج الأراضي السورية، وخلال الفترة الماضية زارت الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، دمشق مرتين كان آخرها بداية الشهر الجاري، والتقت خلالها وزير الخارجية الشيباني.
وفي السادس من الشهر الجاري أكد وفد شمال وشرق سوريا، المفاوض مع دمشق، التزامَهُ باستئناف المفاوضات، والتحضير لتشكيل اللجان التقنية، لبدء مناقشات دمج المؤسسات الإدارية والعسكرية، ونَشَر الوفد عبر منصة «إكس» صوراً، لاجتماع جَمَعَه بإلهام أحمد، بحثَ آخرَ ما وصلت إليه المفاوضات مع دمشق، وقال إن الوفد طلب تحديد مواعيد رسمية، لعقد لقاءات مباشرة مع ممثلي الحكومة السورية الانتقالية، استناداً إلى اتفاق العاشر من آذار/ مارس، المبرم بين عبدي والشرع، وحمّل الوفد «تعثر تنفيذُ الاتفاق إلى جانب الحكومة السورية، التي لم تلتزم ببنوده» وقال إن دمشق «رفضت حضور جلسة المفاوضات، التي كان من المقرر عقدها في العاصمة الفرنسية باريس أواخر تموز/ يوليو الفائت».
وفي تصريحه لـ«القدس العربي» قال سليمان «نحن متفائلون بأن يفضي الحوار إلى نتائج إيجابية ملموسة في حال البدء فيه، وفي وقت قريب، على الرغم من كل التحديات والصعوبات» موضحاً أن «السوريين كانوا ومازالوا أهلاً للحلول الوطنية التي تجمع ولا تشتت، وتوحد ولا تُفرق.
بيئة آمنة
المتحدث باسم المجلس الوطني الكردي فيصل يوسف، أكد بدوره على ضرورة المباشرة في الحوار بين القوى الكردية ودمشق، على اعتبار أنه الطريق الوحيد للتوصل إلى حلول تُرضي كل الأطراف.
وقال في تصريح لـ«القدس العربي» إنّ «المجلس يتابع باهتمام المواقف الصادرة عن الولايات المتحدة الأمريكية، سواء من الإدارة أو من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك مواقف تركيا وسائر الأطراف الدولية المعنية بالشأن السوري، وهذه المواقف تعكس استمرار الاهتمام الدولي بملف شمال شرق سوريا وضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، وهو ما نؤكد عليه باستمرار وضرورة إيجاد حلول سياسية تفضي إلى الاستقرار والأمان». وبيّن أن «أي دعوات للدمج مع الحكومة السورية يجب أن تتم وفق عملية مدروسة تضمن بيئة آمنة، وتتيح العودة الطوعية للنازحين، وتحقق خطوات لاحقة تعزز عملية الدمج وتجعل منها عامل قوة لسوريا».
ورأى أن «حل القضايا يجب أن يتم عبر تفاهمات دولية وإقليمية، ولا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية لها دور أساسي في هذا المسار، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تجنّب أي خطوات تدفع نحو التصعيد أو تؤثر سلباً على حياة السكان، والتأكيد على أهمية الحوار لمعالجة مختلف القضايا».
وعن تعثر الحوار الكردي مع دمشق وآفاقه، قال يوسف «إننا في المجلس الوطني الكردي نؤمن بأن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة القضية الكردية في سوريا، ورغم تصريحات الرئيس السوري التي أكد فيها أن حقوق الكرد ستكون مصانة في أي دستور قادم، ومع تقديرنا لهذه التصريحات الإيجابية، فإننا نرى أن تحقيق ذلك يتطلب خطوات عملية تبدأ بحوار مباشر، يفضي إلى الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي كشريك أصيل في البلاد».
وتابع: «يؤكد المجلس أن أي حوار مع دمشق يجب أن يكون جزءاً من العملية السياسية الأشمل، وأن يهدف إلى بناء دولة ديمقراطية تعددية لامركزية تضمن حقوق جميع السوريين وتؤسس لاستقرار دائم».
حصر السلاح
وأعلن الرئيس الشرع الإثنين خلال حوار مع مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية الأسبق ديفيد بترايوس، ضمن فعاليات قمة كونكورديا المنعقدة على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ضرورة «اتخاذ خطوات حاسمة لضبط السلاح المنفلت وحصره بيد الدولة، ودمج كل التشكيلات والقوات المسلحة ضمن الجيش السوري».
وأكد على ضرورة دمج قوات «قسد» في الجيش السوري للاستفادة من خبراتها.
سوريا لن تتنازل
وقال: «ينبغي أن تكون الأجهزة العسكرية والأمنية مركزية ولها قيادة موحدة وشاملة وأوامر واضحة تخضع للقانون، بينما السلاح الذي لا يخضع للقانون سيكون سلاحاً منفلتاً وسيأتي بأضرار كثيرة في المستقبل، لذلك حرصنا على حصر السلاح بيد الدولة من خلال الحوارات والنقاشات، وضرورة تشكيل جيش موحد ودمج القوات والتشكيلات في الجيش السوري الجديد». وفي لقاء له مع «الإخبارية» السورية في الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري قال الشرع «إن العراق وتركيا سيتأذيان بشكل كبير إذا أراد شمال شرق سوريا أن يذهب إلى نوع من التقسيم». وتابع: إن «منطقة شمال شرق سوريا يمثل فيها المكون العربي أكثر من 70 في المئة، و«قسد» لا تمثل كل المكون الكردي حتى نقول إن هذا صوت المنطقة هناك».
وأكد أنه «في نهاية المطاف سوريا لن تتنازل عن ذرة تراب واحدة، وهذا قسم أقسمناه أمام الناس، يجب أن نحمي كل التراب السوري وأن تتوحد سوريا».