كيف التحق غوارديولا بمدرسة «حافلات» مورينيو؟

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: «لا أستطيع العيش في هذا البلد بسجل آخر!، أنا فخور جدا بذلك. يجب أن نمنح أرسنال الكثير من التقدير. مرة واحدة كل عشر سنوات ليست سيئة، أليس كذلك؟ عليّ أن أثبت جدارتي مرة أخرى باستراتيجية مختلفة. لذا، لديّ الآن فريق انتقالي. قلتُ إنني لا أكترث للنتائج، أريد أن أرى الروح تعود إلى التدريبات وأن نستمتع. بعد ذلك، تأتي التكتيكات. لقد خسرنا الموسم الماضي وكان علينا التعافي، وقد تعافينا هذا الأسبوع. علينا أن نواصل، ومن هناك، سنتعلم المنهجية والتكتيكات وأسلوبنا لنشعر براحة أكبر للفوز بالمباريات ونفخر بأنفسنا»، بهذه الكلمات المعسولة، حاول مدرب مانشستر سيتي بيب غوارديولا، تبرير النسخة الصادمة التي كان عليها فريقه في مباراة عطلة نهاية الأسبوع الماضي ضد آرسنال، التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف في كل شبكة لحساب الجولة السادسة للدوري الإنكليزي الممتاز، وصلت لحد مقارنة أداء الفريق السماوي بأسلوب «ركن الحافلات»، الذي ابتكره غريم الأمس جوزيه مورينيو، مع ظهور مؤشرات إفلاسه كرويا وبدء اتساع الفجوة بينه وبين المدربين الشباب والمدارس الكروية الحديثة، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الأثناء، هل يستمر بيب غوارديولا في المضي قدما على طريقة «سبيشال وان» في النصف الثاني المأساوي من مسيرته التدريبية؟ أم ستكون مجرد سهرة عابرة وللنسيان بالنسبة للفيلسوف وفريقه؟ هذا ما سيجيب عنه التقرير التالي.

الخوف ودوناروما

واحد من الأسباب التي دفعت بيب، للاعتماد على أسلوب «ركن الحافلة»، هو قلقه من تكرار نتيجة شهر فبراير/شباط الماضي، حين انحنى أمام تلميذه النجيب ميكيل آرتيتا بنتيجة 5-1، وذلك بمجموعة أقل جودة من عناصر آرسنال في الوقت الحالي، لذا فَضل عدم المغامرة والاكتفاء بالتحولات السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، بتلك الطريقة التي خطف بها الوحش الاسكندينافي هدف الأسبقية في الشوط الأول، هذا إلى جانب ما يُقال عن دور الوافد الجديد جيجي دوناروما، في ما توصف بالفوضى الواضحة في خط دفاع السكاي بلوز، صحيح الحارس الإيطالي يُصنف كواحد من أفضل 3 لـ5 حراس مرمى في الدوريات الأوروبية الكبرى والعالم، وهذا الأمر أثبته سريعا من خلال تألقه اللافت في ليلة خطف غريم المدينة مانشستر يونايتد، بفضل تصدياته المذهلة التي حافظت على نظافة شباكه، وأعطت رفاقه الفرصة لتعزيز تقدمهم بثاني وثالث الأهداف، لكن في المقابل، يعاني من أزمة أو إشكالية، كانت سببا في تخلي باريس سان جيرمان عنه هذا الصيف، وتكمن في معاناته في اللعب بقدميه، مقارنة بسلفه البرازيلي إيدرسون، الذي كان يُجيد اللعب بقدمه، ربما بجودة أعلى من بعض المدافعين ولاعبي الوسط في الدوري الإنكليزي الممتاز، كحارس مرمى مميز للغاية في إرسال الكرات القصيرة والطويلة، وهذه في حد ذاتها، واحدة من المواصفات التي يريدها بيب غوارديولا من حارس مرمى فريقه، ولعل متابعي البريميرليغ والنادي يتذكرون جيدا ما فعله مع الحارس الأسبق جو هارت، بإبلاغه بعدم حاجة الفريق لخدماته، والسبب؟ عدم قدرته على اللعب بشكل جيد بقدمه، في المقابل جاء بالحارس اللاتيني كلاوديو برافو من برشلونة من أجل هذه الميزة، لكن سرعان ما اضطر للتخلي عن الوافد الجديد، بعد سلسلة من العروض المخيبة للآمال في بداية مشواره في ملعب «الاتحاد»، انتهت باعتماد المدرب الكاتالوني على الحارس الثاني ويلي كاباييرو، إلى أن تخلص من صداع ضعف وهشاشة مركز حراسة المرمى، بالتوقيع مع إيدرسون في العام 2017، ومع عودة غوارديولا لمدرسة حراس المرمى الكلاسكيين أمثال دوناروما، يبدو وكأن السيتي قد تجاوز مرحلة الاعتماد على جودة حارس في عملية البناء والتحضير كلاعب إضافي أو مفتاح لعب غير تقليدي للفريق كما يفضل غوارديولا.

التكتيكات والطموحات

وما يعطي مؤشرات إلى تخلي بيب عن جزء كبير من قناعاته بخصوص جودة اللاعبين في الثلث الأول من الملعب، إصراره على الاعتماد على عبدالقادر خوسانوف في مركز الظهير الأيمن، بالرغم من الضعف الواضح في فنياته، كلاعب يمكن الرهان عليه فقط في الأدوار الدفاعية، مقارنة بالمواصفات المحفورة في الأذهان عن شكل الظهيرين الأيمن والأيسر في فرق بيب غوارديولا، ولو أن هناك بعض النقاد والمتابعين، يتفقون على أن مشروع السيتي الجديد ما زال في مرحلة التطوير، والأمر لا يتعلق فقط بإعادة بناء تشكيلته الأساسية والوقوف على الأوراق الرابحة على مقاعد البدلاء، بل أيضا على مدى استجابة الدماء الجديد مع أفكار المدرب، وفي كل الأحوال يُحسب لهم نجاحهم في محاصرة نجوم آرسنال دفاعيا، ولولا الهفوة الدفاعية في الأمتار الأخيرة، التي أحرز منها مارتينيلي هدف التعادل للمدفعجية، لعاد فريق غوارديولا إلى عاصمة الشمال بانتصار ثالث كبير على التوالي، بعد إسقاط الشياطين الحمر في الجولة الماضية، ثم افتراس بطل إيطاليا نابولي بهدفين نظيفين في الجولة الافتتاحية لدوري مجموعات أبطال أوروبا، فقط كان يحتاج المدرب الكاتالوني أن يستعيد بعض من الجرأة والشجاعة المعروفة عنه، بعدم الاكتفاء بالتقدم على أصحاب ملعب «الإمارات» بهدف نظيف، أو على أقل تقدير التخلي عن واحد من المدافعين الستة الذين بدأ بهم المباراة، لتكون رسالة واضحة لليفربول وباقي المنافسين على لقب البريميرليغ، بأن السيتي المخيف والمهيب قد عاد مرة أخرى، وذلك بعد انهيار سمعة الفريق الموسم الماضي، على خلفية التراجع المخيف في الأداء الفردي والجماعي، والأسوأ النتائج الصادمة، التي تسببت في خروج الفريق من الموسم بلا ألقاب، ولولا صحوته المتأخرة، لفشل في حجز إحدى المقاعد الإنكليزية المؤهلة لدوري أبطال أوروبا هذا الموسم.

التراكمات والانتهازية

كما أشرنا أعلاه، كان يُعرف عن مانشستر سيتي في السنوات الماضية، أنه فريق لا يلين أبدا، وهذا كان سر تفوقه على ليفربول في أغلب فترات مدربه الألماني يورغن كلوب، لكن بداية من الموسم الماضي، بدا وكأن الفريق قد فقد هذه الميزة، وما عجل باختفاء أو ضياع هذه الميزة، تلك الانتكاسة التي قضت على موسم مهندس الوسط رودري مبكرا، قبل أن يأتي الدور على العقل المدبر للسيتي في سنوات الذروة مع غوارديولا، كيفن دي بروين، الذي ظهرت عليه مؤشرات الشيخوخة الكروية في موسمه الأخير مع السيتيزينز، وبالرغم من اجتهاد تيجاني رايندرز، لتعويض إبداعات الأشقر البلجيكي، إلا أنه ما زال بحاجة لمزيد من الوقت واكتساب الخبرات للاقتراب من محاكاة لاعب نابولي حاليا، ومع استسلام أغلب عناصر الجيل الذهبي الذي سيطر على البريميرليغ 4 مرات على التوالي، بفقدان مريب للرغبة والطموح في الفوز بالمزيد من الألقاب، بدأ المدرب يستيقظ على الكارثة الكبرى، التي انفجرت بعد سنوات من التركيز والاعتماد على نفس الأسماء التي كانت تحصد الأخضر واليابسة في الملاعب الإنكليزية، وفي العام 2023 وصلت لمرحلة الذروة بعد الفوز بالدوري وكأس إنكلترا ودوري أبطال أوروبا، كأول فريق إنكليزي يحقق الثلاثية منذ أن فعلها مانشستر يونايتد تحت قيادة السير أليكس فيرغسون موسم 1998-1999.
لكن حتى الآن، بالأحرى بعد الأداء الدفاعي المبالغ فيه أمام آرسنال، أظهر المان سيتي أنه ما زال على مسافة بعيدة عن ليفربول وبدرجة أقل عن آرسنال، وذلك بالرغم من وصول إيرلينغ هالاند إلى قمة مستواه، بتوقيعه على 13 هدفا منذ بداية الموسم الجديد، مع تحسن تدريجي في مستوى العائد من الإصابة رودري، وتسلح الفريق بحارس مرمى بخبرة دوناروما، لكن بوجه عام، لم يظهر الفريق بتلك الصورة المحفورة عنه في الأذهان، كآلة مصممة لسحق الخصوم على طول الخط، والأهم نجاحه من فترة لأخرى في تحقيق سلاسل طويلة من الانتصارات، خصوصا في لعبة جمع النقاط في السبت والأحد الكروي في البريميرليغ، بينما الآن، يبدو غوارديولا في صورة المدرب التقليدي الذي يبحث عن التكتيك المناسب لتأمين احتياجاته في كل مباراة، بعبارة أكثر صراحة يرفع شعار «دعونا نحقق الفوز بأي ثمن»، وهو الشعار الذي لطالما كان يرفعه «سبيشال وان»، لا سيما في الحقبة الظلماء في مسيرته، التي بدأت بعودته إلى تشيلسي في الولاية الثانية، ثم بتجربته المأساوية مع مانشستر يونايتد ثم خيبة الأمل المريرة مع توتنهام، ومع تبعها بمغامرته التركية الفاشلة مع فناربخشة والآن يستعد لمواصلة طريقه في المستوى «بي» مع ناديه الأسبق البرتغالي بنفيكا، فهل يا ترى سيرد غوارديولا على كل المشككين ويعود لأساليبه الكروية التي تجمع بين الحدة والمتعة البصرية؟ أم سيضطر لرفع الراية البيضاء كما يحدث مع أغلب المدربين الذين يواجهون صعوبة بالغة في البقاء في القمة لسنوات طويلة؟ هذا ما سنعرفه في الأسابيع والأشهر القليلة القادمة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية