السلفي العولمي المعادي للسلف!

العالَمُ لا ينقطع عن غرائبه وعجائِبه، ومن أشد تلك العجائب ظاهرة السلفي الألباني العولمي!
*فهذا السلفي الأثري منكرٌ للمجاز بغير نظرية في البلاغة؛ مخافة التأويل،
*رافضٌ للمنطق بلا نظرية شمولية في الاستدلال؛ لأن التمنطق تزندق،
*عاجزٌ عن صوغ أنساق كبرى في أصول الفقه بلا نظرية أولية توليدية (أكسيوماتية)؛ لأن أهل الرأي خلاف أهل الأثر،
*عقيمٌ عن المخيلة والابتكار وتوليد الاصطلاحات بلا نظرية في علم الكلام؛ نظراً لاشتداد ذم الخوض في الكلام،
*محارِبٌ للتصوف، مُعتقِداً في تكاثُرِ بِدَعِهِ، بغير اقتدار على صوغ طرح سلوكي وشعائري مستجد لعلاج النفس [وأمراضها] كما فعل الأقطابُ الطُرُقِيُّونَ،
*ذاهل عن معاني العمران وانبناء الثقافة على نِحلة المعاش ودورات الأجيال والعصبية؛ لأن ابن حجر تلميذ ابن خلدون لم يفهم الفائدة من المقدمة،
*أُمِّيٌّ بمنجزات الخوارزمي وجابر بن حيان العلمية وجيل كبير من علماء الرياضيات والطبيعيات المسلمين،
من بعد كل تلك السلسلة من المزاعم الشنعاء (بإنكار البلاغة التأويلية، ورفض المنطق المتزندق، والعجز عن الأصول المصلحية والأولوية، وترك خصوبة الكلام الاعتزالي الأشعري الزيدي الإباضي، ومحاربة الصوفية الابتداعية، والذهول عن العمران المادي، والأمية بالمنجزات العلمية التقنية للقدماء)، يقفز هذا السلفي المعولم للرد على الإلحاد، والتطور الدارويني، وما بعد الحداثة، ونقد التأويل الحداثي للتراث، مستشهداً بالواقع الكمومي وعدم الاتساق الغودلي. يا إلهي!
مجابهة التحديات الفكرية العولمية مرغوبة، بل مطلوبة، لكن، أيها السلفي: تعلم واستلهم من نَظمِ الجرجاني الأشعري، ومنطق ابن سينا الأفلوطيني، والأصول المصلحية للجويني والعز بن عبد السلام والطوفي والقرافي، وحجاج القاضي عبد الجبار المعتزلي، وعلاج النفس الإحيائي الغزالي، والتنظير المادي الخلدوني، وتجريبية جابر بن حيَّان، وناسِب بين كل ذلك وطوِّرهُ لبناء تصور لحضارتك، ومن ثم انطلق لمناقشة الظواهر الغربية ونقدها، بعد أن يكون لك سند تراثي عظيم. (هل تحسب أن ابن تيمية لم يُحصِّل أغلب ذلك؟).
من الأكيد أنك تَجِدُ في نظريات التراث تلك، ثغرات وشذوذات وتعارضات، وما يؤخذ أو يرد، ولذلك ينبغي للناهض أن يعكف على المعاصرين الذين يرعون التراث بالتنخيل والتنمية، أي:
إسهامات محمد محمد يونس وسعيد الغانمي في المعنى البلاغي والاستعاري، ومقاربات حمو النقاري وصلاح عثمان في المنطق، ومقترحات طه جابر العلواني وعبد الله القيسي في أصول الفقه، والتطويرات العقدية لأبي يعرب المرزوقي على القيم الخمس، وعلاج النفس الشاردة الذي يطرحه طه عبد الرحمن، وكشوفات عبد العزيز الدوري وجمال حمدان في نُظُم العمران، وتنضيدات رشدي راشد على تاريخ الرياضيات والعلوم القديمة المكتوبة بالعربية، يا أيها السلفي العولمي، إذا لم تفعل فأنت واقِعٌ في خطر عظيم ألا وهو: احتجاب اللغة عنك وامتناع أدوات الفكر من العالم الأكاديمي جملةً. فإذا حرمت نفسك من كل ما سبق:
فيَحرُمُ عليك النطق بألفاظ الاستعارة والمجاز؛ لأنَّك لا تُسَلِّمُ بالبلاغة،
ويَمتَنِعُ عليك أن تصف الآخرين بالتناقض أو الدور أو المغالطة؛ لأنك لا تملك نظرية منطقيةً،
ويُعَابُ عليك وصف أفكار الآخرين بالظلم أو الفساد أو التضارب؛ لأنك لا تملكُ وصفاً موضوعياً للعدل والمصلحة والأولوية،
ويمتنِعُ عليك النشرُ العلمي والدخول في أي حجاج؛ لأنك لا تملك الدربة أو القدرة على الردِّ والتفنيد، والتوقف فضلاً عن نصب الأدلة وبناء المنظومات،
ويَعسُرُ عليك القول بوجود الوعي، واللاوعي، والتحيز، والتعصب، والعصاب، واختراع العلاجات المصاحبة لكل ذلك،
ويَبعُدُ عليك أن تكتشف أسباباً للنزول، وعللاً للأحكام، وتفسيراً لتغير الممالك والعصبيات غير التي رُوِيَت لك،
ويندر أن تعرف سبقَ العلوم العربية للعلوم الغربية الحديثة وميزة مبتكرات القدماء لانقطاعك التام عن مؤلفاتها،
يا أيها السلفي العولمي، إلَّا تَغرِف من تراثِكَ بشموليته وتعاضد حقوله، وتؤلف بين تعارضاته، وتعكف على كل من يشتغل على تطويره من المعاصرين، فلستَ عارِفَاً بحضارتكَ ولا نافِعَاً لها في شيء.
فهل ستقفز إلى نظرية ألعاب اللغة لفتغنشتاين، وتداوليات أوستن، وتأويليات جادمر، دون استلهام الجاحظ والجرجاني والزمخشري وابن جني؟ بل هي قفزة عَيِيَّةٌ بلا بلاغة.
وهل ستنقضُّ على مستجداتِ المنطق متعدد القيم، والمنطق الغائم، ومنطق المتجهات، دون استيعاب تطور المنطق من الفارابي لابن سينا لابن حزم للسهروردي وابن تيمية؟ بل هي انقضاضة متناقضة بغير منطقِ استدلال.
وهل ستنطلق لمناقشة نظرية العدالة عند رولس وأمرتاي سن ورشر وأنت منكرٌ لمسائل المصلحة والعدل وتغَيُّر الأحكام بتغير الأزمان؟ بل هي انطلاقة ظالمة عديمة الأصول.
وهل ستناقش مشكلة الشر، والعِوَض عن الآلام، ومعنى الوجود، وصيغ اللاهوت الطبيعي وأنت لا تدري ماذا كَتَبَ المعتزلة وابن عربي في الباب؟ بل هي مُناقَشَةٌ حشوية مقطوعة عن علم الكلام.
وهل ستقترح علاجات إلى النفس المبتورة، وفراغ المعنى، وعبث الوجود، والهوس بعبادة الذات بغير ترسانة التأدُّب الصوفية؟ بل هو علاج مريض.
وهل ستستوعب التاريخَ الكوكبي وأثر الجغرافيا والمناخ والمورِّثات والأوبئة والتقنية في صعود الحضارات وهبوطِها، دون مُدَارَسَةِ ابن خلدون والمقريزي وخير الدين التونسي؟ بل هو استيعاب تعليلي بلا سبَبِيَّات.
وهل ستبدأُ الترجيحَ بين تحقيقية مدرسة فيينا، وتكذيبية بوبر، ونموذجية كون، والفرضية الاستنتاجية لهويجنز، والإجرائية لبيرغمان وشرح نظريات العلية والاحتمالية وأنت مكفِّرٌ للمشتغلين بالكيمياء والنجوم والرياضيات من قدماء المسلمين؟ بل هو ترجيح متطفل على علوم مستجدةٍ لم تسهم في شيء منها.
إذا كنت ستقوم بفتح كل هذه الجبهات (العَيِيَّة، المُتناقضة، الظالمة، الحشوية، المريضة، اللاسببية، المتطفلة) في الرد على الغرب، مُستَعيناً بأئمة الحديث وعقائد المجسمة الحشوية في رفضهم (لأهل الرأي من الفقهاء، والاعتزال والأشعرية والزيدية والإباضية والصوفية والفلاسفة وعلماء الطبيعيات) فأنت في وهم عظيم. من غير المعقول أن تراثَكَ يتطوَّر ويتراكم طوال خمسة عشر قرناً، ثم تدعي أن الحجية محصورة في الصحابة والتابعين وما يروون من الأثر لا غير!
إن أهم فعاليات التجزئة الاستعمارية، لم تكن فصل المكان بإنشاء الدويلات الوظيفية فحسب، وإنما بفصل الروح أيضا؛ بتجزيئ مجموع التراث عن طريق إنشاء الحركات الوظيفية (وحزب النور خير دليل).
في هذا السياق يفيدني حسن أبو هنية «يجب التنبه إلى أن هذه هي السلفية المعاصرة، كما اكتملت على يد الألباني تحت مقولة المنهج، تقوم على مفهوم النقاء العقدي الفقهي السلوكي المتخيل، بالعودة الى جذور نقية متوهمة، ولذلك فهذا الشكل من السلفية هو بذاته بدعة معاصرة كما تفطن إلى ذلك هنري لوزيير. ولهذا فهذه السلفية لا تتورع في انتقاد ابن تيمية نفسه، لوقوعه في ذنب الحوار والاستئناف للقول الفلسفي والمنطقي والبلاغي، إلخ. في كتبه الضخمة في المنطق والفلسفة. فابن تيمية جرى تقطيعه على سرير بروكست السلفي المعاصر». ومثل هذا النقد المعمق يقدمه كتاب رائد السمهوري،» السلف المتخيّل: مقاربة تاريخية تحليلية في سلف المحنة» أحمد بن حنبل وأحمد بن حنبل المتخيَّل، 2019.
ولا يعني هذا أن كل السلفية على هذه الشاكلة، إذ إحياء السلفية المعاصرة علي يد جيل الشيخ جمال الدين القاسمي ومحمد عبده أواخر الدولة العثمانية، كان في الحقيقة إحياءً لمجمل العلوم التراثية. لكن حالة السلفي المحارب للسلف حالة شاذة مخصوصة تعادي تلك الأعلام! فإذا كنتَ مُنكِرَاً لشجرة العلوم التراثية وغير واع بمن يستلهمها ويطورها من المعاصرين، فاشتغل على ما فاتك ولا تكتب حتى تستوعبه وتناقشه مع أصحابه، ولا تهدر الأشجار والأحبار في طباعة الجهالات، أم أن بضعة دريهمات نفطية خير من الأعلام العظام ومطوريهم الكرام؟ وفي ذلك يقول الشاعر:
دَعِ الفلاسفَ لا تَرحَل لِبُغيَتِهَا… واكفٌر بِكُلِّ مَناطِيقٍ وتَحقيقِ

أكاديمي أردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية