جدل واسع يرافق عودة باسم يوسف إلى الشاشة المصرية

فايزة هنداوي
حجم الخط
0

القاهرة – «القدس العربي»: بعد غياب دام عقدًا كاملاً عن شاشات الإعلام المصري، أعلنت شبكة قنوات «أون» عن خطوة وُصفت بالمفاجئة والمثيرة للجدل في آن واحد، وذلك باستضافة الإعلامي الساخر باسم يوسف في سلسلة حلقات خاصة عبر برنامج «كلمة أخيرة»، الذي يقدمه الإعلامي أحمد سالم، ابتداءً من السابع من الشهر المقبل. هذا الإعلان أثار موجة واسعة من النقاشات حول معنى هذه العودة ودلالاتها، بين من اعتبرها حدثًا يعيد للأذهان وهج النقد الساخر، ومن رأى فيها خطوة محسوبة تحمل أبعادًا سياسية وإعلامية.
باسم يوسف، الذي ارتبط اسمه لدى الجمهور ببرنامجه الشهير «البرنامج»، كان قد تحوّل إلى ظاهرة ثقافية وسياسية شكّلت مصدر قلق للسلطة وأداة تنفيس للجمهور في الوقت نفسه. توقف برنامجه عام 2014 تحت وطأة الضغوط والتهديدات، ليقرر الرحيل إلى الولايات المتحدة، حيث بنى مسيرة إعلامية بديلة وظهر في كبريات القنوات العالمية، مقدّمًا نفسه كأحد أبرز الأصوات العربية المؤثرة في الخارج. ومن هنا تأتي حساسية عودته إلى الشاشة المصرية؛ حيث تحمل في طياتها أسئلة عن طبيعة المشهد الإعلامي اليوم، وعن المسافة الفاصلة بين الماضي والحاضر.
البيان الرسمي لشبكة «أون» جاء مصاغًا بلغة تؤكد على الجرأة والمصداقية، مشددًا على أن هذه السلسلة تمنح المشاهد فرصة استثنائية لمتابعة مسيرة باسم يوسف ورؤيته بعد سنوات من التجربة في الغرب. وحسب الإعلان، فإن الحلقات ستكشف عن قصص تُروى لأول مرة، وتمزج بين السخرية والصدق لتعيد إلى الجمهور صورة مختلفة عن الإعلامي الذي عرفوه في ذروة اضطراب السياسة المصرية. غير أن هذه الحماسة لم تمنع الجدل: هل ستكون العودة مجرد جلسات اعترافات شخصية بلا نقد سياسي، أم أن باسم يوسف سيُمنح مساحة حقيقية ليعيد تجربة السخرية التي جعلت منه أيقونة جماهيرية؟
الجدل اتخذ عدة مسارات؛ أولها يرتبط بحدود الحرية المتاحة في الإعلام المصري الراهن. فمن المعروف أنه لطالما اصطدم بجدران الرقابة، وبالتالي فإن ظهوره مجددًا عبر شاشة محلية يثير تساؤلات حول الخطوط الحمراء، وما إذا كانت التجربة مراقبة بشدة أو محسوبة بدقة لإظهار صورة معينة عن الانفتاح الإعلامي. ثانيها يرتبط بمصداقية باسم يوسف نفسه، فالجمهور الذي أحب جرأته قد لا يقبل منه نسخة مخففة أو متصالحة، وإذا بدت الحلقات أقرب إلى سيرة ذاتية مطوّلة، فقد تُتهم التجربة بالاستعراض أو التوظيف.
في المقابل، يرى آخرون أن عودة باسم يوسف تعكس رغبة لدى المنظومة الإعلامية في إعادة دمج الأصوات المثيرة للجدل ضمن إطار مُدار، بما يحقق نوعًا من التوازن بين إظهار التنوع والالتزام بالضوابط. وهو ما يجعل الحدث رسالة مزدوجة للداخل والخارج، داخليًا بأن الإعلام يتسع لأصوات مختلفة، وخارجيًا بأن مصر قادرة على استعادة نجومها ومنحهم منصات مرئية بعد سنوات الغياب. هذه الرسالة تتقاطع مع سياق إقليمي ودولي يحتاج فيه الإعلام الرسمي إلى تعزيز صورته أمام الرأي العام.
أما الجانب المالي فلم يغب عن النقاش، إذ ترددت أرقام ضخمة عن قيمة التعاقد مع باسم يوسف، قبل أن يخرج المذيع أحمد سالم لينفي ما وصفه بالمبالغات، مؤكدًا أن الأرقام المتداولة بعيدة عن الحقيقة. لكن مجرد تداول مثل هذه الأخبار يعكس إدراك الجمهور أن الشبكة تستثمر في اسم ثقيل قادر على جذب نسب مشاهدة مرتفعة، وهو ما يثير تساؤلات عن جدوى الاستثمار، وما إذا كان سيرد العائد المتوقع على المستويين الجماهيري والإعلاني.
وتبرز أيضًا الرمزية المرتبطة بالتوقيت، إذ إن اختيار شهر أكتوبر/تشرين الأول بما يحمله من دلالات تاريخية ووطنية في الوجدان المصري والعربي، خاصة السابع من أكتوبر/تشرين الاول، وهو يوم طوفان الحرية، يعزز القراءة بأن الحدث لم يكن مصادفة، بل محاولة لاستثمار اللحظة الزمنية لفتح نقاشات أوسع وربما استدعاء حالة من الحنين الجماعي إلى زمن النقد الجريء. كما أن الإعلان عن أن الحلقات ستكون أسبوعية يؤكد أن الأمر تجربة طويلة الأمد تسعى إلى اختبار ردود الأفعال تدريجيًا.
غير أن التحديات التي تواجه هذه العودة ليست قليلة؛ أولها مواجهة المقارنة الحتمية بين ما يقدمه الآن وبين ما قدمه في الماضي، وهي مقارنة قد تكون ظالمة لأنها تفترض ثبات الظروف رغم تغيرها. ثانيها هو إرضاء جمهور تعوّد على متابعة باسم يوسف عبر المنصات الرقمية الأكثر حرية، حيث قد يرى أن التلفزيون يفرض قيودًا لا تنسجم مع توقعاته. ثالثها يتمثل في ضرورة تقديم محتوى متماسك يجمع بين الطابع الشخصي والهم العام من دون الوقوع في فخ الاستعراض أو المهادنة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية