أصيلة ـ «القدس العربي»: احتفت الدورة السادسة والأربعون من «موسم أصيلة الثقافي الدولي» بثلاثة كتب صدرت حديثا، يتعلق الأمر بكتاب «محمد بن عيسى: رجل الدولة وأيقونة الثقافة»، وهو عبارة عن شهادات وذكريات من إعداد وتنسيق الإعلاميين حاتم البطيوي وعبد الإله التهاني، وكتاب «رحلة الحج على خطى الجد» للصحافي الموريتاني عبد الله ولد محمدي، ثم كتاب «مسام جِلد: شذرات من قلب إنسان»، الذي يتضمن صورا فوتوغرافية التقطها الراحل أثناء مرحلة طفولته في مدينة أصيلة.
في مقدمة كتاب «محمد بن عيسى: رجل الدولة وأيقونة الثقافة»، كتب عبد الإله التهاني، منسق ندوة «خيمة الإبداع»، التي خصصت هذه السنة لتكريم مؤسس موسم أصيلة الثقافي: «قبل فاجعة وفاته التي أحزنت كل محبيه ومقدري أفضاله، كان الفقيد العزيز محمد بن عيسى قد قرر سيرا على عادته الأليفة في كل دورات موسم أصيلة الثقافي الدولي، تخصيص طبعة 2025 من ندوة «خيمة الإبداع»، لتكريم إحدى الشخصيات الفكرية المغربية المميزة، وطلب موافاته بالاقتراحات المناسبة في هذا الشأن، وهو ما تم تجهیزه فعلا، وبقي له رحمه الله، أن يحسم ويختار الشخصية التي يرى أنها أولى بالتكريم، لينطلق مسلسل التحضيرات في الآجال المعتادة، تحت إشرافه وتتبعه الدقيق. لكن سيد الموسم، وخلافا لعاداته، سيؤجل الحسم في الترشيحات. لم نكن وقتها نعلم أن المرض اللعين، كان قد بدأ يضعف جسده، وإن لم يضعف أبدا من توقده ولمعانه الفكري.. توقف نشاط سيد الموسم وفارسه بسبب مضاعفات المرض، ولم يبق متسع من العمر إلا للوصايا الأخيرة بشأن مستقبل منتدى أصيلة، وموسمه السنوي، الذي كان لصيقا بروح الفقيد وكيانه، حتى جعل منه، أحد أكبر المؤسسات الثقافية في عالم اليوم».
«رحلة الحج على خطى الجد»

وشهد موسم أصيلة الثقافي الدولي، أيضا، حفل تقديم وتوقيع كتاب «رحلة الحج على خطى الجد» للكاتب الصحافي الموريتاني عبد الله ولد محمدي، الذي يستعيد وقائع ومشاهدات أحاطت برحلة بحرية قام بها العلامة الشنقيطي محمد فال بن باب العلوي، سنة 1889، إلى مصر والحجاز. ومحمد فال بن باب العلوي، العالم الشنقيطي البارز، هو شخصية علمية وروحية مؤثرة في زمنه. ولد في منطقة شنقيط (موريتانيا الحالية)، وكان معروفًا بشغفه بالعلم والمعرفة، ما دفعه إلى خوض تجربة الحج، التي لم تكن مجرد رحلة دينية، بل فرصة لاستكشاف العالم الإسلامي والتفاعل مع ثقافات مختلفة. فقد كان رجل علم ودين. لذلك، انعكست خلفيته العلمية في أسلوب حياته، وحتى في تفاصيل رحلته إلى الحجاز. ورغم صعوبة السفر في تلك الحقبة، اختار خوض هذه المغامرة لإثراء روحه وتعميق إيمانه، ما جعله نموذجا للعالم المتواضع الملتزم برسالته الروحية.
ويجمع الكتاب بين متعة السفر وسحر السرد، عبر استعادة أحداث ووقائع تاريخية وشخصيات متعددة كان لها حضورها في حياة الجد، أو تقاطعت معها في سياق رحلة الحج. كما يخصص فصولا للحديث عن لقاءات جرت في أكثر من بلد ومدينة، بينها تلك التي جرت في الرباط وفاس، والتي تميزت بالاستقبال الذي خصص للجد من طرف سلطان المغرب، الحسن الأول.
في كتابه الجديد، يتحدث الحفيد عن نفسه وعن جده، في آن، ضمن خيط ناظم ينتصر لدفء العائلة والقيم التي تحملها وتمثلها. عن الذي مضى وعن الحاضر، في تحولاته المتسارعة التي غيرت كثيرا من الأمور والأحوال، بداية من وسيلة السفر، وكيف كانت، وصولا إلى ما كان يميز العلاقات بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع، بشكل تبرز معه، بشكل سلس، مشاعر التضامن ومعاني التعلق بأواصر القرابة في أرقى معانيها. وبين رحلة الأمس وخطى اليوم وتعقب الكتاب للمسارات، انطلاقا مما تم تدوينه من طرف الجد أو في الزيارات الميدانية التي قام بها الحفيد إلى أكثر الأماكن التي وطأتها أقدام الجد، يتعاطف الحفيد مع جده، باسطا معاناته وباقي الحجاج، في طريقهم لأداء شعيرة الحج؛ من دون أن ينسى أن يضع قارئه في صلب التحولات التي طالت المنطقة، في تاريخها الحديث، بأسلوب سلس، مع كثير من التشويق والإفادة، نظرا للكم الكبير من المعطيات والمقارنات، على مستوى الأمكنة والأحداث التاريخية وسير الشخصيات، والتي لا يمكن إلا أن تكون تطلبت من الكاتب جهدا وبحثا بخصوص المرحلة التاريخية التي تغطيها الرحلة، في علاقة بالأحداث والشخصيات والوقائع والمشاهدات، والفضاءات التي تدور فيها أحداثها، ذهابا وإيابا، انطلاقا من موريتانيا، وصولا إلى الحجاز، مرورا بالسنغال ومصر والمغرب.
واعتبر حاتم البطيوي الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، كتاب «رحلة الحج على خط الجد» تجربة مفيدة، أخذت من الكاتب عبد الله ولد محمدي جهدا كبيرا وبحثا مضنيا في تلافيف في الذاكرة، وفي بحر المخطوطات الزاخر للعائلة في النباغية، مربط خيله والمركز الثقافي والروحي الكبير ليس في موريتانيا فقط، بل في بلاد المغارب وافريقيا. وأوضح خلال حفل التقديم والتوقيع أن الكتاب يحكي تجربة الحج، بعضها كتبها ولد محمدي بنفسه وبعضها الآخر بحث عنه عبد الله ليصنع لنا مزيجا من الرواية والتحقيق الصحافي المبهر.
«مسام جِلد»
كما صدر كتاب بعنوان «مسامّ جِلد: شذرات من قلب إنسان» لشافية بن عيسى، يوثّق مدينة أصيلة عبر صور فوتوغرافية ترافقها قصائد الطاهر بنجلون وتأملات محمد بن عيسى. وتستحضر النصوص وصور الذاكرة الفردية والجماعية، من الطفولة والجدات إلى الأسواق والمقاهي والصيادين. وكتب الراحل محمد بن عيسى في المقدمة موضحا أن «الصور ليست توثيقا جامدا، بل تجربة وجودية تطرح أسئلة الهوية والانتماء»، مضيفا أن «العمل في جوهره مزيج من الحنين والواقع، ومن السيرة الشخصية والذاكرة الجماعية».
وتابع: «هذه الصور ليست مجرد لقطات عابرة، بل محاولة لجعل المدينة تهمس لسكانها، قد تكون هذه المجموعة سيرتي الذاتية، لكنني فضّلت أن أرى فيها السيرة الذاتية للمدينة التي ولدت فيها، أصيلة». واستدرك بالقول «ليست هذه قصة أصيلة، بل هي في أفضل الأحوال بقايا لحظات من واقع متجمد بين دفتي الزمن، يسير في حركة دائمة، تتقاذفه رياح التحول والتغيير… الواقع الذي سعيت إلى التقاطه، هو ذاك الوجه المتحوّل للإنسان المغربي، ذلك الإنسان الذي يُرى ولكن لا يُنظر إليه، ويُدرك دون أن يُشعر بوجوده، ويُتعرف عليه دون أن يولى له أدنى اهتمام».
وختم بن عيسى تقديمه بالقول «لا أزعم أنني أقدّم صورة حقيقية عن الإنسان المغربي، فرؤيتي ليست سوى فسيفساء من حكايات ونصوص، ومجرد شذرات متناثرة ضمن حدود الكل، هي فقط جملة أولى في خطاب طويل يرسم درب حياة».