محاولة في استشراف تداعيات جمعة الغضب

حجم الخط
0

د. عصام نعمان يكاد المشهد ان يكون واحداً. كأنما قوة ماورائية استنسخت المشهد الاصلي وكررته في معظم عواصم العرب والمسلمين. الغضب هو العنوان والصوت والصورة والعنف المتفجر في وجه امريكا بل في وجه الغرب عموماً. مصدر الغضب والعنف جماهير المسلمين الساخطين، يتصدرهم الإسلاميون السلفيون وفي مقدمهم انصار’القاعدة’. هدف الجماهير الغاضبة سفارات امريكا، واحياناً بريطانيا والمانيا، بما هي رموز للغرب المعادي للإسلام والمسلمين. وفي غمرة الغضب المتفجر، قُتل سفير وديبلوماسيون امريكيون في بنغازي، وأُحرقت مباني السفارات في القاهرة وتونس وصنعاء والخرطوم، وسقط مواطنون ضحايا رصاص الشرطة في مدنٍ عصفت بها امواج الغضب على مدى عالم الإسلام.الولايات المتحدة، حكومةً واحزاباً وشعباً، بدت وكأنها أُخذت على حين غرة. ما كانت تتوقع، بعدما مدّت يد المساعدة الى حركاتٍ إسلامية ثارت على الانظمة الفاسدة وحلّت محلها في السلطة، ان تمتد الى سفاراتها وديبلوماسيها ايادي العنف والقتل والحرق والتخريب. كانت ظنّت انها، بتعاونها مع فصائل الإسلاميين المعتدلين، قد نظّمت لنفسها ازاء عالم الإسلام بوليصة تأمين تقيها عاديات الزمن والامزجة الشعبية المتقلبة. لكن ها هي تشهد بذهول تفلّت الجماهير الغاضبة من عقالها واندفاعها للنيل منها فيما اصدقاؤها الاسلاميون المعتدلون، وقد اضحوا حاكمين، يقفون عاجزين عن حماية سفاراتها وديبلوماسيها .ربما كان من حق هيلاري كلينتون ان تعتب على اصدقاء امريكا في ليبيا، وخصوصاً في بنغازي، الذين ساعدتهم في ايام الشدة وحصار كتائب القذافي المضروب عليهم من الجهات الاربع. في المقابل، ربما كان من حق خصوم امريكا ان يشمتوا بها وقد ارتدَّ عليها في شوارع العواصم العربية انصارٌ لـ’القاعدة’ كانت قد غضّت النظر عن تسللهم الى بلدان عربية مضطربة ليقاتلوا فيها خصوماً محليين.هكذا تحوّل، في غضون ايام ثلاثة، المشهد بسرعة وقوة في بلاد العرب والمسلمين، ليس على نحوٍ مسيء الى امريكا فحسب بل مسيء ايضا الى اصدقائها الجدد من الإسلاميين المعتدلين الذين اصبحوا حاكمين في مصر وليبيا وتونس واليمن والسودان.هل يمكن استشراف حدود التداعيات الناجمة عن التحوّل السريع ؟لعل المقاربة الفضلى في هذا السياق انما تكون بأخذ كل ساحة من ساحات الصراع على حدة في محاولة لرصد التداعيات الحاصلة والماثلة.في مصر، أحسّت قيادة الاخوان المسلمين بقوةِ ردة الفعل على الفيلم المشبوه ‘براءة المسلمين’. قررت، بادىء الامر، ان تجاري التيار لتتمكن من ضبطه، فدعت الى مليونية احتجاج في ميدان التحرير. لكن حصيلة العنف الشديد الذي انتهت اليه تظاهرات السلفيين امام السفارة الامريكية في القاهرة حملتها على إلغاء المليونية لسببين: العجز عن السيطرة عليها، ولتفادي الإنجرار الى صدام مكشوف مع السلفيين الذين كانوا قرروا ان يضاعفوا حشودهم في تظاهرات الإحتجاج والعنف للمزايدة على ‘الاخوان’ من جهة ولإظهارهم بمظهر ‘حماة’ سفارة ‘اصدقائهم’ الاميركيين من جهة اخرى. بكلمة، ستكون جمعة الغضب وما سيليها ترجمة نافرة لصراع محموم على السلطة والصدارة بين السلفيين و’الاخوان’.في ليبيا، يكاد المشهد المضطرب يتشابه مع المشهد المصري. ما ان تمكّنت مختلف الفصائل الإسلامية في الجبهة الوطنية بقيادة مصطفى بوشاقور من انتزاع رئاسة الوزراء من تحالف القوى الوطنية الاكثر اعتدالاً بقيادة محمود جبريل حتى ضربت القوى الإسلامية السلفية ضربتها في بنغازي. هكذا اصبح الإسلام ‘الاخواني’ المعتدل محرجاً امام امريكا من جهة وامام الإسلاميين السلفيين المتطرفين، من جهة اخرى. لماذا ؟ لأنه سيجد نفسه مضطراً الى مطاردتهم وضبطهم. هذا التطور المفاجىء يصب في مصلحة القوى السياسية الداعية الى الفدرالية اذ قد يتعاون الفريقان المعارضان ضد حكومة الإسلاميين المعتدلين وربما ضد تحالف القوى الوطنية الليبرالية أيضاً.في تونس، يتكرر ‘المشهد المصري’ في تطابق لافت. فحركة النهضة الإسلامية الحاكمة تحاكي في توجهاتها المعتدلة الاخوان المسلمين في مصر، وتواجه حركة اسلامية سلفية عظيمة التمدد والصخب تحاكي وضع السلفيين المصريين وأنشطتهم المنافسة والمناكفة للاخوان المسلمين. هكذا تجد حكومة حركة النهضة نفسها في صراعٍ متصاعد مع الإسلاميين السلفيين ومع القوى القومية والليبرالية واليسارية التي تأخذ عليها مساندتها للسياسة الامريكية في ليبيا وسوريا وايران.في اليمن، تطوّر الصراع على نحوٍ بالغ الحدة. فقد اضطرت الولايات المتحدة الى انزال كتيبة من جنود البحر ‘المارينز’ لحماية سفارتها في صنعاء بعدما تعرّضت لهجمات ضارية وسقوط قتلى وجرحى في جوارها. هكذا تجد حكومة الفريق هادي المعتدلة نفسها بين نار القوى الوطنية والإسلامية المعادية للسياسة الامريكية، ونار تنظيم ‘القاعدة’ الناشط في الجنوب، ناهيك عن معارضة قوى الإنفصال في عدن ومناوشة فلول العهد السابق من انصار علي عبدالله صالح. انه مشهد شديد الإضطراب ومفتوح على شتى الإحتمالات.في السودان، يزداد المشهد السياسي والامني تعقيداً بعدما وسّع الاسلاميون المتطرفون بيكار غضبتهم العارمة بمهاجمة سفارتي المانيا وبريطانيا بعدما كانوا نالوا من سفارة امريكا في الخرطوم. ذلك ان معارضة حزب الامة وسائر القوى الإسلامية بقيادة حسن الترابي لنظام البشير تضع هذا الاخير في موقف لا يحسد عليه. فحكومة جنوب السودان، المدعومة من الغرب الاطلسي، تزيد من ضغوطها لتحصيل المزيد من المكاسب في وقت تتسع عمليات حركة الانفصال في دارفور.غير ان اكثر التداعيات مدعاة للتساؤل والقلق هي تلك التي انعكست على الولايات المتحدة نفسها وبإزاء ثلاث قضايا رئيسة: الاولى، الإنتخابات الرئاسية في امريكا ومدى تأثير موجة الكراهية الإسلامية المتجددة فيها. هل يستفيد الرئيس اوباما من ردة فعل الناخبين الامريكيين على موجة الكراهية ام ان منافسه ميت رومني سيكون المستفيد الاول؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتوقف على ما ستكون عليه ردة فعل الناخبين اليهود الذين يتأثرون بموقف بنيامين نتنياهو. وقد بات واضحاً ان رئيس الحكومة الإسرائيلي يدعم ميت رومني الذي يؤيده الحزب الجمهوري الحائز على مساندة نحو ستين في المئة من الرجال ‘البيض’ الاميركيين ونحو اربعين في المئة من النساء البيضاوات، وأن فوز رومني، الذي ما زال مستبعداً، سيؤدي الى تغيير جذري في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط.الثانية، مسألة صعود الإسلام السلفي مجدداً وتصدّره موجة العداء لامريكا، ومشاركة قوى الإسلام المعتدل، وفي مقدمها الاخوان المسلمون، في التظاهرات المعادية لامريكا وعجزهم عن ضبط منافسيهم السلفيين. هل يعيد اوباما النظر في تعاونه مع القوى ‘الاخوانية’ في مصر وتونس وليبيا، ام يسعى الى ترسيخها وفق قواعد تراعي بشكل افضل سياسة بلاده ومصالحها ؟الثالثة، مسألة الموقف من الازمة السورية في ضؤ قلق دول الغرب الاطلسي من ‘انحراف’ حركات ‘الربيع العربي’ الإسلامية عن مسارها المعتدل. فهل تعيد امريكا واوروبا النظر في استراتيجية دعم المعارضة السورية سياسياً وعسكرياً، وتسير بإتجاه دعم المبعوث الاممي الاخضر الابراهيمي في سعيه الى اجتراح تسوية عادلة للأزمة السورية؟تداعيات جمعة الغضب الإسلامي ما زالت تترى، والافق مفتوح على مفاجآت وتطورات لم تكن في حسبان كبار اللاعبين وصغارهم.’ كاتب لبناني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية