لا تُختزل فلسفة الرفض عند الكاتب والروائي صنع الله إبراهيم (1937-2025) في ردّة فعل عابرة على ظرفٍ سياسي؛ بل هي بنيةٌ فكرية وجمالية متماسكة صاغت مشروعه السردي بأكمله منذ روايته «تلك الرائحة» (1966) وحتى أعماله اللاحقة، إنها نظام متكامل يتسرّب إلى أخلاقيات المؤلف وسوسيولوجيا المثقف، وإلى طرائق السرد: التوثيق، التهكم، التجريب البنائي. رفضٌ يتوزّع على ثلاثة محاور متشابكة: أخلاقي – سياسي يعلن استقلال الكتابة عن شرعية السلطان، وجمالي – أسلوبي يُقوّض الحبكات المطمئنة وبلاغتها، ومعرفي – أرشيفي يحوّل الرواية إلى جهاز تفكيكٍ لخطابات الدولة والسوق والإعلام. بهذا المعنى، لم يكن صنع الله كاتب احتجاج بقدر ما كان مهندس أدوات يعيد ترتيب علاقة الأدب بالحقيقة، ويحمّل القارئ مسؤولية مساءلة العالم بدل استهلاكه.
اعتلى إبراهيم منصّة الأوبرا عام 2003، ليهدم المنصّة: جملةٌ قصيرةٌ تُسقط جائزةً طويلة، وتعيد الكاتب إلى مقام الشاهد لا المصفّق. وحين ودّعه الوسط الثقافي في آب/أغسطس 2025، كان يختتم موقفه المؤسِّس: لا تكريم بلا مساءلة، ولا كتابة بلا كلفةٍ أخلاقية؛ تلك هي وصيّة الرفض التي ظلّت تشتغل، في الأخلاق كما في الأسلوب، وفي السيرة كما في السرد.
الرفض كأخلاق عامة
يبدأ الرفض عند صنع الله من الحقّ في الاستقلال: استقلال السارد عن سردية الدولة، واستقلال الكاتب عن اقتصاد الترويض الثقافي. لقد اختبر السجن مبكّراً، فعاد إلى الكتابة وهو يجرّب اقتصاداً تعبيرياً صلباً يقوم على التقليل والاقتطاع لا على الفيض والإنشاد. في هذا الاقتصاد يكمن موقفٌ أخلاقي: الامتناع عن تجميل الواقع أو تبرير قسوته، والامتناع أيضاً عن المتاجرة بآلام الضحايا عبر بطولاتٍ سهلة. رفض البطولة هنا هو رفضٌ للتشييء، لا يُقايض صنع الله إبراهيم الحقيقة بسردٍ يربح القارئ سريعاً ويخسر الواقع أبعد.
من هنا يتبدّى رفضه باعتباره انحيازاً للضعفاء قبل أن يكون مجرّد تحدٍّ للسلطة. فرفض الجائزة ليس إهانة للمؤسسة الثقافية بقدر ما هو حمايةٌ لمقام الكتابة من أن يصير تابعاً في منظومة شرعنةٍ رمزية. إنها أخلاق الحدّ الأدنى الذي لا يُساوَم عليه: وضوحٌ في الموقف، واقتصادٌ في البلاغة، وصلابةٌ في الإيمان بأن دور الأدب هو كشف البنية لا تزويق الواجهة.
جاء نصّ «تلك الرائحة» صادماً لجمهور تعوّد على بطلٍ يتحرّك بحافزٍ واضح وأفق خلاصٍ قادم. السارد في الرواية خارج السجن لا يعود بطلاً بل ذاتاً تقيس الفراغ: يوميّات مبتورة، رغبات ناقصة، لغة باردة تُفكك حرارة الشعارات. هكذا ينسف صنع الله جذور الحبكة المغلقة لمصلحة اللا– حدث؛ حيث يصبح الركود نفسه حدثاً دالاً على تفكّك المجال العام تحت وطأة المراقبة والعجز. تحوّلت الرواية حتى مصادرة الطبعة الأولى منها إلى جزءٍ من معناها: البنية الأمنية تتدخّل لتكمل ما بدأه النصّ من فضحٍ للصمت الرسمي.
هنا، يتجلّى الرفض الفنّي في إزاحة مركز الثقل من الحكاية إلى الإيقاع: قطعٌ في الجمل، مفرداتٌ منزوعٌ عنها الافتتان، ووعيٌ مقصود بحدود المعرفة. لا يعرض النصّ أجوبةً بقدر ما يزرع أسئلة عن معنى العودة والحرية والجدوى، ويختبر قدرة اللغة على ملامسة ما يُراد لها أن تُخطئه دائماً: منطقة الرماد بين النجاة والهزيمة.
الوثيقة والمونتاج:
رواية ذات كجهاز كشف
في «ذات» (1992) يبلغ الرفض شكله المعرفي الصارم. فبدلاً من أن تحيل الرواية إلى الصحافة بوصفها مرجعاً، تبتلع الصحافة داخل بنيتها: قصاصات أخبار، إعلانات، تقارير رسمية، أسعار سلع، وخرائط صغيرة للمجال العام. هذا المونتاج الوثائقي ليس زينة شكلية، بل جهاز كشف يضع القارئ داخل ماكينة إنتاج الحقيقة ليشاهد كيف تُعزل الوقائع عن سياقاتها وتُعاد صياغتها وفق منطق السوق والدولة.
نحن هنا بإزاء تفكيكٍ لخطاب الخبر: لا حياة خاصة معزولة عن الاقتصاد السياسي، ولا حكاية شخصية بلا سعرٍ في السوق. تصعد ذات بوصفها امرأة من الطبقة الوسطى، لكنّها تُصاغ أيضاً بوصفها نتيجة لسنوات الانفتاح وتحوّلات المدينة واللغة معاً. إنّ الرفض في هذا العمل يرفض الطبيعية المزعومة للأشياء: لا يحدث شيء هكذا؛ كلّ شيءٍ مصنوع، ومن واجب الرواية أن تكشف الصناعة.
تأخذ «اللجنة» (1981) الرفض إلى حافةٍ داكنة؛ يُحاكم السارد أمام جهازٍ إداري– أمني. السخرية هنا ليست نكتة على موظفٍ بيروقراطي، بل تفكيكٌ لبنية الهيمنة ذاتها: كيف تمتزج البيروقراطية بالمعرفة والمال لتنتج حقيقةً رسمية لا سبيل إلى نقضها إلا بتعريتها لغوياً. لذلك تُكتب الرواية بلغة التقارير والاستجوابات، لتقول إن إجراءات السلطة هي القصة، وأنّ الشخصيات مجرّد توابع في نصٍّ أعظم تكتبه المؤسسات.
بهذه السخرية البنيوية ينسى القارئ الضحك ليواجه الهشاشة: لا اسم للجنة، لا مدخل واضحاً للنظام، ولا مخرج سوى الاعتراف بأننا عالقون في متاهة الإجراءات. هنا تبلغ فلسفة الرفض ذروتها: رفض الإغواء الروائي، ورفض المصالحة مع عالمٍ لا يُقرأ إلا إذا شيّأ الإنسان وحوّله إلى ملفّ.
في رواية «شرف» (1997) تتكثّف طبقات الرفض عبر بناءٍ متعدّد الأصوات والوثائق. فالسجن فيها ليس مكاناً طارئاً، بل مجهرٌ اجتماعي: اقتصاد ظلّ، فسادٌ طبي، قانونٌ يتواطأ مع القوة، وجسدٌ يُدار كأنّه موردٌ في سوقٍ قاسية. تتواشج السرديات الشخصية مع تقريرٍ طبي أو مادةٍ قانونية أو حكايةٍ شعبية لتصنع بانوراما عنيفة لعلاقة الدولة بالمجتمع والمال والجسد. هنا، يرفض النصّ ثنائية المجرم/الضحية، كما يرفض التعالي الأخلاقي، مُفضّلاً التشريح على الوعظ، والنظام على الاستثناء.
لا يتقوقع الرفض داخل القاهرة؛ إنّه ينتقل في الجغرافيا ليفحص بنى السلطة أينما ظهرت. في «بيروت بيروت» (1984) يتشكّل خطابٌ ضد المذابح والاصطفافات العمياء في الحرب الأهليّة، حيث تصير اللغة نفسها مسرحاً للانقسام. في «وردة» (2000) يعيد النظر في أسطورة الثورة عبر سردية الثورة العُمانية، كاشفاً تناقضات التنظيم واليوتوبيا حين تُختبر على الأرض. وفي «أمريكانلي» (2003) تتكشّف الجامعة الأمريكية والمجال الأكاديمي بوصفهما مصنعاً ناعماً للهيمنة الثقافية، فيما يعود في «العمامة والقبّعة» (2008) إلى حملة بونابرت على مصر ليشير إلى الحداثة باعتبارها مشروعاً استعمارياً منذ ولادتها.
بهذه الرحلات، يراكم صنع الله طرائق نظر: أينما ذهبت، ستجد وثيقةً يجب تفكيكها، وخبرةً يوميةً يجب تحريرها من خطابها الرسمي، وسرديةً جاهزةً يجب اختبارها ضدّ مادّتها الخام.
من إشارات الرفض اللافتة في مشروع صنع الله ابراهيم أنّه يقرأ المكان باعتباره تقنية حكم. الشارع، المكتب، المول، العيادة، الزنزانة… ليست خلفيات للحدث، بل مُنعطفات للسلطة. في هذا التصوّر يتقاطع الأدب مع دراسات المدينة والنيوليبرالية: كيف يعاد تشكيل الفضاء العام لفرض إيقاعات الطاعة والاستهلاك؟ وكيف تتسرّب السلطة إلى الجسد عبر الأسعار والإعلانات وإجراءات التقنين؟ هنا تتقدّم الرواية لتؤدّي وظيفةً معرفية خالصة: تركيب خرائط جديدة للهيمنة تُرى بالعين المجردة في تفاصيل العيش.
لا تكتمل فلسفة الرفض بدون إعادة تعريف موقع القارئ. هذا القارئ عند صنع الله شريكٌ في التحقيق: يمسك بالقصاصة، يقارن الخبر بالسياق، يختبر صورة السوق والدولة في مطبخ ذات، وفي تقرير اللجنة، وفي إيقاع تلك الرائحة. بذلك ينتقل الأدب من كونه مرآةً إلى كونه مختبراً؛ ومن وظيفة التعاطف إلى وظيفة الفهم. هذا التحويل يحمّل القارئ مسؤولية معرفية: أن يرفض هو أيضاً، أي أن يتوقّف عن استهلاك العالم كسلعة، وأن يطالبه بالمعنى والعدالة معاً.
بلاغة التقشّف
من الناحية الأسلوبية، يختار صنع الله تقشّفاً لغوياً دقيقاً: جمل قصيرة، معجم يومي منزوع الزخرفة، إيقاعٌ يقطّع المشهد بدل أن ينساب فيه. هذا ليس ذوقاً شكلياً، بل بلاغة موقف: فالمبالغة الإنشائية قد تكون شكلاً من أشكال التواطؤ حين تغطي على بنية العنف. لذلك، حين تحتاج الرواية إلى الشعرية، تأتي شعرية موضوعية: في ترتيب الوثيقة، في المفارقة الساخرة، في الصدمة التي تنشأ من تلاصق خبرٍ رسميّ مع حياة مطبخٍ فقير.
لا يرفض صنع الله الأشخاص بقدر ما يرفض العمليات: إجراءات تُحوّل الإنسان إلى رقم، مؤسسات تُعيد تدوير الأكاذيب حتى تصير حقيقة، وأسواق تبتلع اللغة حتى تصير الإعلان هو الخبر. يرفض كذلك الحداثة الكسولة التي تتذرّع بالشعارات، والراديكالية الرومانسية التي تبيع الوهم. الرفض هنا أخلاقي ومعرفي في آن: أخلاقي لأنه يحدّد سقفاً لا تُباع بعده الكرامة، ومعرفي لأنه يعلّمنا كيف نرى آلة العالم وهي تعمل.
اليوم، في زمن المنصّات الصاخبة، تُغمر الحقيقة بتدفّق الصور والقصاصات. يعيدنا صنع الله إبراهيم إلى تمرينٍ أساسي: تخفيض الضجيج كي نسمع العمق. إنّ فلسفة الرفض التي صاغها تقول إن الكاتب ليس خطيباً على منصّة أخلاقية، ولا موظّفاً في إدارة الوجدان العام؛ إنّه عامل مختبر يشتغل على مادّة اللغة والوثيقة والزمن، كي يعيد وصل ما قطعته السلطة، وكشف ما حاولت الواجهة إخفاءه. لهذا ستبقى أعماله قابلةً للقراءة الجديدة كلّما تغيّرت أدوات السيطرة: ما دامت الأجهزة تُنتج حقيقةً رسمية، سيبقى الأدب محتاجاً إلى جهاز مضاد؛ وما دامت السوق تعيد تشكيل الرغبات، سيبقى القارئ محتاجاً إلى تدريبٍ على المقاومة.
في «تلك الرائحة» تعلّمنا أن الفراغ نفسه معنى؛ وفي «اللجنة» رأينا كيف تتحوّل الإجراءات إلى قدر؛ وفي «ذات» لمسنا الصحافة وهي تُصنع؛ وفي «شرف» فهمنا أن السجن نظامٌ اجتماعي مكبّر. وبين بيروت ومسقط والقاهرة وباريس، ظلّ صنع الله يذكّرنا بأنّ الرواية مؤسّسة مساءلة إضافة إلى كونها فنا سرديا. تلك هي فلسفة الرفض التي تركها لنا الأديب الراحل: مدرسةٌ في الاستقلال، ومنهجٌ في التفكير، وأخلاقياتٌ للكتابة لا تُساوم على كرامتها ولا على حقّ القرّاء في معرفةٍ تُحرّر ولا تُخدِّر.