الأناضول ـ من سلمان العنداري ـ ينتشرون بروح شبابية وثابة في أرجاء بلدتهم الملاصقة للحدود السورية… يعزفون بالأمل لحنا يعلو على صوت الرصاص.. ويرسمون بالكاميرا.. صورا تتجاوز ملامح “اللجوء” و”الإرهاب”.. وقد اتخذوا قرارهم بأن يصدروا للعالم صورة مختلفة عن بلدتهم “عرسال”.
إنهم مجموعة من أبناء بلدة عرسال الحدودية اللبنانية، والتي تتعرض مؤخرا لحملات إعلامية تصورها بأنها “منبعا ومرتعا للإرهاب والمسلحين”، خاصة بعد احتضان عرسال لأكثر من 75 ألف لاجىء سوري، الأمر الذي جعل قوى لبنانية حليفة لنظام بشار الأسد على رأسها “حزب الله”، تشن حملة إعلامية ضد توجهات أهالي البلدة الداعمة للاجئين السوريين، وتكرس صورة ذهنية عنها أنها “مأوى للمسلحين”.
هذه الحملة الإعلامية زادت وتيرتها بعد الاشتباكات التي وقعت بين الجيش اللبناني ومسلحين قادمين من الحدود السورية في أغسطس/آب 2014، وأسفرت عن عدد من القتلى في الجانبين، بالإضافة إلى خطف جبهة النصرة وتنظيم “داعش” عددا من الجنود اللبنانيين. حينها قيل إن عرسال التي تبعد عن العاصمة بيروت 120 كلم “سهّلت الطريق أمام المسلحين للاعتداء على الجيش”.
دفع هذا الواقع منظمات المجتمع المدني في البلدة إلى التحرك السريع لوضع حد لهذه الحملات، فكان تكتل منظمات المجتمع المدني في عرسال، والذي تأسس منذ 10 أشهر، ويضم اليوم أكثر من 11 جمعية ومنظمة ناشطة في المجالات الاجتماعية والثقافية؛ هي “جمعية الإرشاد الاجتماعية، جميعة الإنماء الريفي، النهضة الاجتماعية، الإحسان والإيثار، الإسعاف الشعبي، جسور النور، حلمي حلمك، رابطة شباب عرسال، كشاف الجراح، عرسال الغد، ومستقبل عرسال”.
ويسعى التكتل إلى “تسهيل وتنفيذ مشاريع إنمائية، والعمل على تعزيز ثقافة المشاركة وبث روح المبادرة لدى أبناء المجتمع المحلي”، إلا أن أبرز الجهود تمثلت في تشكيل فريق إعلامي من شباب البلدة، الذين تمكنوا بعد فترة من التدريب من إنتاج عدد من الأفلام القصيرة والتقارير التي تحاول تغيير الصورة النمطية السلبية عن عرسال.
صادق الحجيري، رئيس تكتل منظمات المجتمع المدني في عرسال تحدث عن المشروع لمراسل الأناضول قائلاً “بإمكانيات متواضعة تم تنفيذ المشروع، وتدريب المشاركين على كيفية التصوير وإجراء المقابلات والأبحاث، وعلى اختيار القضايا والقصص الساخنة التي تحدث في البلدة”.
“الفريق الإعلامي الذي تتراوح أعمار أعضائه بين 18 و26 عاما، أنتجوا خلال الأسابيع القليلة الماضية ثمانية تقارير اجتماعية قصيرة، حول واقع عرسال، والحرف التقليدية فيها وغيرها”، يضيف الحجيري، لافتاً إلى أن “التقارير قُدمت بطريقة إخبارية، وكان من أبرز المواضوعات التي تناولتها علاقة عرسال التاريخية بالجيش اللبناني، والشهداء الذين سقطوا دفاعا عن الوطن والأرض من أبناء عرسال، إضافة الى ترميم المؤسسات التربوية في البلدة، وغياب دور المؤسسات الرسمية والمؤسسات المدنية”.
ويصف الحجيري كيفية تنفيذ هذه التقارير بقوله “صوّرت من لقطات عامة للبلدة، مرورا بإجراء مقابلات خاصة مع أهالي شهداء الجيش اللبناني، ومع مسؤولين ونقابيين ومزارعين وصناعيين، تحدثوا عن مشاكلهم والعقبات التي يواجهونها، بالإضافة إلى تقرير يتحدث عن غياب شبكة الإنترنت في البلدة، وغياب الدوائر الرسمية ونظرة البعض السلبية تجاه العراسلة (أبناء عرسال)”.
وبحسب الحجيري، فإن المشروع “عبارة عن خطوة أولى لهؤلاء الشباب لمساعدتهم على نقل الصورة الإيجابية عن عرسال، وأن يتمرّسوا على نقل الأحداث بمهنية وحرفية في المرحلة المقبلة على وسائل التواصل الاجتماعي إلى كل المجتمع اللبناني والعربي”.
“العتب كبير من أهالي عرسال وشبابها على ما تقوم به بعض وسائل الإعلام من توصيف للبلدة وواقعها”، بحسب أميمة البريدي، أحد أعضاء الفريق الإعلامي، والتي قامت بإعداد تقرير عن حياكة السجاد التقليدية في عرسال، مستطردة “فما يتم نشره من أخبار سوداء حول عرسال لا يمت للحقيقة بصلة”.
وتدعو البريدي إلى “الكفّ عن تشويه سمعة” بلدتها، مذكرةً بـ”التضحيات التي قام بها أبناء عرسال منذ عقود في مواجهة العدوان الإسرائيلي، ومساهمتهم بدعم المقاومة الوطنية واللبنانية، وصولا إلى محاربتهم للإرهاب”، ومضيفة “أدعو الجميع إلى زيارة عرسال لاكتشاف طيبة أهلها وبساطة العيش فيها”.
أما محمود زعرور، المتطوع في التكتل والمشارك في إنتاج تقرير عن مؤسسات الدولة في البلدة، فيؤكد أنه “في ظل هذه الظروف التي تعرفها كل الناس، والوضع الأمني الصعب، حاولنا أن نرفع الصوت، باستخدام أسلوبنا، وكاميرتنا، لكي ننقل معاناة ابن عرسال اليومية”.
ويحاول الفريق الإعلامي تسويق تقاريره، وبحسب الحجيري فإن “التقارير ستعرض في مؤتمر خاص عن عرسال، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى وسائل الإعلام، سعيا منا لنقل الواقع الحقيقي للبلدة، وللقول إن عرسال تحتضن الجميع، وتمد يدها للجميع، وأنها مع الدولة والجيش والمؤسسات حتى الرمق الأخير”.(الاناضول)