يقال أنّ أصعب الأشياء أن تبقى الشّعوب تتفرّج على تاريخها، لكن أن تنسى هذه الشعوب تاريخها، تُقبره أوبالأصحّ تئده بأيديها وأيدي أعدئها فهذا هوعين الإنحدار القِيمي لهذه الشعوب ووصمة العار التي تبقى العلامة المميّزة على جبين كلّ فرد من هذه الأمّة حتّى إشعار آخر.
حرب الأيام الستّة، الحرب الإسرائيليّة العربيّة التي وقعت عام 1967 والتي خلّفت مع خسائرها الفادحة في الأرواح والعتاد والأرض والعرض، فهي قد خلّفت شرخا مزمنا في رقعة الوطن العربي كلّه وأحدثت تصدّعا كان كافيا للتأسيس لواقع الهزيمة برغم ما عقبته من أحداث وتحركات سواء سياسيّة أوشعبيّة مجتمعة كانت أومنفردة…
هزيمة طالت كل الصفّ العربي يوم كان له إمكانية الحراك والتجمّع وكانت له إمكانيّة الفعل لا فقاقيع القول، هزيمة كانت القاصمة في ظهر أمّة فضّلت من يومها بإرادتها أوبغير إرادتها أن تكون في موقع الخنوع وفي موقع الإنصياع والتبعيّة زادها ارتهانا حكاّم فُصّلت هويّاتهم على المقاس نفسه ليكونوا طيلة العقود الماضية هم الذراع الحديديّة القائمة بأعمال التمثيل السياسي والبوليسي والعسكري تكريسا لنواة الهزيمة والبناء عليها في ذات الإتّجاه، إتجاه الذلّ والإحباط والإكسار المادّي والمعنوي..
حكّام كانوا ملكيين أكثر من الملك تفانوا في خدمة الأجندات المتتالية لتأهيل هذه الهزيمة القاسية في نفوس الشعوب العربيّة لتتوّج بإنجاز العار الآخر، إتفاقية « الأرض مقابل السلام « والتي أفضت طبيعيّا إلى الهرولة للتطبيع مع العدوّ الإسرائيلي جماعات وفرادى، سرّا وجهرا.
أمّا الشعوب التي أثّر فيها هذا العمل المقصود والممنهج نسيت وطوت صفحات تاريخها ليحاصرها بارونات الإعلام المائع وأباطرة كلّ أنواع الفساد حتّى انعدم عندها أي وازع وانتفت فيها أيّة صلة بتاريخها المبتور وهويّتها المغيّبة، اختطفتها مشاغلها الذّاتية وأبهرتها أضواء الطفرة الحضاريّة….
لكـــن يبقى الأمل قائما بأن يتبدّل – قلم كاتب التاريخ فتنتفض وتنهض حاضر شعوبنا ومستقبلها ليستفيق القمقم (المخدّر) في دواخلها وتمسح عن جبين الأمّة عار هزيمة كانت هي أمّ النكبات.
منجي باكير- تونس