الشاعر الفرنسي كلود روايي: الشعر برمته حرف جر

احساين بنزبير
حجم الخط
0

كلود روايي ـ جورنو (1941) من صنف الشعراء الذين لا يسمحون للشعر إلا أن يكون شعرا مشتبها فيه. حيث في خسران شيء يشبه الشعر من أجل الشعر، يصير للمساحات معنى. إنه كاتب أو شاعر ينزعج من الصورة وكل ما له علاقة بالتشابه. جورنو يدفع بالشعر إلى توقف حقيقي ونحوي عند كل جملة يكتبها. إنه ينزف وهو يكتب. من 400 صفحة من النثر، يزيح ما هو زيادة. كتابته تسحن وتسحق النثر، كي تصل إلى كتابة لا زبدة فيها. ومن يطلع على رباعيته الشهيرة (التنكيس سنة 1972، مبادئ الحاجز سنة1971، المواضيع تحتوي اللانهائي سنة 1983، الطباع التي لا تتجزأ سنة 1997)، يقف حتما أمام ما سماه صديق جورنو الشاعر إ. هوكار بحداثة سلبية modernité négativ، أي أن الشعر في نصوص هذا الشاعر يضحى محركا لغياب المعنى أو تغييبه، لشدة البـياضات التي تنحو نحو شعر نحوي Poésie grammaticale.
هذا المنحى في كتابة الشعر مقاولة ضد التورم الغنائي وضد شعر أيضا يتكلف عواطف حد الابتذال والركاكة. هذا هو عموما حيز جورنو المسكون بالبياض، الذي أشرت إليه أعلاه، حيث يصير موصلا بين السطور أو الأبيات الشعرية. هذا إذا ما اعتبرنا أن الرجوع إلى السطر يفبرك البيت الشعري le vers. وما الشعر المعاصر إلا كتابة المستحيل بين النثر، الذي ليس جنسا أدبيا والشعر كأفق لكتابة الشعر، ألا نكون في كتابة جورنو أمام مسرحة للشعر فضائيا؟ أمام شيء قد يجيء ولا شيء يحدث؟
أتذكر يوم رأيته وهو يقرأ شعره في المركز الدولي للشعر في مرسيليا، فهمت كتابته والبياض. ثم من زاوية أخرى جعلني أحيط بالشعر الفرنسي المعاصر. وكأن جورنو يتقدم من خلال ما يزيل وينظف. ربما إنها مصبنة لسانية، حيث النبرة كالفكر تفكك تشابها على مرمى شعر شرغوف في كتابة راويي – جورنو: الشعر برمته حرف جر.

لذلك قراءة جورنو تستدعي التخلص من كل ما نتبنى معرفته في الشعر، وأن نعيد النظر في معنى الصورة والتماثل، ونصاحب جورنو في اعوجاجات اللغة. ثم في حروف العلة نعثر ربما على شيء يستعد على القدوم: العالم.
وربما في اعوجاج اللغة، تجد هذه الترجمة مكانها. وهي جزء من أنطولوجيا أشتغل عليها منذ شهور عدة. شواعر وشعراء فرنسيون يسمحون لي بالدخول في عقاقير نصوصهم، حتى تكون الترجمة كتابة ثالثة، أو ما ينقص في متن شعري ما.

الكلمة لديه
ليست ترسو
ليست تبحر
ليست تُحلّق
ليست تنطلق ولا تورط
ليست تأذن بهبوط (ولا تلغي).

«الغطاء الأمومي» أو التصويب

I

بوادر النهار الأولى
يبحث عن لسانه
أمام «النار»
شبه فراغ
إنه لسانهم
***
خبل
في المشهد تنهمك الكتلة
تكاد لا تسترعي
لا يهبون غير ظلهم
****
وراءهم
حين الصوت يحمل مـتوغلا
لسانا مبتورا
يتعقب النهار بعناد
رأس
من البأس متهدل
****
حيز الجوع
ذاك الذي لا يتكلم
****
المفاخر
حيز الجوع
ما يشد
في الغرفة
حيز برد
البهيمة مقصبة على الفور
في الجهة الأخرى
«المرء يواصل أبيض على أسود»
النقطة البيضاء التي تعينه
في التجارة اليومية
****
من يد إلى أخرى تعبر المواضيع
حيث الصمت واجب
اعتبارا لما ينهك
ينطلق من القليل
****
«شيء ما كالعاصفة والرقاد»
حجز ضجيج
لسان آخر
ينضاف إلى ما يسقط
«شيء ما كشحذ سكين»
خارج ذاته
لا خفة على الإطلاق

II
الصورة
ترعى الخسارة
«كانت هنا»
مأكولة من طرف سؤالها
****
الصخب لا يتوزع
ينتمي بالأحرى
ليس صعبا
حتى نلتحق باللون
الأرقام تقلب
في اللسان العائد
يرى ظهره الذي يولد
جملة هواء
حيوانات
ثابتة في الحيز
تجتهد في جلد القصة
الخوف
لا غير
****
مغتاظا في ضجة التكرار
جسم يثقل
عمل يد محاسبة
عمل عمودي وأبيض
هي في التكرار
الطقوس تتوطد
رونقا مكبوتا في الأسود
قبل بلوغ الساعد
نصيب وجب غمره
ها هنا
لا ندري أين رسوب القوة
حيزا بلا حبر
إنهم هنا
بقايا موت بيضاء
****
استعاد قصته
بعيدا عن المائدة
موضوعا (أموميا) للضجيج
ليس هناك صورة
المعصم يمسك بالحيز
عند كل بدء
«لو أن شيئا ما يحدث»
هذه الكلمة الملصوقة بالرقاد
نسخة فظة
لهذه الزاوية
حيث الفكر كان استراحة
لم نلمحه يأخذ أي ورق
(… ممزق جراء تعدد النشيد. البصر لا يكفي. إلى الولوج يشير، وهو يراكم البرد. هذه الأشياء على حائط).
ها جملة
حيث لا تبدو
في التمرن على الألوان
(بهائم مفترضة)
النزول نحو البحر النزول
إلى أقصى الوطيء
حكاية مغذية
دون علمهم
النهار يضحى هبة
أفعال غير عادية
مطمورة في اليد
الحداد مدة غزو
الشف أخذ مكانه على حساب الفم
«انفصل عن الحكاية»
وإذا تكلم
في وسط الصورة
البرد يحاصر التلفظ
التجارة
في أشياء الذاكرة
بالقرب من الحادث
يحل الشف محل الأبجدية
حيث الوصف شكل الصورة
على الفم الذي ظل شاغرا
(لا نعرف عن الأشياء غير
البطء، قسمة أخرى.
القوة عثرت على مسرح.
خوفا من السقوط)
8
(يذهبن مرة أخرى، يحجبن
النور عن الهواء. لا مشهد على الإطلاق.
الحيز يغلق لسان الحداد).

الأم
كل قطعة
كأنها بتر
لو تكلم لا ينقل البتة
جارا للـعطش
آلة الاستقبال
في الأجيال

قياس يوم
(بين الماء والحائط، صوت ما يتملك المكان ثانية. أبجدية الجسم والخسارة برمتها. الظهر يغطي سلما أبيض)

ترجمة وتقديم: احساين بنزبير
من ديوان: المواضيع تستوعب اللانهائي
دار النشر: غاليمار:1983

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية