مشكاة الظل… مقاربة في النّضال الثقافي لـ محمد عابد الجابري

حجم الخط
2

تستأنس الفرادة بمغامرة الرّوح في ديدن المعنى، ليس المعنى بغريب عن الروح، لأنّ زهرة الكلمة تمتح مما لا تعلمه الذات في حينه من اقتراب من المعنى، كيف يقترب العقل من المعنى؟
كيف يعثر على ما يراه فكا لغموض في كينونة الفهم؟ العقل لا يسأل عن وجوداته الآنية في حياض الكلام والنص، لكنّه في ثنايا ما يقدّمه من نص يبث شكوكيته الباحثة فقط عن الضّوء الوجودي، الذي يشعل شمعة في ريعان النّهار بحثا عن أمثولة لسؤال، ذلك هو محمد عابد الجابري في مشروعه الدال على الجري خلف ظل يسكنه الإنسان في متاهة العقل النقدي، ومن ظل المتاهة خرج «التكوين والبنية» وطروحات العقل السياسي والأخلاقي.

السّيرة ومشيئة النص:

عندما تعرّض محمد عابد الجابري لسيرته الذّاتية عنون لها بـ»حفريات في الذاكرة»، كونها إعادة اكتشاف للهيكل الوجودي الذي أنتج كينونة تلمح العالم من خلال النص والذاكرة، لأنّ تشكلات الكينونة الجابرية لم تكن بمعزل عن محيطها المليء بالتّعب الإنساني، ولهذا هو يفصح عن أنه ابن محيطه الذي دأب على الانخراط في دواليب حراكه الاجتماعي والسياسي منذ سن الخامسة عشرة وحتى بلوغ الخامسة والستين، فكان الحقل مرتعا للطفل الهارب من كينونة انشطرت بين الأم والأب اللذين انفصلا، ولعله من هذا المستوى في توترات المسار الشّخصي استطاع أن ينظر إلى الواقع من خلال انشطاراته وليس من خلال كمالاته، فـ»التكوين والبنية» في العقل العربي لا يؤسّسان للنّهايات الأنطولوجية للعقل، ولكن يكشفان عن تفككات وانشطارات العقل التي أدّت إلى البنية الهشة والتكوين الفانتازي، لهذا لا أستطيع أن أفصل بين الملمح السيرذاتي في ضجره من الأخطاء التي كان كتبة مسوّدات كتبه يرتكبونها وهم يرقنون النّصوص، فاشترى آلة كاتبة وانبرت زوجته لهذه المهمّة التي تعبّر في عمقها النّفسي عن محاولة لرتق فصول الفتق في مسار الذات، التي أنتجتها اختلالات مجتمعية متراكمة ظهرت في شكل «التكوين والبنيةّ، وما سلوكه في تغيير مصدر كتابة ملفات كتبه بإسناده إلى زوجته سوى تفكيك لتكوين وبنية الهشاشة التي تساهم في تشكيل الفهم والرّؤية اللذين يؤسّسان الواقع الذي حتما يكون هشّا.
يلتئم جرح محمد عابد الجابري الوجودي بنقلته المشهودة إلى الدار البيضاء، حيث اشتغل خياطا لمعاونة نفسه على أمور الحياة، وحتى لا يكون عالة على أحد، لكن الفضاء البيضاوي لم يكن ذلك المجال الساكن، بحيث انعكست حركة المكان على وجدان الجابري، فلم يخلد إلى الخياطة كمهنة، بل كانت مرحلة تؤسّس لمقامية معرفية تنخرط في النص لرتق جبّة الوله الصاعدة بالعقل والوجدان في رحلة أساسها الأول الهجرة، ولهذا كان لقاؤه بكتاب اقتناه يوما وعكف على قراءته، عاملا حاسما في العودة إلى الدّرس ومتابعة المسار في رفقة النص، فانحرف عن مسار الخياطة، كمهنة، لأنّ الخياطة، وقبلها ارتياد «الحقل»، ليست بما يعاب به الناس، فهي الدال في حركية محمد عابد الجابري الوجودية على اهتمامه العميق والصادق بالحركة المجتمعية في مستوياتها المعيشية والمتاحة في كبد الحياة وتعبها المضني من أجل الوصول إلى مستوى إنسان، ولهذا وجد ضالته الفكرية والإيديولوجية حين خاط له القدر لقاء تاريخيا بالمهدي بن بركة، المناضل الاشتراكي المعروف، وبعد أن صار معلّما سجّل للبكالوريا وتحصل عليها، وكانت نقطته في الترجمة لافتة، فاستدعاه المهدي بن بركة، الذي كان مشرفا على البكالوريا ذلك العام للعمل في جريدة «العلم» لسان حال الحزب الوطني للقوات الشعبية، وبدأ مساره النّضالي الحائز شتلة الثقافي والمنتصر لها في كينونة الظمأ والحراك المدمن على هامش البسطاء، فهو كما يقول «أنا لست مفكرا بالمعنى أني أخطط في السّماء، أنا أستنتج من ممارستي ومعاناتي مع الناس».

الحركة في الذّات وواقعية المسلك:

محمّد عابد الجابري، كغيره من الفعاليات المفكرة تصبح في مرحلة من مراحلها الوجودية ذاكرة تمتثل أمامها بعض الإرادات السياسية التي تبحث عن مصداقية أمام مرآة حركتها في المجتمع، لكن الفاعل الثقاقي الذي كانه الجابري كانت علاقته بالمجتمع كما يصفها لا منفصلة، بمعنى أنه كان «مثقفا عضويا»، وهو يحمل وعيا عميقا بهذه الكينونة، فانتماؤه الخالص للمجتمع جعله بعيدا عن الانخراط في ثقافة الفلكلور والوجاهة، ولهذا رفض جائزة القذّافي لحقوق الإنسان، وكان تبريره لذلك في مستوى نقائه الذاتي وكبر أحلامه كمثقف يحتك بالهامش ويتقن ثقافة البسطاء، رفض هذه الجائزة لأنّه سبقه إليها الرئيس الجزائري أحمد بن بلا والزعيم نلسون مانديلا، ويرى في نفسه أنه أقل منهما اشتغالا وحضورا في مجال حقوق الإنسان، ورغم أننا نقبل على مضض هذا التبرير، فإننا نؤمن بأنّ الجابري فعلا يعكس الذات اللامنتمية والطليقة من إكراهات المركز العائقة للنبوغ والفرح النضالي، ومن خلال تكرار رفض الجائزة يتأكد انتصاره للذات المنغمسة في الهم الثقافي اللامنفصل عن الجماعة الاجتماعية، حيث رفض أيضا جائزة حزب البعث العراقي، فالجائزة بطبيعتها نافرة من بساطة المسلك الواقعي، حيث تشكل انفصالا لا واعيا داخل الذات لشعورها بالتميّز، وقد يكون هذا الشعور في مستوى تعالي الأنا الذي ينتظر فرص الاقتراب من الأبواب المتاحة للبروز الأسهل، كما أنه قد يشكل داخل الوعي الجمعي حالات من التماهي المفرغ من شحنة التواشج العاطفي في التقاء إرادتين، إرادة ناجزة في الوعي العارف بالحركة، وإرادة ناجزة في الإمتثال لتداعياتها تلقيا وتنفيذا، ولهذا تتطوّر فكرة الرفض إلى نوع من إنكار الذات لأجل أن تخلص لولائها النضالي للفكرة النابتة مورفولوجيا للاستقامة والحضور داخل محفل الفرح الاجتماعي، ومن هذه الناحية فهو يتخلى عن أخلاق البطولة، كما ورد في تصريحه بأنه لم يكن بالدرجة التي تجعله مطلوبا للنظام حتى يترك البلاد كما نصح بذلك هو نفسه المهدي بن بركة، فمستوى إنكار الذات وترسيمها عنوانا بسيطا داخل مشهدية واقعية وحقيقية في بطولتها الذاتية، يدحض بروز الأنا كعائق على الدوام للانفكاك النّزقي عن نسيج اللحمة الاجتماعية، حتى في نتوءاتها السياسية، فدعوته إلى «الكتلة التاريخية» تعدّ من أهم المفاهيم الدالة على التخلي عن عنجهية الأنا، سواء الفردي أو الجمعي لفائدة المشروع المجتمعي الذي يتجلى في الرؤية الجماعية حينما تفشل الكيانات المنفردة في تحقيقه.

انطولوجيا العقل.. الوعي المتبادل وكثير من المحبة:

يتأسّس الحلم في شعلة ما، فهي شعلة محبّة بالنسبة للجابري وهو يبني أنطولوجيا العقل، لكن أيضا توطد سريان الحلم الجابري داخل أوعية الوجدان الممتدة في حلم المرأة التي اختارها والتي تتذكر الحضن المفكر بكثير من الفيض العاطفي، تكمل صورة الجابري قائلة: «عشت حياة جميلة مع السّي محمد، لو خيّرت أن أختار حياة أخرى ما أختار سوى السّي محمد»، لا تنبني هذه الوشيجة بسهولة في بوتقة تُزاحم فيها الكتب طبيعة المرأة التي لا تنسجم مع أي تشاركية في حياة زوجها، ولكن الجابري يكون قد انتبه إلى هذا حينما عهد إليها بمشاركته في مشروعه رقنا على الآلة الكاتبة، وبالتالي تكون العلاقة في ما يتداول بينهما وجدانية حتى في مستوياتها الأشد فلسفية أو عقلية، فمحك المحبة ليس الاحترام وحده وإن كان مهما، لكن ما هو أهم منه الشعور بالوعي المدمج، أو تبادل الوعي الطوعي، فإن تكتب زوجته مسوّدات كتبه، معناه أنها تتلقى مفاتيح فكره من خلال الكلمات المفتاحية التي يصل إليها فهمها، ومنه الوصول إلى درجة الوعي المتبادل، وهو ما يفسّره بوح ابنته وهي تروي نهاية المشهد الأبوي، حيث تذكر أنه في تلك الليلة سهر حتى ساعة متأخرة ولما اكتشفوا موته كانت كتبه وأوراقه منشورة على مكتبه وكأنه كما قالت سوف يعود إليها ليتم عمله، فهذا الإيمان بالعودة هو شعور بأهمية المسلك النضالي للأب، كما أنه يعكس الوعي المتبادل الناتج عن أهمية الانخراط الوجداني في تفاصيل المشروع، ولعل هذا الانفتاح على العائلي يفسّره ما ذكره بعض أصدقائه في وصف الجابري من أنه كان «منغلقا على نفسه وقليل الكلام» ويعزو ذلك إلى ما يسمّيه «الطبع الصحراوي»، وهو ما يرتقي بعزلته هذه إلى شعرية التلقي عن الماضي، حين تتحول كل فاصلة في مسار الذات إلى وصلة شفافة تربط عناصر الوعي في منتظم العائلة بمفهومه الأنثربولوجي القائم معناه في العلاقة القريبة من الذات في معنى القرابة، وفي تحقق معنى الانتماء لمستوى قرابة تأسيسية تستند إلى الوهج التاريخي في ما تبنّاه من عزوف عن التواصل في مرحلة من المراحل مع الخارج، عائلي وعيشه مع «ابن رشد وابن خلدون» هؤلاء الذين يشكلون درجة الوعي المتبادل الذي حققه مع التراث في نقدياته المفتوحة على العقل وكثير من المحبّة.

كاتب جزائري

عبد الحفيظ بن جلولي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية