يعتبر عدد من دارسي عصر التنوير، ومنهم مثلاً البريطاني جوناثان إسرائيل والألماني مارتن مولزو، أن التركيز على المفهوم الكلاسيكي لـ»العقلانية» و»العلميّة» لا يمكن أن يحقق فهماً صحيحاً للتنوير، بوصفه ظاهرة تاريخية واجتماعية وثقافية، ولفهمه لا بد من تجاوز عدد من الأفكار المدرسيّة الدارجة، ابتداءً ممن يُعتبرون أعلامه الأشهر، مروراً بنصوصه المؤسِّسة، وصولاً إلى تقديمه بوصفه تياراً واحداً، أو في أحسن الأحوال تقسيمه حسب البلدان (التنوير الفرنسي، التنوير الألماني، التنوير الاسكتلندي، إلخ).
هنالك «تنويرات» إن صح التعبير، أحيانا تكون متناقضة، أو نشأت بالتعارض مع بعضها. بالنسبة لإسرائيل فإن «التنوير الراديكالي»، المُستقى من فلسفة سبينوزا أساساً، وليس كانط أو روسو، هو الأكثر أهمية في مسيرة الحداثة، خاصة الثورتين الأمريكية والفرنسية؛ فيما يركّز مولزو على «التنوير المُبكر»، بأسمائه المنسيّة، وعلومه السريّة، ونصوصه التجديفية والإباحية، لرسم صورة «العالم السفلي للتنوير»، التي قد لا تتفق كثيراً مع التصورات العلميّة والأخلاقية المعاصرة، التي لعبت رغم ذلك، أو ربما بفضله، دوراً حاسماً في الانعطافة الثقافية والاجتماعية الهائلة التي حققها التنوير. قبلهما، اشتُهر المفكر البريطاني إيزايا برلين، بدراساته النقديّة عن الحركة الرومانتيكية الألمانية، التي رغم كونها نمطاً من «التنوير المضاد»، وساهمت بنشأة عدد من أسوأ التيارات القومية والأصولية، إلا أنها أيضاً لعبت دوراً مهماً في تأسيس مفاهيمنا المعاصرة، التنويرية جداً، عن التعددية والاختلاف وحرية الضمير.
هذه الصورة المعقدة للتنوير قلبت عدداً من المعايير الأساسية، إذ صرنا نفهم أكثر دور العاطفة والرغبة والغضب والخيال، بل حتى السحر والحماقة، في تأسيس العقل المعاصر. وقد طالت إعادة القراءة الجميع، بمن في ذلك مثلاً السير إسحق نيوتن، الذي بتنا اليوم نعرف أكثر عن نصوصه في مجال الخيمياء، وغيرها من «العلوم» القديمة، وبحثه عن «حجر الفلاسفة»، بما يتجاوز الصورة التقليدية عنه، بوصفه مؤسس الفيزياء الحديثة وحسب. لا ينفي هذا بالتأكيد أهمية المنهج العلمي، أو حتى «العقل المتعالي»، ولكنه يفتح آفاقاً واسعة لإدراك تعدد المنظورات الفكرية، والأساليب التعبيرية، والتصورات الثقافية، التي صاغت ما نسميه التنوير، الذي لا يقوم فقط على ضبط المناهج وتعيين الحقائق، وإنما أيضاً فتح الفضاءات الاجتماعية للجدل والشك والتجريب، وكذلك مقاومة السلطة، ما أنتج في المحصلة «عقلاً عمومياً»، لا تحتكره فئة أو طبقة أو عرقية، قادراً على نقد ذاته، وتجاوز مسلماته؛ وصياغة الروايات والأساطير، ومن ثم هدمها. الأمر الذي يقدّم مشهداً تنويرياً أكثر ديمقراطية، وأشد راديكالية، من السرد المدرسي المألوف.
ما تزال هذه الصورة غائبة إلى حد كبير عن الجدل باللغة العربية، الذي علق في ترديد العبارات المكررة عن «العقلانية» المفقودة؛ أو بالمقابل، رفض وإدانة التنوير باعتباره ظاهرة «استعمارية» أو «بيضاء»، وغيرها من المقولات التبسيطية، التي انتشرت بشدة في العقدين الماضيين، الأمر الذي ربما يكون معيقاً لفرص التنوير في المنطقة: لدينا كثيرٌ من الحماقة والشعوذة والهلوسة والغضب، لدى جميع الأطراف، فهل الحل اتخاذ موقف تطهّري من كل تلك الظواهر، وإدانتها باسم عقلانية مترفّعة؟ أو بالعكس، الدفاع عنها بوصفها «ثقافة الناس» التي لا يجوز نقدها، باعتبارهم «مهمشين»؟ قد يكون الموقفان بحاجة لبعض «التنوير».
يفترض التنوير، من حيث اللفظ والاصطلاح، وجود حالة سابقة له، هي الظلاميّة، ما يجعل «الشجاعة في استعمال العقل»، وهي التعريف الأبسط للتنوير، ضرورة. يفقد الحديث عن «العقل» كثيراً من معناه، إذا لم يقترن بـ»الشجاعة»، بمعنى أن العقل ليس معطىً جاهزاً، أو آلة مكتملة لإنتاج المعرفة والمعنى، وإنما حركة وتوجّه وقدرة على النقد، بما في ذلك نقد العقل نفسه، وإدراك حدوده؛ والمقدرة على التعاطي مع أخطائه وضلالاته وألعابه. يجعل هذا من التنوير خوضاً في الظلامية، حتى أعماقها، دون الخوف من «التلوث»؛ و»عملاً ثقافياً»، له أدواته، التي تتناسب مع المواد التي يتعامل معها. ربما ليس من الصدفة أن دانتون، أحد رموز الثورة الفرنسية، خاطب جمهوره، في أحلك ظروف الثورة، بالعبارة الشهيرة: «الشجاعة، ثم الشجاعة، والشجاعة دائماً».
قد يجعل هذا من التنوير، في ظرف المنطقة، مواجهة مفتوحة مع العدوانية، بكل أشكالها السياسية والثقافية، وفي قلبها. ففي مجتمعات تسود فيها أشكال مروّعة من العنف، والرغبة في الاعتداء على الآخر، ودعوات الإبادة، لا معنىً للتحسّر على «حوار عقلاني» مفقود، والأجدى الخوض في العدوانية، وتحليلها وتفسيرها ونقدها، وكذلك التعبير عنها، بلغة متناسبة مع هولها. ربما قد يجعلنا هذا ندرك أكثر سبب تقدير الباحثين المعاصرين للآداب التنويرية، التجديفية والإباحية والهجائية والتهكّمية. ولكنْ، ما الغاية من هذا الخوض في العدوانية؟ هل سيوصل إلى «تنوير» متجاوز للعنف، أم أنه لن ينفع إلا في تكريس الاستقطاب والصراع؟
انفعال وعقل
سيجد أي مطّلع على سياسة وثقافة المنطقة نفسه وسط شبكة معقّدة من الانفعالات، أبرزها الخوف والاشمئزاز والغضب والكراهية، وهي مولّدة بطبيعة الحال لكثير من العنف. بالتأكيد تستحق تلك الانفعالات كامل الإدانة، وليس من الخطأ وصفها بالأوهام، إلا أنها قد تكون، بالنسبة لحامليها، ضرورة لحفظ الوجود. قد يكره بعض أفراد مجموعة سكانية مجموعات أخرى بأكملها، ويحلمون بإقصائها، أو السيطرة عليها، أو حتى إبادتها، والسبب غالباً قد يكون «مظلومية» ما، تجعلهم يؤمنون بأنهم إذا لم يكونوا في موقع الجلّاد، فسيصبحون الضحيّة؛ وفي الوقت نفسه يسعون إلى تكريس كل عناصر التفوّق على الآخر في ثقافتهم، لتبرير كراهيتهم، وطموحاتهم في الإلغاء «الضروري». هذا المزيج من المسكنة والاستعلاء، الذي ينتهي غالباً بوقائع شديدة الدموية، يقوم على انفعالات سلبية عديدة، إلا أنها تلعب دوراً مهماً في بناء الجماعة، وصياغة هويتها، والحفاظ على تماسكها.
تنبني الأيديولوجيات الجماهيرية، التي تستثمر في المسكنة والتفوّق إلى أقصى حد، على كثير من تلك الانفعالات السلبية، المُقدّمة بشكل بطولي، أو رومانسي، أو شعري، ما يجعلها شكلاً جماعياً للمتعة والتلذذ، وغالباً ما يُحشد جمهور تلك الأيديولوجيات، في مؤسسات انضباطية وعقابية، مثل الجيوش والسجون والمدارس، يرتبط فيها الانتماء للجماعة بالألم الجسدي والمعنوي، ما يجعل مشاعر المحبّة والترابط، الأساسية دائماً في وجود وبناء الجماعات، متعلّقة بذاكرة وخيالات عن الألم والأذى والإخضاع والخضوع، لا تكتمل من دونها أي متعة. كثير من دارسي وناقدي الفاشية لاحظوا مثل هذه الظواهر لدى «الجمهور» المتحمّس للحرب، أو لاستعادة الأمجاد، أو لاستئصال «الأورام السرطانية» من جسد أمته ودولته. الأمر لا يتعلّق فقط بالأفكار والمعتقدات، وإنما بالمتعة، التي قد تنقلب إلى إباحية عارمة لدى أذية الآخر، الذي يجب إخضاعه أو استئصاله. ارتباط الكبت المفرط لأفراد الجماعة بمناسبات انتهاكهم الإباحي «المشروع» للآخر، يتوازى مع تجاور المسكنة والاستعلاء في «مظلوميتهم».
يمتلئ «الفن الجماهيري» أيضاً، أي المواد الثقافية سهلة التداول بين ذلك الجمهور، بكثير من الرموز والعلامات، القادرة على استثارة الانفعالات البسيطة، التي يحقق تكرارها شعوراً بالأمان والاستثارة معاً لدى الأفراد. وغالباً ما يفيض ذلك الفن بالعبارات الإنشائية والحماسية؛ العاطفية المفرطة؛ الأداءات الميلودرامية؛ الخطابات الوعظية؛ الأصوات والأنغام «الملائكية»؛ وأحياناً النواح والندب.
أيّ «عقلانية» ممكنة في التعاطي مع كل هذا؟ توجد بالتأكيد «مادة خام» أيديولوجية ضخمة، يمكن العمل عليها، تحليلاً وتفكيكاً؛ سخريةً وتهكّماً ومحاكاةً ساخرةً. إلا أن هذا شكل أولي فقط للنقد، قد يندمج بسهولة في «الثقافة الجماهيرية» والأيديولوجيا السائدة. الأشكال الأعقد، والتي تتطلّب مزيداً من الشجاعة، هي التعاطي مع الانفعالات الأساسية لـ»الجمهور». فالخوف والغضب والاشمئزاز، سواء كانت أسبابهم «حقيقية» أو وهمية، غير قابلين للبتر والإلغاء، وربما الأجدى تحويلهم إلى «طاقة منتجة»، عبر جعلهم مصدراً لمتعة واعية. يتطلّب هذا «تنوير» البشر ليفهموا انفعالاتهم، ومصدرها؛ وليستطيعوا السيطرة عليها، دون إنكارها، بل قلبها إلى انفعالات إيجابية لمصلحتهم، تساهم فعلاً بحفظ وجودهم، وعلى رأسها الفرح والمحبة والتضامن والتعاطف، وهذا أفضل ما قد يحققه «العقل». معظم هذه الأفكار عن الانفعالات الإيجابية والسلبية، والعقلانية، تعود لسبينوزا، ما يمكننا من فهم السبب الذي يجعل كثيراً من الباحثين يعتبرونه المفكر الأساسي في التنوير الراديكالي.
العمل الثقافي
قد يكون الغوص في الانفعالات، والأوهام، والخرافات، والهلاوس، «العمل الثقافي» الأساسي في التنوير، وهو في جوهره عمل مادي للغاية، إذ يتطلّب فعلاً يطال كل أنظمة المجتمع، أي الاقتصاد والسياسة والقانون والأخلاق والدين والفن والتعليم والإعلام، فتلك الانفعالات والهلاوس ليست مجرد «اختلال» في ذوات فردية، أو حتى في إطار عائلي محدود، وإنما علاقات معقدة، وطبقات متراكمة، من علاقات السلطة والإنتاج، وأنماط الخطاب. نحن نهلوس عن شعوب وقبائل وأعراق وبلدان، كما يقول الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز.
سيؤدي مثل ذلك «العمل» إلى صراعات كثيرة بالتأكيد، وإلى استقطاب حاد في اللحظات الفاصلة، إلا أن الصراع نفسه أمر لا يمكن تجاوزه في أي مجتمع بشري، والسؤال ليس كيفية الهرب من الصراعات، بل كيفية إدارتها، والأهداف التي تسعى إلى تحقيقها. قد يجري الصراع ضمن قنوات ومؤسسات ديمقراطية، وحيّز عام حر ومفتوح، يؤمّن بناء نوع من المشتركات، ومفاهيم عن «المصلحة العامة»؛ وقد يضطر الناس أحياناً للقتال، للدفاع عن وجودهم، ولكن فليكن قتالاً لأجل السلام.
السياسة والتحليل الاجتماعي، الخاليين من «العمل الثقافي»، والاهتمام بالانفعالات والرغبة، قد يكونان نوعاً من «الظلامية»، إضافة إلى ضعفهما الفكري والمنهجي، فهما يُبقيان «الجمهور» أو «الناس» عند مستوى الخضوع للانفعالات السلبية، من دون إعطائهم الأدوات لفهمها والسيطرة عليها، بل أحياناً يبررانها، بوصفها «ردة فعل» أو «ثقافة أصليّة» لدى البشر، ما يعيد إنتاج علاقات السلطة القمعية، التي تستثمر في تلك الانفعالات، و»تؤصلنها»، أي تقدمها بوصفها عناصر أصليّة، مرتبطة بالطبيعة أو روح الأمة أو إرادة الإله. قد يمكن القول إن هذا النوع من الأصلنة هو «الظلامية» بعينها، فيما جعل البشر أوعى بكونهم المنتجين، حيوياً واجتماعياً، لعناصر ثقافتهم، هو التنوير.
مهما كان تقييمنا لعناصر الثقافة الدارجة فهي في النهاية ليست وثناً (Fetish)، وقابلة للتغيير والتجاوز، ضمن جدل أو صراع اجتماعي مركّب. قد يكون الارتباط بالأوثان ممتعاً، وقد يستثير انفعالات كثيرة، وهذا بحد ذاته ليس مشكلة، ما دام البشر يعرفون أنهم من صنعوا تلك الأوثان، وهم مَنْ يلعبون بها، وليس العكس. اللعب المفتوح بالأوثان، ومعها، يتطلّب وعياً وشجاعة، وهما ما يُعرّف التنوير، الذي يصبح أحياناً ضرورة لاستمرار الحياة.
كاتب سوري