الضفة الغربية- “القدس العربي”: يدرك الفلسطينيون في الضفة الغربية والقدس المحتلتين حقيقة مؤلمة مفادها أن توقف حرب الإبادة في قطاع غزة لا يعني بالضرورة توقف الحرب على الضفة الغربية، فالأخيرة تتحول وستتحول رويدا رويدا إلى جبهة المواجهة الرئيسية مع الاحتلال الإسرائيلي، ويدلل على ذلك تهديدات الاحتلال وممارساته التصعيدية المستمرة مع مرور الأيام. ومع ذلك، يرى هؤلاء الفلسطينيون في وقف الإبادة في القطاع فرصة للحياة الثانية التي منحت للغزيين، وهو ما يستوجب الفرح والاحتفال.
وردد مواطنون تحدثت معهم “القدس العربي” مقولات مفادها: “يا جماعة، خلونا نفرح بغزة بخلاص الحرب عليها.. خلونا نفرح بعودة أهلنا بخير للحياة.. وبعدين سنتحدث عما سيحل بالضفة”.
وكأنهم يقولون: “يجب أن نعيش لحظة الفرح.. ولملمة الجراح، فهم منذ عامين ويومين بلا فرح حقيقي”.
مع ساعات الصباح هطل المطر الغزير، وعلى الفور ربط الفلسطينيون بين أخبار وقف حرب الإبادة وسقوط الأمطار الغزيرة في الضفة الغربية والقدس، فرأوا في المطر بداية حياة للأرض اليابسة في الضفة، كما أن وقف الحرب يمثل بداية حياة لسكان القطاع الذين نفدوا من الموت المحقق.
كتب الناشط محمد جردات: “المطر مصدر الحياة.. إنه صباح المطر.. مثلما الصباح حمل الأخبار من قطاع غزة”.
وتابع جردات: “مشاعر متناقضة، الوجع كبير، ولا يمكن أن نقول ببساطة أننا نشعر بأهلنا في غزة وتنتهي القصة، فالحقيقة أن من سمع عن الإبادة أمر مختلف عن من عاشها بتفاصيلها ووجعها الوحشي، ولا سيما ونحن نتحدث عن عامين كاملين من الموت والتدمير والتجويع.. يستحق المواطنون الغزيون الحياة بما صبروا وبما تحملوا وبما يمتلكون من أمل”.
أما المواطن الغزي المقيم في رام الله، عبد السلام أبو عسكر، فعلق على صفحته في فيسبوك قائلاً: “وكأن السماء بكت فرحًا بنجاة من تبقى في غزة”.
وعلى ذات النسق، علقت الإعلامية نجاح مسلم قائلة: “بعد عامين من القهر، تساقط المطر على غزة… لا كحدث عابر، بل كتنفّس بعد احتضار طويل”.
وتابعت بفرحة: “كانت السماء تبكي، لكن الدموع هذه المرة تشبه الغسل لا الوجع. المطر يطرق الأسطح التي اعتادت صوت القذائف، فيعيد إليها معنى الصوت. وفي الشوارع، يرفع الناس وجوههم نحوه… يبكون، لا لأنهم انهاروا، بل لأنهم أخيرًا نجوا”.
وفي حديثه مع “القدس العربي” قال أنس أبو الرب: “اليوم نفرح لكم يا أهل غزة، فرح هادئ يشبه التنفس بعد غرق طويل. ليس صخبًا ولا احتفالًا، بل راحة قلب أنهكه الانتظار”.
وتابع أبو الرب: “نفرح لأن الصوت الهادئ عاد بعد زنّان الطائرات، ولأن الأطفال سيحلمون الليلة بدل أن يختبئوا. نفرح لكم، ونعرف أن الفرح الحقيقي لا يبدأ بالهدنة، بل حين يُزرع الأمل من جديد في أرض تعلمت الصبر”.
وحمل تعليق الإعلامي محمد الأسطل على “راديو أجيال” دلالة قوية، حيث كان يسمعه المواطن سميح جابر في “المقهى العربي” بوسط رام الله، وكان الأسطل، الذي غطى الحرب وقدم حرب الإبادة صوتيًا، يقول: “أهل غزة هم الأقدر على انتزاع الحياة.. ليسوا أغنى الناس وليسوا أفضل الناس.. لكنهم أفضل من يعمل على استعادة الحياة.. في ظل الواقع الصعب الذي خرج منه القطاع بعد عامين”.
وهز المواطن جابر رأسه طويلاً وهو يقول: “خذلناهم ولم نقم بواجبنا، إنهم صمدوا وسيكون بمقدورهم ترميم جراحهم، إن غزة جديرة بالحياة.. هذا ما يقوله المذياع فماذا عن المواطنين الذين خرجوا من تجربة الموت”.
أما المحللة السياسية نور عودة فكتبت على صفحتها في فيسبوك: “نفسي أكون على رملك وأبكي يا غزة”.
وقدمت في منشورها الشكر غير المحدود للزميلات والزملاء الصحفيين “على كل ما بذلتم وأعطيتم وصبرتم، والرحمة للأحبة الذين ارتقوا، والشفاء العاجل لمن جرحوا”.
وشكرت عودة الأطباء والعاملين في قطاع الصحة، حيث وصفتهم “الأبطال والجنود المجهولين المذهلين في الهلال الأحمر والدفاع المدني ولكل من طبطب على مكلوم وساعد من هو بحاجة”.
وتابعت قائلة: “شكرًا للإنسانية التي انتفضت ولم تتوقف وأثبتت أن الحدود واللغات والأديان لا تفرق القلوب ولا تقلل من التضامن”.
أما الفلسطيني وائل عواد، فاعتبر أن ما حدث يستحق التبريك، وأضاف: “لقد كان الثمن باهظا، لقد كانت أياما لا تُنسى، تعلمنا وتعلم فيها العالم دروسا ستُلخص حتمًا، ولن تتوقف ملاحقة من فتكوا بالإنسانية”.
وشدد بدوره على واجب اللحظة قائلاً: “الآن، نحو لملمة الجراح، وإعادة الإعمار، لتقوم غزة من جديد كما عودتنا، حياةً وعنفوانًا من تحت الرماد.. حياة تسر الصديق وتغيظ العدو”.
وختم: “الله يعوّض عليكم يا أهل غزة، في الدنيا والآخرة”.
ومن مخيم جنين علق الكاتب نضال أبو ناعسة على مسألة وقف الحرب، معتبرا أن الفرح يليق بمن نجا من المقتلة والإبادة والتهجير، مضيفا: “وقف إطلاق النار يعني أن تولد الحياة لغزة من رمادها، وأن تنهض القلوب من تحت الركام”.
وأضاف أبو ناعسة: “وقف الحرب يعني أول ما يعني، أن يتنفس الأمل رغم رائحة الموت، وأن تعود الأرواح إلى ضوء الرجاء. ومن باب التجربة وعيشها في المخيم، أفرح لهم كما لو أنني أستنشق معهم نسمة الانعتاق الأولى، وأنتظر أن يمسني وأهلي في المخيم من فرحهم قبس نور، عودة إلى المخيم ومراتع الصبا، إلى حيث بدأ الحلم وما زال، بعناد جميل ينتظر اكتماله”.
وشدد على أنه “وبعد كل هذا نحن نريد ولن نتنازل عن مشروع وطني جامع، لا يعيد تأهيلنا لقبول الواقع القائم، بل يعيد تعريف المستقبل نفسه. يليق الفرح بأهلنا في غزة بالإعلان عن وقف الإبادة والمقتلة”.
أما الكاتب علي الجرباوي فاعتبر أن الأمر الأساس قد تحقق وهو وقف الحرب، معتبرا أن هذا هو الأهم في كل ما سيحدث لاحقًا.
واستدرك قائلاً: “منذ الآن فصاعدًا تقع علينا فلسطينياً مسؤوليات كبيرة وعمل حثيث، فالمرجو والمطلوب الآن أن تتوقف المناكفات الفلسطينية الداخلية، وأن تتوجه جميع الجهود لصنع مستقبل أفضل. فالنظر والعمل للمستقبل أهم وأجدى من استمرار الارتهان المزمن لاجترار الماضي”.
وختم حديثه قائلاً: “نحن الفلسطينيون بحاجة ونستحق أداءً فلسطينياً عامًا أفضل وأجود”.
المحامي والأكاديمي أحمد الأشقر، فطالب الفلسطينيين في الضفة وغزة أيضًا بعدم الانشغال في توصيف ما حدث، نصرًا أو هزيمة، وشدد على أنه هناك إبادة فقط، وشعب عانى ولا زال في الخيام بدون أدنى مقومات الحياة.
وأضاف الأشقر: “نحن إزاء شعب يستحق الحياة الكريمة حد القداسة، هذا ما يجب أن ننشغل به جميعًا، جميعًا، وبدون استثناء”.
وكتبت وفاء عاروري: “لقد جُنّت السماء صباح اليوم، كان سقوط المطر قويًا لدرجة أنني اعتقدت أن حجارة سقطت على زجاج السيارة. لم نعتد أن نرى هذا المطر من قبل في تشرين الأول، واعتبرت أنه صباح غزة الأول، بعد إعلان انتهاء الحرب، حق لسماء فلسطين أن تبكي أولادها”.
وتذكرت عاروري صديقتها الغزية، حين قالت مرة وهي تطالب بوقف الحرب: “وقفوا شوي بس بدنا نبكي على الذين فقدناهم.. حتى الحزن كان رفاهية في ظل الإبادة، أنا متأكدة أنها بكت اليوم كثيرًا، فنحن أيضًا بكينا”.
وشددت على أنها “فرحت لمن نجوا وعاشوا هذه اللحظة، ولكني فكرت كثيرًا فيمن رحلوا، من تعبوا كثيرًا من الحرب، من صمدوا وصبروا، من تمنوا أن يعيشوا لحظة الخلاص هذه، ولكنها لم تُكتب لهم، حزنت لأجلهم، ليتهم بقوا، ولكنهم فازوا”.
وأضافت: “كما تذكرت كل زميلاتنا وزملائنا الذين حلموا بإعلان خبر وقف الحرب، ولكن خبر استشهادهم كان أسبق، تذكرت أنس وإسماعيل، وسامر ومريم أبو دقة، وآلاء الهمص وحسن أصليح وكثر كثير ممن نستحي أمام ما قدموه للوطن قبل دمهم، سلام عليهم حتى مطلع الفجر، نفتقدهم اليوم جميعًا”.
وختمت قائلة: “سلام على غزة بما صبرت وبما قدمت، سلام على أهلها المرابطين الصامدين، فلسطين كلها لكم، فالأرض لمن حرثها، والأرض تعرف أصحابها جيدًا”.
أما وفاء عبد الرحمن، فقالت: “نحن إزاء 732 يومًا، وهذا يعني 17,568 ساعة، وذلك يعادل نحو 1,054,080 دقيقة”.
وتابعت: “يقول الغزيون سنفرح بحذر وعلى أمل، فقد قرصتنا الأفعى على مدى ألف عام تبدو لكم عامين.. والله هي ألف عام! قلوبنا معكم، تنتظر منكم إعلان موعد البكاء الكبير لغسل ذنوبنا”.
وختمت: “المجد لأهل غزة حتى مطلع الفجر، المجد للشهداء، والحرية للأسرى، والشفاء للجرحى، والاطمئنان والسلامة لمن نجا”.