لندن ـ «القدس العربي»: خلص علماء إلى إطلاق تحذير مرعب مفاده أن إحدى الطرق التي قد يقوم الذكاء الاصطناعي بإفناء البشرية عبرها هي إنتاج فيروسات جديدة غير معروفة، وهو ما يعني إطلاق أوبئة تفتك بالإنسان ولا يستطيع مكافحتها، بل قد لا يجد ما يكفي من الوقت للبحث عن مضادات ولقاحات لها.
ونقل تقرير لافت نشرته جريدة «دايلي ميل» البريطانية، واطلعت عليه «القدس العربي»، عن علماء تساؤلهم: هل يُمكن الآن استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم فيروسات جديدة كلياً؟، حيث يشير التقرير إلى أن هذا الافتراض «أثار مخاوف من إمكانية ابتكار الذكاء الاصطناعي سلاحاً بيولوجياً كارثياً».
ويبدو الأمر أشبه ببداية فيلم خيال علمي، لكن العلماء أثبتوا لأول مرة أن الذكاء الاصطناعي قادر على تصميم فيروسات معدية جديدة كلياً.
واستخدم خبراء في جامعة ستانفورد الأمريكية بكاليفورنيا أداة «إيفو»، وهي أداة ذكاء اصطناعي تُنشئ جينومات من الصفر. ومن المثير للدهشة أن الأداة تمكنت من ابتكار فيروسات قادرة على إصابة وقتل أنواع محددة من البكتيريا.
وقال مؤلف الدراسة، برايان هي، أستاذ علم الأحياء الحاسوبي في جامعة ستانفورد، إن «الخطوة التالية هي توليد حياة بواسطة الذكاء الاصطناعي».
وفي حين أن فيروسات الذكاء الاصطناعي تُعتبر «عاثيات بكتيريا»، أي أنها تُصيب البكتيريا فقط وليس البشر، إلا أن بعض الخبراء يخشون أن تُؤدي هذه التقنية إلى جائحة جديدة أو إلى ابتكار سلاح بيولوجي جديد كارثي.
ويُحذّر إريك هورفيتز، عالم الحاسوب والمدير العلمي في مايكروسوفت، من «إمكانية إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في هندسة علم الأحياء».
وقال: «يُعدّ تصميم البروتينات المُدعّمة بالذكاء الاصطناعي من أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي إثارةً وسرعةً في الوقت الحالي، إلا أن هذه السرعة تُثير أيضًا مخاوف بشأن الاستخدامات الضارة المُحتملة». وأضاف: «يجب أن نتحلى بالاستباقية والاجتهاد والإبداع في إدارة المخاطر».
وفي الدراسة، استخدم الفريق نموذج ذكاء اصطناعي يُسمى «Evo» وهو مُشابه لـ«ChatGPT» من أجل إنشاء جينومات فيروسية جديدة، وهي مجموعات كاملة من التعليمات الجينية للكائنات الحية. وكما تم تدريب «تشات جي بي تي» على المقالات والكتب والمحادثات النصية، تم تدريب «إيفو» على ملايين جينومات البكتيريا.
وقيّم الباحثون آلاف التسلسلات المُولّدة بالذكاء الاصطناعي قبل تضييق نطاقها إلى 302 من البكتيريا النافعة.
وأظهرت الدراسة أن 16 نوعاً من الفيروسات قادرة على مطاردة وقتل سلالات من بكتيريا الإشريكية القولونية، وهي جرثومة شائعة تُسبب المرض لدى البشر.
وقال صامويل كينغ، الباحث المشارك في الدراسة والمهندس الحيوي بجامعة ستانفورد: «كانت هذه النتيجة مفاجئة للغاية ومثيرة للاهتمام بالنسبة لنا، لأنها تُظهر أن هذه الطريقة قد تكون مفيدة جدًا في العلاجات».
وأكد الفريق أن فيروسات الذكاء الاصطناعي التي طوروها هي عاثيات بكتيرية، وبالتالي فهي لا تُصيب البشر أو أي كائنات حقيقية النواة أخرى، سواء كانت حيوانات أو نباتات أو فطريات.
لكن بعض الخبراء قلقون من إمكانية استخدام هذه التقنية لتطوير أسلحة بيولوجية، وهي كائنات حية مُسببة للأمراض مُصممة عمداً لإيذاء البشر أو قتلهم.
وقال جوناثان فيلدمان، الباحث في علوم الحاسوب والأحياء في معهد جورجيا للتكنولوجيا، إنه «لا مجال لتجميل المخاطر». وقال في مقال له بصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية: «لسنا مستعدين بعد لعالم يُمكن فيه للذكاء الاصطناعي إنتاج فيروس فعال».
لكن علينا أن نكون كذلك، لأن هذا هو العالم الذي نعيش فيه الآن. وقال كريج فينتر، عالم الأحياء وخبير الجينوم الرائد في سان دييغو، إنه سيشعر «بمخاوف بالغة» إذا ما «فعل أحدهم هذا مع الجدري أو الجمرة الخبيثة».
وأضاف: «أحد المجالات التي أحث فيها على توخي الحذر الشديد هو أي بحث في مجال تعزيز الفيروسات، خاصةً عندما يكون عشوائيًا بحيث لا تعرف النتيجة».
وفي ورقتهم البحثية أقرّ فريق ستانفورد بـ«اعتبارات السلامة البيولوجية المهمة» وشدد على «الضمانات الكامنة في نماذجنا».
وعلى سبيل المثال، أجروا اختبارات للتأكد من أن النماذج لا تستطيع تحديد التسلسلات الجينية التي قد تجعل العاثيات خطرة على البشر بشكل مستقل.
ومع ذلك، قالت تينا هيرنانديز-بوسارد، أستاذة الطب في كلية الطب بجامعة ستانفورد، إن هذه النماذج «ذكية» بما يكفي لتجاوز مثل هذه العقبات. قالت: «يجب أن نتذكر أن هذه النماذج مصممة لتحقيق أعلى أداء، لذا بمجرد تزويدها ببيانات التدريب، يمكنها تجاوز الضمانات».
وفي دراسة جديدة أخرى، كشف باحثون في شركة «مايكروسوفت» أن الذكاء الاصطناعي قادر على تصميم بروتينات سامة قد تتجنب أنظمة فحص السلامة المعمول بها.
وحذرت دراستهم، المنشورة في مجلة «ساينس»، من إمكانية تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد آلاف النسخ الاصطناعية من سم معين، ما يغير تسلسل الأحماض الأمينية مع الحفاظ على بنيته، وربما وظيفته.
وحذّر إريك هورفيتز، مؤلف الدراسة والرئيس العلمي في مايكروسوفت، من وجود «طرق متعددة يمكن من خلالها إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في هندسة علم الأحياء».
وقال: «يُعد تصميم البروتينات المدعوم بالذكاء الاصطناعي أحد أكثر مجالات الذكاء الاصطناعي إثارةً وسرعةً في الوقت الحالي، لكن هذه السرعة تثير أيضًا مخاوف بشأن الاستخدامات الضارة المحتملة».
وأضاف: «نتوقع استمرار هذه التحديات، لذلك ستكون هناك حاجة مستمرة لتحديد نقاط الضعف الناشئة ومعالجتها».