لندن ـ «القدس العربي»: حققت المنتخبات العربية إنجازا غير مسبوق، بافتكاك 5 مقاعد في نهائيات كأس العالم أمريكا الشمالية 2026، بدأت بالبشرى السارة التي زفها منتخب النشامى الأردني، بمرافقة كوريا الجنوبية ضمن الدفعة الآسيوية الأولى المتأهلة مباشرة إلى المونديال في يونيو/حزيران الماضي، وتبعها في التوقف الدولي التالي كل من تونس والمغرب، كأول منتخبات عرب شمال أفريقيا التي ضمنت التأهل بشكل رسمي، قبل أن يأتي الدور على أصدقاء محمد صلاح في المنتخب المصري، بحسم صدارة المجموعة على حساب منتخب بوركينا فاسو، بفضل الانتصار الاقتصادي الذي تحقق على حساب منتخب جيبوتي بثلاثية نظيفة على الأراضي المغربية، وهي نفس النتيجة التي اكتفى بها المنتخب الجزائري أمام ضيفه الصومالي، وكانت كافية لضمان البطاقة المونديالية الخامسة للمنتخبات العربية، وأيضا الخامسة في تاريخ محاربي الصحراء، بخلاف البطاقة السادسة الحائرة بين قطر وعمان والإمارات في مجموعتهم في تصفيات الملحق الآسيوية، ونفس الأمر بالنسبة للمجموعة الثانية التي تضم السعودية والعراق برفقة إندونيسيا، ومفاجأة أخرى محتملة قد تصنع التاريخ بالنسبة للمنتخبات الناطقة بلغة الضاد، بوصول مقاعدها لنحو الثمن من إجمالي عدد المنتخبات المشاركة في المونديال القادم، بعد زيادة العدد من 32 لـ48 منتخبا بداية من النسخة المنتظرة، وفي هذا التقرير دعونا نستعرض معا تاريخ مشاركات منتخباتنا العربية في الحدث الكروي الأهم عالميا بداية من الظهور الأول في ثلاثينات القرن الماضي وحتى تضاعف العدد لستة منتخبات بشكل مؤكد ورسمي مع إمكانية إضافة اثنين آخرين على المدى القريب والمتوسط.
البدايات والمؤامرة
في سنوات التمهيد لاغتصاب الأرض، كان المنتخب المصري قد قص شريط مشاركات المنتخبات العربية في نهائيات كأس العالم، بعد الفوز على منتخب فلسطين بنظام الذهاب والإياب، في تصفيات شهدت مشاركة 32 منتخبا من كل أرجاء العالم، لتحديد هوية المنتخبات الـ16 المشاركة في ثاني بطولة تاريخيا، تلك التي نظمتها إيطاليا في العام 1934، ومن سوء طالع منتخب الفراعنة، أنه اصطدم بواحد من عتاولة وعظماء اللعبة في تلك الحقبة، وهو المنتخب المجري، الذي فاز على أصدقاء عبدالرحمن مجدي برباعية مقابل اثنين في مباراتهم الوحيدة في المونديال، حيث كانت البطولة تقام بنظام خروج المغلوب من مباراة واحدة، لتتوارى بعد ذلك المنتخبات العربية عن الأنظار لأكثر من ثلاثة عقود، تحديدا حتى مشاركة المنتخب المغربي في نسخة المكسيك 1970، وآنذاك هُزم أسود أطلس أمام ألمانيا بنتيجة 1-2 وأمام بيرو بثلاثية نظيفة، وتعادلوا مع بلغاريا بهدف لمثله، قبل أن ينجح المنتخب التونسي في كسر الحاجز النفسي للمنتخبات العربية مع الانتصارات في العرس الكروي العالمي، وحدث ذلك في وجود الأيقونة طارق ذياب وعتوقة وحمادي العقربي وباقي أساطير نسور قرطاج في مونديال 1978، بانتصارهم الخالد على المكسيك بثلاثية مقابل هدف، لكنه في نهاية المطاف، لم يكن كافيا لحصول هذا الجيل الذهبي على تأشيرة اللعب في الأدوار الإقصائية، بعد الخسارة أمام بولندا بهدف نظيف والتعادل بدون أهداف أمام المنتخب الألماني، حيث كانت أشبه بشرارة الوقود الأولى التي فتحت المجال لزيادة الحضور العربي في المونديال، وتجلى ذلك في زيادة عدد المنتخبات المشاركة في النسخ التالية في حقبة الثمانينات، أبرزها المنتخب الجزائري، الذي فجر واحدة من كبرى مفاجآت القرن الماضي، بفوزه الدرامي على المنتخب الألماني، ولولا ما تُعرف إعلاميا وبين المشجعين القدامى بـ«المؤامرة» التي حاكتها ألمانيا مع النمسا في الجولة الثالثة، لذهبت البطاقة الثانية المؤهلة لمراحل خروج المغلوب من هذه المجموعة لرابح ماجر ورفاقه الأساطير في منتخب الخضر، وفي نفس البطولة شارك المنتخب الكويتي ولكنه خرج صفر اليدين بعدما تعادل مع تشيكوسلوفاكيا 1-1 وخسر أمام فرنسا 1-4 وأمام إنكلترا بهدف نظيف.
الإنجاز الأول
بعد عقود من المحاولات البائسة، نجح المنتخب المغربي في افتكاك أول بطاقة عربية في إقصائيات كأس العالم، وحدث ذلك في مونديال مارادونا 1986، وآنذاك نجح منتخب الأسود في قهر جاره الإيبيري البرتغالي بثلاثية مقابل هدف، وسبقها بتعادلين على نتيجة البياض أمام إنكلترا وبولندا، وفي الأخير انتهت المغامرة على يد الألمان. وفي نفس المونديال، حاول المنتخب الجزائري تكرار ما حققه من إنجاز في إسبانيا 1982، لكنه اكتفى بتعادل وحيد أمام أيرلندا، والخسارة أمام البرازيل بهدف نظيف وإسبانيا بثلاثية بلا رد، فيما عرف المنتخب العراقي طعم الهزيمة في مبارياته الثلاث أمام باراغواي وبلجيكا والمكسيك، وهي كانت المرة الأولى التي يحضر فيها العرب بثلاثة منتخبات في نهائيات كأس العالم. وفي النسخة التالية التي أقيمت في بلاد جنة كرة القدم في تسعينات إيطاليا، عادت مصر بعد غياب دام لأكثر من خمسة عقود، وأيضا من المفارقة في نفس البلد الذي كان شاهدا على مشاركة الفراعنة في أول حضور مونديالي في الثلاثينات، وعلى الرغم من البداية المبشرة، التي أسفرت عن تعادل بطعم الفوز التاريخي أمام بطل أوروبا آنذاك المنتخب الهولندي بنتيجة 1-1، في المباراة الشهيرة بالمقولة المأثورة للمعلق الراحل محمود بكر «عدالة السماء نزلت على ستاد باليرمو»، في تعبيره عن فرحته بهدف التعادل الذي سجله مجدي عبدالغني من علامة الجزاء، لكن ما حدث بعد ذلك، لم يخب فقط آمال المشجعين، بل كل من ساقه القدر في يونيو/حزيران 1990، لمشاهدة ولو 5 دقائق فقط من مباراة مصر وأيرلندا في الجولة الثانية، تلك المباراة التي تُصنف كواحدة من أسوأ المباريات في تاريخ كأس العالم، بدون مبالغة، وكانت واحدة من الأسباب الرئيسية وراء تعديل قانون منع حارس المرمى من مسك الكرة من قدم زميله، بعد مشاهد إبراهيم حسن وهاني رمزي وهشام يكن، بإعادة الكرة عشرات المرات بتمريرات من القدم إلى أحضان أيوب الكرة المصرية أحمد شوبير، وفي المباراة الأخيرة، سقط رجال الجنرال محمود الجوهري أمام المنتخب الإنكليزي بهدف نظيف، ليودع المنتخب المصري البطولة من الدور الأول، شأنه شأن المنتخب الإماراتي الذي عرف الهزيمة في مبارياته الثلاث أمام كولومبيا وألمانيا ويوغوسلافيا.
الحضور المكثف
بداية من مونديال أمريكا 1994، اعتادت الجماهير العربية على رؤية منتخبين على الأقل في كل محفل عالمي، وأحيانا كانا يقعان معا في نفس المجموعة، مثل اصطدام السعودية بالمغرب في نفس المجموعة الحديدية التي كانت تضم معهما الثنائي الأوروبي بلجيكا وهولندا في نفس المونديال الأمريكي، وانتهت بتأهل الأخضر برفقة الطواحين البرتقالية إلى الدور التالي، كثاني منتخب عربي يحقق هذا الإنجاز بعد المغربي، وتكرر نفس السيناريو في ألمانيا 2006، بتواجد السعودية وتونس في نفس المجموعة التي كانت تضم إسبانيا وأوكرانيا، وأيضا تقابلت المملكة مع المنتخب المصري في روسيا 2018، في ما كان أول مونديال يشهد مشاركة 4 منتخبات عربية، في حضور تونس والمغرب، لكن القاسم المشترك، أن الجميع ودع البطولة من الدور الأول، إلى أن وضع المنتخب المغربي، حدا لهذه اللعنة بإنجازه التاريخي الذي تحقق في قطر العام 2022، كأول منتخب عربي وأفريقي ينجح في الوصول إلى الدور نصف النهائي، فاتحا الباب على مصراعيه أمام جيرانه العرب، ولو للقيام بشرف المحاولة لمحاكاة ما فعله في العاصمة القطرية في أول مونديال شرق أوسطي، خاصة بعد سخاء الاتحاد الدولي لكرة القدم، برفع عدد المنتخبات المشاركة في البطولة من 32 لـ48 منتخبا، وهذا بطبيعة الحال، ساهم بشكل أو بآخر في الزيادة التاريخية للمنتخبات العربية التي ضمنت التأهل، كما أشرنا أعلاه بالرباعي الشمال أفريقي تونس، والمغرب، والجزائر ومصر بالإضافة إلى النشامى الأردني، وواحد من الثلاثي العربي قطر أو عمان أو الإمارات في مجموعتهم في الملحق الآسيوي، وبالمثل تضاعفت فرص الأخضر السعودي بعد نجاحه في تخطي المنتخب الإندونيسي بنتيجة 3-2 في افتتاح مباريات المجموعة، في انتظار نتيجة مباراته الفاصلة مع العراق في الجولة الأخيرة، على أن يصطدم وصيف هذه المجموعة بالمنتخب العربي الآخر الذي سيحجز وصافة المجموعة الثانية، في مواجهتين بنظام الذهاب والإياب لتحديد هوية ممثل آسيا في الملحق العالمي المؤهل للمونديال، الذي سيقام في أمريكا الشمالية في مارس/آذار المقبل، بمشاركة 6 منتخبات من كل قارات العالم باستثناء القارة العجوز، سيتأهل منهم آخر منتخبين مشاركين في المونديال القادم، فهل يا ترى سنكون على موعد مع مشاركة 8 منتخبات عربية أو أكثر من ثمن المقاعد في كأس العالم 2026؟ نتمنى ذلك.