في مطلع الخمسينيات عرف شمال سوريا، جريدة «التربية» التي كان كرسيها في حلب. وبعد انطلاقها بخمس سنوات صدرت عنها مجلة غير دورية تحت عنوان «كتاب القارئ»، اهتمت بفن القصة، ونشرت لنجومها السوريين آنذاك أمثال، العجيلي ومظفر سلطان وخليل الهنداوي وفاتح المدرس، بالإضافة لشباب مغمورين دالت دولتهم بمجرد انطفاء آخر عدد من السلسلة. وكان يديرها الصحافيان المعروفان نهاد الغادري وعبد السلام الكاملي. وقد اختارت المجلة الوقوف بوجه المد اليساري، وتكفلت بتعويم الصوت المحافظ لأبناء أربع مدن أساسية هي: إدلب وحلب والرقة وحماة، في وقت كانت الساحة حكرا على أتباع المذهب الواقعي، أو القومي بصيغته العسكرية.
بمعنى أن «كتاب القارئ» لعب دورا أساسيا في تحشيد الثقافة ضد سياسة التعبئة. ويوجد فرق أساسي بين الاتجاهين. فالتحشيد يعني تجميع الإمكانات في الظل، ولكن التعبئة تمهد الطريق للانقضاض على السلطة واستلام زمام الأمور في المؤسسة والشارع. ولهذا السبب صدر الكتاب التذكاري لرابطة الكتاب السوريين، وهو من التبعية السوفييتية، بعنوان «درب إلى القمة»، وكانت مقدمته بمثابة وعد صادق تنبأ بولادة مجتمع الستينيات، وبالقطع مع سياسة سايكس بيكو، والدخول في أحلاف أعادت اكتشاف وتركيب المنطقة. ومع أن الرافعة الاجتماعية ارتكزت نظريا على العمال والفلاحين، لكنها ذهبت لأبعد من ذلك، وهدمت هذه الشرائح المتمايزة، ووضعتها تحت إمرة شريحة هجينة وعسكرية بوجه مدني.
وفي هذا الجو وجدت جماعة «كتاب القارئ» نفسها أمام حصة هزيلة من الحراك الثقافي، فقد تحولت إلى صورة عن كيان معزول في بيوت نصف سرية، وسط تيار جارف هيمن على مراكز صناعة القرار. وبالنتيجة اضطر قلم تحرير السلسلة إلى تبديل خطابه. وبعد أن كان يصدر تحت عناوين فنية مثل «أحسن القصص» و»أقاصيص»، ظهر ثالث عدد بعنوان برّاق ومخادع وهو «من حياة الناس». ولكن للأسف لم يتجاوز هذا الشعار صفحة الغلاف، وتابعت المجلة نشر نصوصها على أساس انتقائي.
أولا كانت منصة وصوتا لشريحة من كتاب الشمال المعروفين بولائهم لمنطقتهم فقط، حتى لو ادعى قلم التحرير، أنه ينشر لكبار كتاب العالم العربي. ولذلك اندثرت من الأرشيف الوطني أسماء غالبية المشاركين مثل: عبد العزيز الخانجي وعدنان مراد وآخرين.
ثانيا غياب الصوت النسائي، ولا أفهم من ذلك تهميش دور المرأة في ثقافة الصالونات، فقد كان لها دور مركزي في التوجيه والرقابة والإدارة ـ انظر رواية «أرض السياد» لعبد السلام العجيلي، ولكن على الأرجح بسبب توالي الانقلابات، وهيمنة الثقافة العسكرية على الساحة.
ثالثا لم تنشر إلا لأقلام أبناء الطبقة الأرستقراطية وأبناء العوائل، ولم تتعامل مع رموز الطبقات الصاعدة يومذاك بعد انتشار التعليم ومنهم الأخوان كيالي – حسيب ومواهب، وسعيد حورانية وعادل أبو شنب، إلخ.
رابعا تابعت نهجها بنشر ألقاب الكتّاب مثل، الدكتور أو المحامي، وفي أسوأ الأحوال كانت تضيف لقب أستاذ، وكأن الألقاب جزء عضوي من الاسم، ولا بد منه للتعريف بهوية وجو الكاتب، وهو إجراء صالونات، وليس جو حراك ثقافي أو شعبي. ومع أن قلم التحرير تبرأ من هذا السلوك، في مقدمة العدد الثالث، لكن لم يكن يخلو عدد من مثل هذه الألقاب. وبتصفح أسماء الكتاب نلاحظ أن نسبة الأطباء والمحامين والقضاة (علية القوم بنظر حكومات الاستقلال التابعة) شكل ما يربو على نصف المشاركين، والبقية من أبناء العوائل مثل سلطان والمدرس. وهو إجراء حرصت الهيئات المنافسة على التنصل منه (بمن فيهم تجمع أبناء دمشق وحوران – ومن أهم منابرهم مجلة «الثقافة» بإدارة مدحة عكاش، بالإضافة إلى كتاب غير دوري هو «القصة في سوريا وفي العالم»).
خامسا، لم يكتف مدير تحرير السلسلة بارتكاب مخالفات سياسية، ولكن وصل لدرجة فتح النار على رموز السلطة يومذاك، وفي مقدمتهم عبد الناصر، واتهمه بالخيانة والغش (انظر «الكتاب الأسود في حقيقة عبد الناصر»)، ثم أدان الاتحاد السوفييتي بالتزوير والخداع، ولم يبق إلا اتهامه بتسهيل ولادة إسرائيل (انظر كتابه الآخر «التاريخ السري للعلاقات الشيوعية بالصهيونية»). وذكرني كلامه بما لاقاه أئمة عصر التنوير أمثال الكواكبي والأفغاني وحسين النائيني من تهم تتراوح بين الكفر والإلحاد والانتماء لحركات مشبوهة منها، الماسونية والروتارية.
سادسا وأخيرا، لم تأل النصوص جهدا لتحجيم التفسير الماركسي للواقع، وحاولت أن تبني لنفسها أسلوبها الخاص، الذي توزع على محورين. الأول قاده العجيلي بأسلوبه الرعوي والعجائبي، ووضع به حجر الأساس لقصة كلاسيكية جديدة، وجدت صداها لاحقا عند فاضل السباعي. والثاني يمثله مظفر سلطان بلغته التي تخترقها الهلاوس، وهجاء الذات والآخر، وبروح يغلب عليها التفجع والتأسي واللامبالاة. ولم يبزه بهذا الأسلوب غير فاروق مرعشي، الذي بدأ بالكتابة بعده بأكثر من نصف قرن – عدا أنه عاش ومات في الغربة، وتحديدا في دولة الإمارات، وكان هناك يشغل كرسيا في المحكمة المدنية. وأهم إنجازات هذا الثنائي ليس المزج بين الأزمنة، كما هو شائع، ولكن دمج الأحاسيس مع التصورات، وإدراك أي شيء مؤقت ومنفصل برؤية دائمة ومتصلة. وبهذه الطريقة يصبح العالم جزءا من انفعالات أفراد غير اجتماعيين يحاصرهم الإحساس بالغبن والاستلاب، بالإضافة لعدم القدرة على التكيف مع الواقع، كما ورد على الغلاف الأخير من كتاب فاروق مرعشي «الخروج من الكابوس». وبين المحورين السابقين (عالم الصدف المطلقة والمقررة سلفا، وعالم الأحداث غير المفهومة وغير المبررة) باشر خليل الهنداوي بناء مملكته أو عالمه، ولكنه لم يقدم الحل الوسط بين البدوي والمقيم، ولا بين الكلاسيكي والمحدث، وإنما ذهب باتجاه إحيائي وتربوي، وتداخلت في شخصيته عدة رموز ومؤثرات رومانسية وتعليمية، واهتم بشؤون الهجرة والغربة بالإضافة لتصورات عن كتابة سائلة تراوح بين القصة والمسرح والخطابة.
ومنذ أواخر الخمسينيات تفرق شمل هذه الجماعة، وهاجر قلم التحرير إلى لبنان للتملص من ضغط الرقابة واللوبي اليساري. وسبق ذلك إلغاء امتياز صحيفة «التربية» نفسها بموجب المرسوم التشريعي رقم 4 بتاريخ 13 مارس/آذار 1963، بالتزامن مع تاريخ أول انقلاب لحزب البعث. أما من بقي منهم فقد تابع بمفرده بعيدا عن التهريج والاتجار بالشعارات، ولاسيما شعار «الأرض لمن يعمل فيها». وتركوا هذا الخطاب للمهتمين بإدارة السلطة – وتبتعها إدارة الملكيات العامة وأدوات الإنتاج ورأس المال الحربي، وكل أشكال التحكم بالأرض. فقد دخل خليل الهنداوي في متاهة تأليف كتب تعليمية وقصص أطفال، بينما تابع العجيلي ترحاله في بلدان الشمال والتفكير بمجدنا الضائع في الأندلس. وربما هذه كناية منه عن ضياع أمجاد طبقته وامتيازاتها، ولكنه ضمن هذه الرؤية فجّر إمكانات مجهولة، وأضفى نكهة عربية خاصة على فن السرد، وأهدى العرب نسخة معربة – بالمعنى الإيجابي للتعريب من بلزاك وزولا.
وأغتنم هذه الفرصة لأؤكد أنه لم يغدر بهوية سلسلة «كتاب القارئ»، وحافظ على وعدها بالانفصال عن الأرض، وإنشاء علاقة سياحية ونفعية معها. وهذا لا يمنع ولعه الاستثنائي بفلسطين، لكن من ناحية عرقية ودينية، ودون أي اهتمام بمشكلة التملك. فهو لم يهتم لا بمزارع البرتقال ولا الزيتون، ولكنه بكى الأصدقاء، أو كما اعتاد أن يسميهم «وجوه الراحلين».
كاتب سوري