جائزة نوبل للأدب 2025: حين يصبح الاحتفاء جهلا مقنّعا بالثقافة

لم يكن صباح الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2025 عاديّا في الأوساط الثقافية العربية. الصحف الكبرى، المواقع الأدبية، حسابات الكتّاب والمثقفين على منصات التواصل، جميعها تناقلت الخبر بالحماسة المنفعلة ذاتها: «فوز الروائي المجري لاسلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل للأدب». وبينما انهمكت المقالات في تمجيد «الأسلوب العبقري» و»الرؤية الأدبية العميقة» و»الراديكالية الحداثية» لهذا الكاتب، لم يُلاحظ أحد، أو لعل الجميع آثر التجاهل، جانبا آخر أكثر قتامة في هذه الشخصية. إن المدهش ليس في فوز كراسناهوركاي، فالجائزة في السنوات الأخيرة لم تعد محايدة كما كانت تدّعي، بل المدهش أن الاحتفاء العربي به جاء وكأننا أمام كاتب ينتمي إلى مشروعنا الثقافي، أو حتى يحترم وجودنا البشري. لم يكلّف كثير من أولئك الكتّاب والكتّاب الصحافيين أنفسهم عناء البحث عن مواقف الرجل أو تصريحاته. لم يُعنوا بمراجعة أرشيفه الحواري، أو مداخلاته الإعلامية. لقد كتبوا بعاطفة المحتفي، لا بوعي الناقد.
في مقابلة متلفزة أُجريت معه عام 2023، عبّر كراسناهوركاي بوضوح صادم ووقاحة مستفزة عن كراهيته للعرب. لم تكن تصريحاته قابلة للتأويل أو مجتزأة من سياقها، لقد تحدث بلغة فظة عن «التهديد الذي يشكّله العرب على الحضارة الغربية»، متقمصا خطابا يُذكّر بأشد المراحل التاريخية عنصرية وظلاما. المقابلة منشورة، متوفرة، ويمكن لأي شخص الوصول إليها بسهولة. لكن أغلب المهللين لفوزه كانوا مشغولين بترجمة نصوصه، وإعادة تدوير كلمات مديح فارغة، لا بقراءة واقعه، بل إن الأمر لم يقتصر على مقابلة واحدة، ففي مقابلة بودكاست أُجريت معه بتاريخ 16 ديسمبر/كانون الأول 2023، (رابط المقابلة أسفل المقال للاطلاع عليها) تحدث الكاتب الحائز جائزة كوشوث وجائزة مان بوكر، عن أصول عائلته من جهة الأب اليهودية، وأشار إلى أن هذه الأصول، رغم أنها لا تكفي دينيا ليُعتَبَر يهوديا، إلا أنها تكفي، حسب قوله، «لأن يعذّبه العرب ويقتلوه». هذه العبارة وحدها تكشف عن البنية العميقة لخطابه، لا باعتباره مجرّد رأي شخصي منحرف، بل خطابا مكتملا من الكراهية الموجّهة، يُقدَّم من على منصات إعلامية ناطقة ومسموعة، دون مساءلة. السؤال الجوهري هنا ليس لماذا قال ما قاله، بل: لماذا لم يكن هذا كافيا لتوقظ بعض الأصوات العربية ضميرها قبل أن تسطر عبارات التمجيد؟ الجهل ليس عذرا، لاسيما حين يكون مقنّعا برداء الثقافة، إن من يُقابل تصريحا عنصريا بهذا الصمت المريب ثم يكتب مقالة احتفاء، هو ليس فقط غير مطّلع، بل شريك في عملية تبييض ثقافي ممنهجة لشخصية تزدري الإنسان العربي.

ولكي نضع الأمور في نصابها، لا بد أن نسأل: لماذا تُمنح الجائزة هذه السنة لكاتب يروّج للعداء العنصري، في الوقت الذي تتعرض فيه غزة لإبادة جماعية؟ هل الجائزة «مصادفة» بريئة كما يُحب البعض أن يعتقد؟ أم أن هناك تواطؤا ثقافيا ضمنيا في صناعة رموز تمثل قيما تتسق مع الخطاب السياسي الغربي المهيمن؟ لسنا في حاجة إلى نظرية مؤامرة كي نفهم هذه الترسيمة. يكفي أن نقرأ سجل الجائزة خلال العقدين الأخيرين، لندرك أن الحياد الأخلاقي والأدبي لم يعد معيارا أساسيا في منحها. لقد سوّقت نوبل، في دورات سابقة، لأسماء معروفة بعدائها للمهاجرين، وعدد من الفائزين لم يخفوا ارتباطاتهم اليمينية، أو دعمهم لسياسات عنصرية. وإن كان كراسناهوركاي يتمتع ببعض القيمة الأدبية، فإن الفصل بين الأدب والمواقف الأخلاقية، لم يعد ترفا فكريا ممكنا في عالم تُقصف فيه المستشفيات ويُقتل الأطفال على مرأى ومسمع من البشرية. جائزة نوبل، وهي تمنح هذا العام لكاتب يزدري العرب، توجه رسالة لا لبس فيها: لا بأس بالعنصرية ما دامت مغلفة بأسلوب سردي معقد ومشحونة بالاقتباسات من كافكا.

ومع ذلك، لا يزال البعض من الكتّاب العرب، أولئك الذين احترفوا انتظار الجائزة كمن يحترف مراقبة الطقس أو الفلك، يُمنّون النفس بأن يروا أسماء مثل أدونيس تتربع على منصة التكريم. يتحدثون عن «الاستحقاق» و»الظلم» و»الإقصاء»، وكأن نوبل معيار للحقيقة الأدبية. لا شك أن أدونيس، بغض النظر عن اختلاف المواقف منه، يمتلك مشروعا شعريا وفكريا جديرا بالتأمل، لكن استمرار التعلق بنوبل في زمن فقدت فيه البوصلة الأخلاقية، لم يعد مجرد حلم بريء، بل حالة من العمى الطوعي.
لقد آن لهذا الوهم أن ينتهي، آن لمريدي أدونيس وغيرهم من الحالمين أن يفهموا أن الجائزة لم تعد تعني ما كانت تعنيه سابقا، وأنها لم تعد مرآة تعكس عظمة المشروع الأدبي بقدر ما باتت وسيلة لإعادة إنتاج رموز تلتقي مع مصالح خطاب ثقافي معين، يستثني الإنسان العربي تحديدا من مفهوم «الإنسانية»، الذي يتغنّى به الغرب في محافله. إن فوز كراسناهوركاي ليس تكريما للأدب، بل تتويجٌ للعنف الرمزي الذي يُمارس على الشعوب المقهورة من بوابة الثقافة هذه المرة. لقد شهد العالم، منذ انطلاقة الحرب في غزة، سلسلة من الانكشافات الأخلاقية. المؤسسات، الجامعات، المنظمات، والمثقفون الغربيون، كلهم اختبروا لحظة الحقيقة. قلة نادرة فقط من وقفت إلى جانب الضحية. أما الباقون، فآثروا الصمت، أو اكتفوا بمواقف باهتة، بينما تغرق غزة بالدم، ومن ثم، لا يمكن أن يُفهم فوز كاتب عنصري بالجائزة بمعزل عن هذا السياق. بل هو جزء منه. إنه تكريس لهيمنة خطاب يستثني العرب من شرطهم الإنساني.
وإزاء هذا، لا نحتاج إلى خطابات نارية، أو شعارات مستهلكة، نحتاج فقط إلى وضوح: أن نُسمي الأشياء بأسمائها. أن نرفض الاحتفاء بالمجرم لمجرد أنه يكتب جيدا. وأن نفهم أن الحبر ليس أكثر طهارة من الدم، حين يُستخدم لتجميل الكراهية.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية