إذا كانت الكتابة كثيرا ما تُشبَّه بالحلم، فإنّ هذا التشبيه لا يظل ثابتا، بل يتطور مع مسيرة الكاتب نفسها. ففي بداياته، يكون الحلم فرديا محضا: أن يُصبح كاتبا معترفا به، يجد لنصه مكانا في المشهد الأدبي. وحين ينشر عمله الأول، يتحول الحلم إلى رغبة في الاستمرار، وترسيخ الهوية الإبداعية، بحيث لا يكون صدور النص الأول مجرّد مصادفة عابرة. ومع تراكم التجربة، يتسع أفق الحلم ليغدو مشروعا يتجاوز حدود الذات نحو الجماعة، إذ يتخذ شكل رؤية فكرية وأخلاقية، تسعى إلى إحداث التغيير من السلبي إلى الإيجابي، ومن السيئ إلى الأحسن في المجتمع. وهكذا تنكشف الكتابة، لا كحلم واحد جامد، بل كسلسلة من الأحلام المتنامية التي ترافق الكاتب في رحلته من بناء ذاته إلى الإسهام في بناء العالم. ولعل ما جعلني ألتفت إلى هذا الموضوع؛ هو رد يسمينة خضرا على سؤال أحدهم في لقاء جامعة أحمد بن بلة بوهران (سبتمبر/أيلول 25): لماذا تكتب؟ فقال أكتب لأحلم، و الكتابة عندي هي حلم.
مستويات تجلي الكتابة والحلم:
يمكن النظر إلى العلاقة بين الكتابة والحلم عبر ثلاثة مستويات متكاملة. المستوى الأول هو ما يمكن نعته بالكتابة حلما L’écriture est un rêve، حيث تغدو الكتابة ذاتها فعلا حُلُميّا يتجاوز الواقع، بما يحمله من حرية وتخييل وانفلات من القيود. كثير من التجارب الروائية، مثل نصوص خورخي لويس بورخيس، أو عبد الرحمن منيف، تعكس هذا الحسّ الذي يجعل الكتابة امتدادا للحلم كحالة وجودية. أمّا المستوى الثاني فهو: الكتابة عن الحلم L’écriture rêve، حيث يتحول الحلم إلى مادة نصية قائمة بذاتها: فالروايات التي تستلهم عوالم الأحلام، كما في بعض أعمال كافكا، أو أحلام مستغانمي، تستثمر صور الحلم واستعاراته لتشييد عوالم سردية مشبعة بالغرابة واللاوعي. ثم يأتي المستوى الثالث والأكثر عمقا وهو: الكتابة من أجل حلم L’écriture pour rêver، حيث يتخذ الحلم بعدا جماعيا وأخلاقيا، إذ يغدو مشروعا للتغيير من السلبي إلى الإيجابي، ومن الفوضوي إلى الإنساني، ها هنا يمكن استحضار روايات نجيب محفوظ، التي جسدت حلم العدالة الاجتماعية، أو نصوص يسمينة خضرا، التي جعلت من الحلم أداة لمساءلة الخراب والبحث عن أفق أرحب. وبهذا التدرج، تنكشف الكتابة لا بوصفها مجرد محاكاة للحلم، بل رحلة متعددة الأبعاد، حلما يُعاش، حلما يُكتب، وحلما يُنجَز عبر التخييل الأدبي.
تصبح الكتابة، وفق مستوياتها الثلاثة، مشروعة ومبرَّرة فنيا، حين تنجح في تحويل الحلم إلى بناء نصي يتجاوز المباشرة والتقريرية. ففي مستوى: الكتابة حلما، تتحقق المشروعية عندما تُترجم التجربة الداخلية إلى لغة شعرية أو سردية تُغري القارئ بمشاركتها، كما نجد عند بورخيس، أو في ألف ليلة وليلة. أما الكتابة عن الحلم، فمبررها الفني يكمن في جعل الحلم عنصرا بنيويا يكشف أعماق الشخصيات أو يضيء البنية السردية، كما فعل كافكا أو بروست، بدل أن يكون مجرد استطراد عابر. وأخيرا، في الكتابة من أجل حلم، تتأسس شرعية النص حين يُجسَّد الحلم بالتغيير عبر جماليات التخييل ورموز السرد، بعيدا عن الوعظ والشعارات، كما هو الشأن عند نجيب محفوظ أو يسمينة خضرا. بذلك، لا يغدو الحلم مجرد موضوع للكتابة، بل قوة مولِّدة لإبداع يزاوج بين الرؤيا الفنية والبعد الإنساني. ومع ذلك قد تتحول الكتابة الحلمية إلى هواجس فردية، تنغلق على ذات الكاتب وتغرق في تضخم الأنا. لكن الأدب الكبير ينجو من هذا المطبّ بفضل شرطين أساسيين:
أ- التحويل الجمالي: لا يكتفي الكاتب الحقيقي بسرد همومه أو رغباته كما هي، بل يُعيد صياغتها عبر صور، استعارات، شخصيات وأحداث تجعل الخاص يتجاوز الذاتية الضيقة ليلامس الإنساني. حتى لو انطلقت التجربة من الأنا، فإنّ الفن يحوّلها إلى تجربة قابلة للتقاسم والمشاركة.
ب- المسافة مع الذات: يحافظ العمل الأدبي الناجح على مسافة بين الكاتب ونصه، فلا يذوب فيه ذوبانا كاملا، بل يسمح بوجود مسافة نقدية أو جمالية تجعل القارئ يرى نفسه داخل النص، لا أن يظل النص مرآة مغلقة تعكس الأنا فقط.
كتب كافكا عن مخاوفه الوجودية، لكنها تحولت إلى استعارات كونية عن السلطة والعبث. في حين انطلقت أحلام مستغانمي من ذاتها، لكنها جعلت من الفردي مدخلا إلى الجماعي والتاريخ، بينما نصوص أخرى أقل قيمة تسقط في فخ البوح الاعترافي الذي لا يقدم للقارئ سوى صوت الكاتب. ومن ثم فالمانع ليس في الحلم ذاته، بل في طريقة تشكيله فنيا؛ إما أن يظل هاجسا ذاتيا منغلقا، أو أن يتحول إلى تجربة إنسانية مشتركة عبر أدوات الكتابة.
يمكن النظر إلى الكتابة والحلم عبر مستويات متكاملة، كما يوضح تفكيرنا السابق، ويعززها اقتباس أندريه بريتون: «تتميز الكتابة وسرد الأحلام بكونها تقدّم مفتاحا قادرا على فتح هذا الصندوق متعدد الأعماق الذي يُسمّى الإنسان بلا حدود».
( https://citations.ouest-france) ففي مستوى الكتابة حلما L’écriture est un rêve، تتحول الكتابة ذاتها إلى فعل حُلُمي يحرر الكاتب من قيود الواقع، فيما يتيح مستوى الكتابة عن الحلم L’écriture rêve أن تصبح أحلام الكاتب مادة بنيوية للنص، تكشف أعماق الشخصيات وتوسع أفق السرد. أما مستوى الكتابة من أجل حلم – L’écriture pour rêver، فيتجاوز الذات ليحوّل الحلم إلى مشروع جماعي يسعى إلى التغيير، مع الحفاظ على الجمالية الأدبية، بعيدا عن المباشرة والشعارات. وبهذا، تؤكد رؤية بريتون، أن الكتابة والحلم يشكلان مفتاحا لاستكشاف الإنسان في أبعاده المتعددة، فلا تتحول الكتابة إلى هواجس فردية منغلقَة، بل إلى تجربة إنسانية قابلة للتقاسم، حيث تتلاقى الذات الخاصة مع الوجود الإنساني الواسع.
تتجلّى الكتابة في مستوياتها الحلمية الثلاثة كرحلة مزدوجة، إذ لا تكتفي بتحقيق أحلام الكاتب في التعبير والإبداع والوجود الأدبي، بل تمتد لتشمل القارئ، الذي يجد في النص مساحة لاستكشاف ذاته، والتفاعل مع عالم الشخصيات والأفكار المطروحة. وفي هذا اللقاء بين النص والقارئ، تولد الكتابة أحلاما جديدة، فتفتح أبوابا للخيال والرؤية الأخلاقية والجمالية، وتجعل التجربة الأدبية فضاء مشتركا تتلاقى فيه رؤى الكاتب وأماني القارئ، ليصبح النص أكثر من مجرد سرد، بل تجربة إنسانية حيّة تتفاعل فيها الذات الفردية مع الأفق الكوني للوجود.
الكتابة والحلم بين اللاوعي والنمو المعرفي:
تتجاوز الكتابة في مستوياتها الحلمية الثلاثة، كونها مجرد فعل جمالي، لتصبح فضاء ليكشف أبعاد الذات الإنسانية. ففي مستوى الكتابة حلما (L’écriture est un rêve)، تُعبّر الكتابة عن رغبات الكاتب وتطلعاته، محوّلة أحلامه وهواجسه إلى نصوص قابلة للمشاركة. هذا يتقاطع مع نظرية سيغموند فرويد، التي عدّت الأحلام «الطريق الملكي إلى اللاوعي»، حيث تكشف الأحلام عن الرغبات المكبوتة والهواجس النفسية. ([Simply Psychology][1])
أما في مستوى الكتابة عن الحلم (L’écriture rêve)، فإنّ النصوص تستلهم من الأحلام لتكشف عن أعماق اللاوعي وتُبرز التوترات النفسية، كما في أعمال أندريه بريتون، الذي يُعرّف الكتابة التلقائية بأنها «آلية نفسية نقية تهدف إلى التعبير عن الوظيفة الحقيقية للفكر». ([EBSCO][2]) وفي مستوى الكتابة من أجل حلم (L’écriture pour rêver)، تتحول الكتابة إلى أداة لتحقيق التغيير الاجتماعي والثقافي، مُستلهمة من الأحلام الجماعية والتطلعات الإنسانية. ومع ذلك، قد تنزلق الكتابة إلى هواجس فردية موغلة في الذاتية وتضخم الأنا، إذا غابت الضوابط الفنية. يُشير جاك لاكان إلى أن «اللاوعي مُنظّم كلغة»، ما يعني أن النصوص الأدبية ليست مجرد تعبير عن الذات، بل هي أيضا وسيلة للتفاعل مع الآخر وفهمه . ([praxis-psychologie-berlin.de][3]) أما من منظور جان بياجيه، فإنّ الكتابة تُعدّ أداة للنمو المعرفي، حيث يُستخدم النص كوسيلة لتطوير التفكير الرمزي والتجريدي، مما يُسهم في تشكيل الوعي الاجتماعي والثقافي. لذلك، تصبح مشروعية الكتابة الفنية رهينة بشرطين أساسيين: الأول، التحويل الجمالي، حيث يُحوّل الكاتب أحلامه وهواجسه، إلى نصوص فنية تُعبّر عن تجربة إنسانية مشتركة؛ والثاني، المسافة النقدية مع الذات، حيث يحافظ الكاتب على توازن بين التعبير عن ذاته والانفتاح على القارئ، ما يُتيح للنص أن يكون جسرا للتواصل والتفاعل.
يمكن القول إنّ الكتابة والحلم يشكلان فضاء مزدوجا يجمع بين الإبداع الفردي والوعي النفسي، حيث تُتيح الكتابة الكشف عن دواخل النفس واستثمار الأحلام في صياغة نصوص فنية غنية بالمعنى. ومن خلال منظور بياجيه، تصبح الكتابة أداة لنمو الوعي وتطوير التفكير الرمزي والتجريدي، بينما يبرز لاكان دور النص الأدبي في الكشف عن اللاوعي المنظم كلغة، ما يجعل الكتابة وسيلة لفهم الذات والعالم معا. وعليه، تظل مشروعية الكتابة الفنية رهينة بالقدرة على المزج بين التحويل الجمالي للأحلام والهواجس الفردية، والمسافة النقدية مع الذات، لتتحول التجربة الأدبية من انعكاس للأنا إلى فضاء إنساني يتفاعل فيه الكاتب والقارئ معا، ليصبح النص جسرا بين الذات والآخر وبين الحلم والواقع.
كاتب جزائري