الأمم المتحدة – “القدس العربي”: قدّم المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالحق في الغذاء، مايكل فخري، إحاطة شاملة أمام اللجنة الثالثة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، تناول فيها تصاعد نفوذ الشركات الكبرى في النظم الغذائية العالمية وتداعيات ذلك على حقوق الإنسان، كما خصّص جزءًا كبيرًا من مداخلته للحديث عن الوضع الإنساني في قطاع غزة، واصفًا ما يجري هناك بأنه “انهيار كامل للنظام الإنساني الدولي”.
مايكل فخري: استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية وإعادة بناء النظام الغذائي في غزة يعني أن “الوضع الإنساني ما زال يتدهور، حتى مع الحديث عن وقف إطلاق النار. غزة ليست فقط مدمَّرة ماديًا، بل أصبحت شاهدًا على انهيار المنظومة الدولية ذاتها”
واستعرض فخري الجوانب الإنسانية للأزمة الغذائية العالمية، مشيرًا إلى أن ارتفاع الجوع وسوء التغذية في مناطق متعددة من العالم “يمثّل دليلًا على إخفاق النظام الدولي في ضمان الحق الأساسي في الغذاء”. وتوقف مطولًا عند الحالة في غزة، معتبرًا أن ما يجري هناك “أسرع حملة تجويع في التاريخ الحديث”.
وقال فخري إن زميلته، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، ستقدّم الأسبوع المقبل تقريرًا مفصلًا حول الشركات التي تستفيد من الاحتلال الإسرائيلي، مبيّنًا أنها “تعرّضت لإجراءات عقابية شخصية من بعض الدول نتيجة عملها”. وأوضح أن هذه الممارسات “تعكس صعوبة مواجهة الانتهاكات عندما تتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية”.
وتحدث فخري بإسهاب عن أثر الأزمة الإنسانية في غزة، قائلًا إن الأمم المتحدة “لم تفشل فقط في الاستجابة، بل ماتت في غزة”. وأضاف: “سأخبركم باللحظة التي انهارت فيها الأمم المتحدة كما نعرفها. انهارت عندما توفي الطفل محمود فؤاد، البالغ من العمر شهرين، في 24 فبراير/ شباط 2024، ثم الطفلة يزن الكرع، البالغة من العمر عشرة أعوام، في 4 مارس/ آذار 2024، وهما أول طفلين يُبلّغ عن وفاتهما بسبب سوء التغذية والجفاف والجوع خلال الحملة الحالية”. وقال إن “كل مرة يموت فيها طفل من الجوع تعني أن مجتمعًا كاملًا يتعرّض للهجوم”.
وأوضح المقرر الخاص أن استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية وإعادة بناء النظام الغذائي في غزة يعني أن “الوضع الإنساني ما زال يتدهور، حتى مع الحديث عن وقف إطلاق النار. إن غزة ليست فقط مدمَّرة ماديًا، بل أصبحت شاهدًا على انهيار المنظومة الدولية ذاتها”.
وخاطب فخري أعضاء اللجنة الثالثة قائلًا إن “الجمعية العامة تمثّل اليوم الجزء المتبقي القادر على التحرك داخل الأمم المتحدة”، مضيفًا أن “ما ستقرره الجمعية بشأن غزة سيحدد شكل الحوكمة العالمية لعقود قادمة”. ودعا الدول الأعضاء إلى اعتماد قرار “الاتحاد من أجل السلام” لتمكين إرسال قوات حفظ سلام ترافق القوافل الإنسانية وتؤمن وصول المساعدات إلى المدنيين. وختم قائلًا: “إذا لم تُستخدم قوات حفظ السلام لمنع الإبادة والتجويع، فعلينا أن نتساءل: ما جدوى وجودنا هنا؟”.
وقال فخري إن الشركات العابرة للقارات أصبحت تتحكم في إنتاج الغذاء وتوزيعه وتسعيره، وفي ظروف العمل داخل سلاسل الإمداد العالمية، “بما يخدم هدفًا واحدًا هو تعظيم الأرباح، وليس الصالح العام”. وأضاف أن تركّز القوة الاقتصادية لهذه الشركات أدى إلى تقويض السيادة الاقتصادية للعديد من الدول، التي أصبحت تعتمد عليها في تلبية احتياجاتها الغذائية.
وأوضح فخري أن هذا التحوّل البنيوي في الاقتصاد الغذائي العالمي ترافق مع “تصاعد ظاهرة التصنيع الزراعي”، ما أدى إلى تدهور البيئة، وتفاقم أزمة المناخ، وارتفاع معدلات انتهاك حقوق الإنسان في قطاعات الزراعة والتصنيع الغذائي. وقال إن “العالم لا يحتاج إلى مزيد من البيانات أو المزيد من الغذاء، بل يحتاج إلى أن يمتلك الناس القدرة على التحكم في نظمهم الغذائية وعلى السياسات التي تحكمها”.
وأشار المقرر الخاص للحق في الغذاء إلى أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال السنوات الأخيرة “لا يرتبط فقط بالحروب أو الأزمات، بل يعود أيضًا إلى سلوك الشركات الكبرى التي رفعت الأسعار بمعدلات تفوق تكاليف الإنتاج والمخاطر”، معتبرًا أن هذه الممارسات أدت إلى “تضخم غذائي عالمي غير مسبوق”. وأوضح أن بعض الشركات حاولت تبرير هذه الزيادات عبر ربطها بجائحة كوفيد-19 أو بأزمات الطاقة، بينما كانت في الواقع “تسعى لتحقيق أرباح مضاعفة على حساب المستهلكين والفئات الأضعف”.
ودعا فخري إلى محاسبة الشركات عبر أدوات قانونية متعددة، تشمل القانون الجنائي، والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك المعاهدات الجارية حول الأعمال وحقوق الإنسان في جنيف. واعتبر أن المبادئ التوجيهية الحالية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان “أثبتت فشلها”، داعيًا إلى استبدالها بآليات ملزمة قانونيًا تفرض مسؤولية حقيقية وعقوبات واضحة على المنتهكين. كما شدد على أهمية إدماج القانون الضريبي ضمن الجهود الدولية لضمان العدالة الاقتصادية.
وفي ما يتعلق بالإصلاح من الداخل، قال فخري إن التحدي الأساسي يكمن في “تغيير الطبيعة القانونية للشركات نفسها”، موضحًا أن الشكل القانوني الحالي للشركات “يهدف أساسًا إلى الحدّ من المسؤولية الشخصية”، ويجعل من الصعب محاسبة الأفراد المسؤولين عن القرارات التي تنتهك حقوق الإنسان. وأضاف أن “الطريق إلى الأمام يمرّ عبر إصلاح القوانين التي تنظم الشركات بحيث تصبح حقوق الإنسان جزءًا من بنيتها القانونية”.