ملف الموقوفين السوريين في لبنان مفتاح «صفحة جديدة» بين بيروت ودمشق: تفاؤل مشوب بالحذر وسط تعقيدات الداخل والإرث الثقيل

رلى موفّق
حجم الخط
0

كثيراً ما كانت ترتفع أصوات قوى سياسية لبنانية حليفة لنظام بشار الأسد، بعد اندلاع الثورة السورية وتدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان، بأن يتم ترحيلهم إلى بلادهم، وتسليم السجناء والموقوفين إلى النظام السوري. كان الاستخدام سياسياً في غالب الأحيان، كما هي الحال في كثير من الملفات الداخلية والخارجية المعقدة، وسط غياب رؤية موحّدة للدولة ومؤسساتها وأجهزتها والانقسام السياسي وسقوطه في فلك المحاور الإقليمية، التي دفع ثمنها وما زال.
قبل سقوط نظام بشار الأسد، وخروج الميليشيات الموالية لإيران من سوريا وفي مقدمها «حزب الله»، وتراجع نفوذه في لبنان بفعل الحرب الإسرائيلية عليه، كانت مفاعيل النظام الأمني – السوري ما زالت حاضرة وبقوة، وفق ما تحمله معها رياح تقدُّم أو تراجع النفوذ الإقليمي. لا خلاف على أن الإدارة السياسية والأمنية للبلاد كانت ممسوكة، تارة بشكل مباشر وطوراً من الخلف، من قبل «حزب الله» وحلفائه، ولا سيما الذين وصلوا إلى سدة الرئاسة واستلموا الحكم وتغلغلوا في المؤسسات والإدارات اللبنانية مشكّلين، كما غيرهم في حقبات سابقة، الدولة العميقة.
تبدو الحال راهناً مختلفة بتبدّل التوازنات والزلزال الذي يضرب الشرق الأوسط برمته. تغيُّر المشهد في سوريا منذ كانون الأول/ديسمبر 2024 يحمل معه تحولات على مستوى العلاقات اللبنانية – السورية التي مرَّت، عبر عقود، بتقلّبات وأطماع الشقيق الأكبر بالشقيق الأصغر بواقع التاريخ والجغرافيا وخرائط الدول الحديثة وسيادتها.

تفكيك عقد الماضي البعيد والقريب

ماذا عن اليوم؟ كان ثمة كلام في الكواليس، وخلف الأبواب، مفاده أن الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية أحمد الشرع يتنقل بين عواصم العالم شاكراً القريب والبعيد من دون الإتيان على ذكر لبنان، الذي – على الأقل – يستضيف لاجئين سوريين، وكذلك يفعل وزير الخارجية أسعد الشيباني رغم ما يظهره من قدر كبير من الدبلوماسية والحنكة. لا شك أن سوريا قلبت الموازين في المنطقة حين قطعت طريق طهران – بيروت، فأضحى «حزب الله» في لبنان بين فكّي كماشة (إسرائيل – سوريا). الإرث ثقيل بين «حزب الله» والسوريين الذين انتفضوا على حكم الأسد في زمن «الربيع العربي». مناطق القصير، وبابا عمرو في حمص، والقلمون، وحلب، والبادية، والجزيرة، كلها مرّ عليها «حزب الله» وشقيقاته من الميليشيات العراقية والأفغانية (لواء فاطميون) والباكستانية (الزينبيون) وغيرها التابعة لإيران. هذا الإرث تستمر تداعياته ولا سيما بعدما اضطر «الحزب» إلى الخروج من حمص ومن شريط القرى هناك المتداخلة بين البلدين، أبناؤها لبنانيون ولكنهم يخضعون للدولة السورية. كل هؤلاء تركوا قراهم وباتوا على الحدود داخل لبنان في البقاع الشرقي وتحديداً في محافظة الهرمل، يشكلون ضغطاً مجتمعياً على البيئة البقاعية ستظهر في المستقبل بشكل جليّ، وسط قلة موارد «الحزب» واتجاه المجتمع الدولي، بحكوماته وأجهزته، إلى مكافحة التهريب والقضاء على منابع صناعة وتصدير المخدرات التي تضرب المجتمعات. اللغم اللبناني – السوري القابل للانفجار ترعى المملكة العربية السورية عملية تفكيكه. مسألة ضبط الحدود تُشكِّل أحد التحديات، وتعمل لجان أمنية مختصة على معالجتها، وتتطلب أيضاً الذهاب إلى إنجاز ترسيم الحدود البرية والبحرية، فيما يُشكِّل ملف الموقوفين السوريين عقدة أساسية في ترميم العلاقات وفتح آفاقها على التعاون المستقبلي، وفي مقدمها التعاون الاقتصادي لما فيه من مصلحة للبلدين.
ترتفع أسهم التفاؤل مع ظهور إرادة سياسية في البلدين لمعالجة هذا الملف القضائي الشائك، ولا سيما بعد زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني في 10 تشرين الأول/أكتوبر الحالي إلى لبنان، وهي الزيارة الأولى لمسؤول رسمي سوري لبيروت منذ سقوط نظام الأسد، أكد فيها رأس الدبلوماسية السورية أن هذه الزيارة هي لطيّ الماضي وصناعة المستقبل، وفتح صفحة جديدة تحترم سيادة لبنان ومبدأ عدم التدخل في شؤونه الداخلية.
رافق الشيباني وفد ضم في عداده وزير العدل مظهر الويس المعني بشكل مباشر بالملف القضائي. حملت الزيارة في طيّاتها ارتياحاً لبنانياً، وشملت رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة واللجنة اللبنانية برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، وعضوية وزيري الخارجية والعدل ومسؤولين دبلوماسيين وقضائيين. لكنها في آن ظهّرت حجم المشكلة مع مكوِّن لبناني، هو المكوِّن الشيعي، إذ استثنت رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يُشكِّل محطة أساسية لكل الوفود الدبلوماسية الأجنبية، لا بل مفتاح الحل والربط لكل ما يتعلق بموقع «الشيعية السياسية» وما تتحكم به في البلاد. في غالب الظن، أن الجانبين غير جاهزين لمثل هذه الخطوة. اعتبر الوفد السوري أن البحث يتعلق بما هو تقني وتنفيذي، ولا يتعلق على أقله ببعد تشريعي، ومحيط بري ربما يرى حراجة في هكذا استقبال قبل أن تنضج الحلول والظروف ويتضح مسار الخواتيم.
وتلا الزيارة الأولى زيارة ثانية لوزير العدل على رأس وفد قضائي في 13 تشرين الأول/أكتوبر، في ترجمة لزخم الإرادة السياسية بالتوصل إلى حلول من ضمن المؤسسات، وذلك عبر العمل على التوصل إلى اتفاقية قضائية بين بيروت ودمشق تُشكِّل في حيِّز منها الغطاء لعملية تسليم السجناء والموقوفين السوريين وإعادتهم إلى بلادهم.

2300 سجيناً غالبيتهم دون أحكام

في الأرقام، يوجد نحو 2300 سجين، بحسب ما أعلن طارق متري. تقدير أعداد السجناء المحكومين أو الموقوفين على خلفية انتمائهم للثورة السورية لا يتجاوز 180 شخصاً. وفي هذا الإطار، يؤكد الرئيس التنفيذي للمؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان – «لايف» المحامي اللبناني نبيل الحلبي، المختص في القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، أنّ عمليات توقيف السوريين في لبنان المنتمين إلى «النصرة»، بعد اندلاع الثورة السورية، لم تستند إلى كون التنظيم مصنفًا على لوائح الإرهاب الدولية. فالتوقيفات لم تقتصر على عناصر «النصرة»، بل شملت ضباطًا وعناصر من الجيش السوري الحر، الذين لم يُعتبروا دوليًا ضمن التنظيمات الإرهابية، بل كانوا جزءًا من المعارضة المسلحة المعتدلة. كما أنّ الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية اللبنانية آنذاك، تحت عناوين «الانتماء إلى منظمات إرهابية»، كانت تستند إلى قتال هؤلاء للجيش العربي السوري (جيش النظام)، لا إلى تصنيف أممي أو قانوني. بمعنى آخر، كان مجرد انشقاق الضابط أو الجندي عن جيش النظام ومشاركته في القتال يُعدّ جرمًا إرهابيًا في نظر المحكمة، حتى وإن جرت تلك الأنشطة خارج الأراضي اللبنانية.
ويضيف الحلبي، الذي كُلِّف رسميًا بالتفاوض مع جبهة «النصرة» عقب أحداث عرسال في آب/أغسطس 2014، أنّ هذا النهج القضائي عكس توجّهاً سياسياً واضحاً داخل المؤسسة العسكرية اللبنانية، التي لم تلتزم بمبدأ «النأي بالنفس» الذي أعلنته الدولة اللبنانية رسميًا تجاه الصراع السوري في ذلك الحين. فالمحكمة العسكرية لم تُطبِّق المعايير الدولية في أحكامها، بل استندت إلى اجتهادات سياسية ومزاجية سادت تلك المرحلة، مما جعل تصنيفاتها بعيدة عن الأُسس القانونية المعترف بها دولياً، ومَن تمَّ توقيفهم في عرسال، تحديداً بين 2014 و2015، كان على خلفيات سياسية وأمنية، وأُلصقت بهم تهمة الإرهاب أو المشاركة بقتال الجيش اللبناني من دون أي دليل.

مبادرة من خارج الصندوق… وتصنيفات

في قناعة الرجل الذي يعلم الكثير من خبايا العلاقة اللبنانية- السورية الأمنية في زمن النظام السوري السابق أن حل هذا الملف يتطلب تحركاً ذا فعالية، وأفكاراً من خارج الصندوق. طُرحت على رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل وفريقه، الذي يمثله وزير العدل في الحكومة، مبادرة تتعدى إطار اللجنة تحت عنوان «مصلحة الدولة العليا»، لكن الجميّل تحفَّظ، وفضَّل العمل من ضمن اللجنة الرسمية. هذا الطريق عبر اللجنة قد يكون مليئاً بالإشكالات. ظهرت أولاً إشكالية الصلاحية بين وزارتَي العدل والخارجية، حلَها رئيس الحكومة من خلال ترؤس نائبه للجنة اللبنانية. يتمايز موقف وزير الخارجية يوسف رجي، الذي يمثّل حزب «القوات اللبنانية» في الحكومة، عن موقف وزير العدل عادل نصار. رجي يطالب بتسليم كل السوريين إلى بلدهم، كما كان يحصل في زمن الأسد، فيما نصار يريد العمل على إعادة تصنيف الملف، واستثناء المحكومين بقتال الجيش اللبناني، رغم اعتبار حزب الكتائب، من بين قوى سياسية عديدة، أن أحكام المحكمة العسكرية كانت مسيّسة وغبّ الطلب. فالحري، في هكذا حالة، اعتماد القاعدة الذهبية في القانون: «إن ما بُني على باطل فهو باطل».
ما هو ظاهر أن التصنيف، الذي يتمسك به وزير العدل اللبناني، يتضمن 3 فئات: الفئة الأولى تضم معارضين لنظام الأسد تمّ توقيفهم على خلفيات سياسية وأمنية لانتمائهم إلى الثورة السورية التي اندلعت في آذار/مارس 2011، وهم ينتمون أو قريبون من فصائل المعارضة حينها مثل «الجيش الحر» أو «جبهة النصرة»، ولم يكن لديهم انخراط في عمليات مسلحة داخل الأراضي اللبنانية، وهم في حال من الاحتجاز التعسفي كون غالبيتهم لم توجَّه لهم التهم ولا جرت محاكمتهم. أما الفئة الثانية فتتشكّل من العناصر التي تنتمي إلى تنظيمَي «داعش» و»القاعدة»، والتي لا تعتبر فقط منظمات إرهابية، بل شاركت في مواجهات مع الجيش اللبناني وقتلت عدداً من عناصره. فيما الفئة الثالثة التي تمثل العدد الأكبر (يناهز 2100 سجين)، فهي متهمة بتهم جنائية تتراوح بين الجناية والجنحة. غالبية الجنح تتعلق بدخول الأراضي اللبنانية بطريقة غير شرعية، والمشكلة أن هؤلاء منسيون ومتروكون ولم يُعرضوا أمام قاضٍ، ووضعهم المادي سيئ، وغير قادرين على تكليف محامين لتعيين جلسات لهم، وأضحوا مكدّسين في السجون متل الكثير من الموقوفين اللبنانيين الذين لم تُعيَّن لهم جلسات. أما الجنايات، فتتناول جرائم القتل، والاغتصاب، والسرقة، والاحتيال، والمخدرات.

المستحيل الذي تحوَّل ممكناً

بات التفاؤل في ملف الموقوفين السوريين ملموساً إلى حد كبير. تسأل الناشطة والصحافية السورية عليا منصور، التي تتابع هذا الملف منذ سنوات من موقعها النضالي مع الثورة السورية ومن موقع مهنتها: «مَن كان يتصوَّر قبل سنة أن يأتي وفد قضائي سوري بعد سقوط الأسد ويزور عدداً من السجناء السوريين في رومية بموافقة السلطات اللبنانية؟». وأضافت في مقابلة تلفزيونية رداً على سؤال عن الوعود التي أُعطيت للسجناء: «الوعد الوحيد الذي تلقّاه السجناء السوريون، خلال زيارة الوفد، هو أنهم ليسوا متروكين، وأن ملفات الجميع ستُتابَع. قد لا يتم الإفراج عنهم دفعة واحدة، بل على دفعات. لكن ما حصل حتى الآن هو أننا وضعنا القطار على السكة. فهناك اتفاقية يجري بحث تفاصيلها بين الطرفين، وبعد التوقيع عليها، ستُطبّق بالإفراج عن المعتقلين الذين تشملهم، ونحن بحاجة فعلًا إلى اتفاقية جديدة، لأن الاتفاقية الموقعة بين البلدين تعود إلى عام 1951، وقد أُدخلت عليها تعديلات خلال حكم بشار الأسد، وبالتالي لم تعد صالحة اليوم».
هل هذا يعني أن الطريق معبَّدة؟ بالطبع لا، الألغام والعقبات قد تظهر في أي لحظة. ثمة نصيحة وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين من الإدارة السورية الجديدة بإقفال هذا الملف في لبنان، كما فعلتْ هي في سوريا، حين أَفرجتْ عن كل السجناء المرتبطين بمرحلة الثورة السورية ومرحلة حكم الأسد. اليوم هناك عهد جديد في لبنان، وعهد جديد في سوريا، وبالتالي من شأن تصفير السجون، بكل ما يتعلق بموقوفين أو محكومين على خلفيات الثورة السورية سواءً كانوا سوريين أو لبنانيين، أن يُسهم في فتح صفحة جديدة تُبنى على أُسس صحيحة بين البلدين. هناك قلق وخوف لدى الحلبي، الذي له باع طويل في العلاقة مع الثورة السورية، ولا سيما مع «جبهة النصرة» التي أضحت لاحقاً «هيئة تحرير الشام»، والتي رسم زعيمها «أبو محمد الجولاني» نهاية حكم نظام بيت الأسد، ونهاية حكم الأقليات، ونقل سوريا من موقع إلى آخر وسط احتضان عربي ودولي له بنسخة الرئيس أحمد الشرع تفتح على باب الاعتدال والانفتاح الاقتصادي وتحقيق مصلحة سوريا العليا. والخوف من أن تغرق اللجنة في المماحكات السياسية والمشاكل اللبنانية الداخلية. فتكون النتيجة أن يدفع السوريون في السجون الثمن، ولكن أيضاً ستدفع العلاقات اللبنانية – السورية الثمن، وسيفقد لبنان كل المزايا الاقتصادية التي كان سيجنيها من إعادة إعمار سوريا. هذه حقبة سوداء يُفترض إقفالها، ولن يؤدي التذرع والاستناد إلى أخطاء الماضي لتمديد فترة الاعتقال والتوقيف، إلا إلى علاقات متوترة ومتأزمة بين البلدين. ففي سوريا «لوبي» كبير من أهالي السجناء يُشكّلون ضغطاً على الإدارة السورية كون أولادهم هم الذين كانوا ناشطين في الثورة التي وصلت في نهاية المطاف إلى السلطة.

انفراج أو انفجار

في جانب آخر من الصورة، سيؤدي تأزم المشهد على ضفة السجناء السوريين أو انفراجه إلى تأزم آخر على ضفة السجناء اللبنانيين، وخصوصاً المسجونين على خلفية مناصرة الثورة السورية. في الحالة الأولى، لا يمكن أن يؤدي اتفاق إلى إخراج السوريين من السجون وإبقاء رفاقهم اللبنانيين، ولا سيما أولئك الموقوفين على خلفيات سياسية، وبالتالي، سترتفع التحركات من أهالي الموقوفين اللبنانيين لحل مماثل. أما في حالة التأزم، فإن الضغوط من الأهالي على الجانبين السوري واللبناني ستغذّي بعضها البعض.
من هنا، يحمل الانفتاح السوري باتجاه لبنان تفاؤلاً حذراً. التعقيدات الراهنة هي لبنانية أكثر مما هي سورية. فثمة جهات لبنانية ما زالت تراهن وتعمل على تخريب الوضع في سوريا، وقد نزح شيعة من بيئة «حزب الله»، وعلويون من «بيئة الأسد» إلى لبنان، فضلاً عن أن الأجهزة الأمنية اللبنانية متعددة الأهواء.
ولعل أولى الإشارات والرسائل ذات البعد الأمني ظهرت مع مغادرة الوفد السوري، حيث جرى تسريب صور جوازات سفر الوفد وبياناتهم الشخصية في اختراق يؤشر إلى أن الدولة اللبنانية ما زالت هشّة، وأمامها طريق طويل كي تتحوَّل إلى دولة فعلية قادرة على حماية مصالحها الوطنية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية