من الطبول إلى التكنولوجيا… رحلة أفريقيا لحماية تراثها غير المادي

عبد الله مولود
حجم الخط
0

نواكشوط ـ «القدس العربي»: في أفريقيا، حيث تتناقل الأجيال فنونها وتقاليدها منذ قرون طويلة، بدأت هذه الكنوز القديمة تحلم اليوم بدور جديد: أن تكون وقوداً للإبداع ومحرّكا للابتكار.

فما كان يُروى حول نار القبيلة أو يُعزف على أنغام الطبول، أصبح يبحث الآن عن مكانه في عالم التكنولوجيا والحداثة.
لكن الحفاظ على هذا التراث ليس نزهة فنية؛ إذ تتنازعه أخطار النسيان وغياب التوثيق وضعف الاعتراف المؤسسي.
وكان يوم الجمعة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2025، موعد القارة السمراء مع النسخة الثانية من اليوم الدولي للتراث الثقافي غير المادي، وهي مناسبة جديدة تمكن القارة من تسليط الضوء على العادات والتقاليد الأفريقية التي لا تزال تنبض بالحياة؛ فأفريقيا التي تُغني العالم بمواردها الطبيعية، تسعى اليوم لأن تُذكّره بثروتها الرمزية التي لا تقل قيمة عن الموارد.
وتحتفل المجتمعات المحلية والمنظمات غير الحكومية والدول الموقعة على اتفاقية عام 2003 الخاصة بصون هذا التراث، بهذه المبادرة التي أطلقتها اليونسكو للاحتفاء بالتنوع الثقافي الحي في العالم.
وعلى مستوى أفريقيا، أطلقت عدة بلدان برامج لإحياء هذا الموروث والتعريف به.
وفي موريتانيا، يمثل التراث الثقافي اللامادي أحد أعمدة الهوية الوطنية، ومرآة تعكس عمق التفاعل بين الإنسان والصحراء عبر قرون طويلة من الترحال، والتعليم، والتبادل الثقافي.
إنه ذلك المخزون اللامادي الذي تحفظه الألسنة والذاكرة الجماعية، وتتناقله الأجيال في صورة شعر وأمثال وموسيقى وعادات وممارسات روحية واجتماعية راسخة.
وتُعد المحظرة الموريتانية نموذجاً فريداً للتراث اللامادي، فهي مدرسة متنقلة تجمع بين العلم والدين والأدب، وتمثل تقليداً تعليمياً عريقاً حافظ على اللغة العربية وعلوم الشريعة في عمق الصحراء.
كما تشكل فنون المدح النبوي، والموسيقى الحسّانية، والأهازيج الشعبية، أشكالاً نابضة بالحياة من التعبير الفني والروحي، تحمل القيم الأخلاقية والجمالية للمجتمع الموريتاني.
ويتجاوز التراث اللامادي في موريتانيا كونه ذاكرة للماضي، ليصبح ركيزة للتنمية الثقافية والسياحية والاجتماعية. إذ تسهم الممارسات التقليدية في تقوية الروابط الاجتماعية وتعزيز الحوار بين المجموعات الثقافية والعرقية المتعددة، في انسجام يعكس روح التسامح والانفتاح.
كما أن إدراج بعض العناصر الموريتانية ضمن قوائم التراث العالمي لليونسكو، مثل المحظرة والمديح النبوي الحساني، يمثل اعترافاً دولياً بقيمة هذا التراث وضرورة صونه للأجيال القادمة.
ورغم هذا الغنى، يواجه التراث اللامادي في موريتانيا تحديات عديدة، من أبرزها ضعف التوثيق، وتراجع الممارسات التقليدية في ظل التحولات الاجتماعية والرقمية المتسارعة؛ لذلك أصبح من الضروري وضع استراتيجيات وطنية لحماية هذا الموروث، تشمل رقمنته، وتكييفه مع السياق المعاصر، وإدماجه في التعليم والإبداع الفني والإعلامي.
ونظمت جمهورية التوغو، النسخة الأولى لمؤتمر بعنوان: «صون وتثمين التراث الثقافي غير المادي في أفريقيا جنوب الصحراء: الواقع والآفاق»؛ وكان المؤتمر فرصة للتوعية بأهمية حماية المهارات والتقاليد المحلية.
أما في بنين، فقد خطفت أيام الفودو «Vodun Days» الأضواء في كانون الثاني/يناير 2025، إذ استقطبت أكثر من 435 ألف مشارك من داخل البلاد وخارجها، في أجواء صاخبة من رقصات «إيغونغون» (أرواح الأجداد)، وطقوس العرافة التقليدية «فا» (Fâ)، وعروض فنية تحيي تراث الديانة الفودونية التي يسعى القائمون عليها لتصحيح صورتها وكسر الصورة النمطية عنها كـ«سحر أسود».
وفي السنغال، يحتضن متحف الحضارات السوداء في داكار ورشات تفاعلية ومعارض حية حول الآلات الموسيقية التقليدية والرقصات الطقسية، بمشاركة حرفيين ومجموعات ثقافية محلية.
أما في المغرب، فقد جعلت مدينة فاس من التراث الحرفي مادة للنقاش، فاحتفت بفن الزليج التقليدي وممارسة نقش الحناء، كرمزين للجمال والهوية، حيث تقاسم الحرفيون أسرار مهنتهم مع الزوار وطلبة الفنون والتصميم.
ويظل الفن القلب النابض للتراث غير المادي الأفريقي؛ من نسيج فاسو دانفاني في بوركينا فاسو، إلى الخزف العاجي في ساحل العاج، مروراً بتربية دودة القز في إثيوبيا. كلها فنون لا تُعرّف فقط الجمال، بل تعيد تعريف الانتماء والهوية والابتكار الثقافي.
ومع ذلك، فإن مهمة صون هذا التراث تواجه تحديات جمّة: غياب التوثيق، ضعف نقل المهارات بين الأجيال، وضرورة الاعتراف الرسمي من قبل المؤسسات.
لكن الأمل قائم ما دامت القارة تواصل الغناء بلغتها الخاصة، لغة الإبداع الأفريقي الذي لا يشيخ أبداً.
ففي سباق أفريقيا مع الزمن لحماية تراثها الحي، يظهر جليًا أن ما بين الذاكرة والابتكار مسافة قصيرة إذا ما توفرت الإرادة والحماية والاعتراف بالقيمة الفعلية للتراث.
فمن الطبول التي كانت تُنبه القرى وتروي القصص، إلى التقنيات الحديثة التي توثّق وتروّج لهذا الإرث، تثبت القارة أن التراث اللامادي ليس مجرد ماضٍ يُحفظ في الذاكرة، بل رافعة للإبداع، ومحرك للتنمية، وجسر يربط الأجيال ببعضها.
إن جهود الدول الأفريقية، ومبادرات المجتمعات المحلية، وتجربة موريتانيا في صون تراثها الحي، تؤكد أن التراث الثقافي غير المادي يستحق الحماية والاعتراف والاحتفاء، لأنه المورد الذي يجعل من أفريقيا قارة فريدة، نابضة بالحياة، وقادرة على تقديم هويتها الثقافية للعالم أجمع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية