«لا يلف ولا يدور ولا يراوغ»، تلك قيمة إضافية في الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو يقولها بصراحة ردا على استفسار مراسلة «سي بي أس» داخل قمرة طائرته: «إذا لم توقف حماس قتل المدنيين. سنتدخل ونقتلهم – يقصد مقاتلي حماس»!
وقد التقط أحد المحللين على شاشة «الجزيرة» المفارقة فترامب يعتبر «الخونة واللصوص والعملاء والجواسيس في غزة مدنيين يحتاجون لتدخله وحمايته»، لكنه طوال عامين لم يتدخل لحماية مليوني إنسان قصفتهم إسرائيل بقنابل أمريكية، ودمرت بيوتهم وحياتهم!
اللافت أكثر أن السيد الرئيس لا يكرر المشروخة الأمريكية المعتادة «سنجلبهم للعدالة» أو «سنحاكمهم»، بل قالها بصراحة وتلقائية «سنقتل حماس» بدون محاكمات.
كل من يطالب المقاومة بـ»محاكمات عادلة»، ويحاضر على أدائها الهادف لـ»التنظيف» لا يخطط للانتباه لشرطي العالم ترامب، وهو يعلن نيته «قتل مقاتلي حماس»، مع أنه عمليا دفع 21 مليار دولار لتمويل خطة قتل، ليس فقط مقاتلي حماس الفلسطينيين، بل أقربائهم وأطفالهم وعائلاتهم والقطط العابرة.
لا أحد قال للرئيس ترامب إن عليه أن يشعر بالخجل قليلا، فالمقاومة جماعة ومصنفة لديه بالإرهاب، ولا يليق بالرئيس أن يهدد فورا بالقتل ودون أدنى التفاتة ولو لفظية للمحكمة أو لأي قانون!
ترامب صادق هنا في التعبير عن «الوجه الحقيقي» للولايات المتحدة.. نقطة أول السطر.
وترامب يتجاهل الأسير الفلسطيني المحرر محمود العارضة وهو يتحدث لـ»الجزيرة مباشر»، بعد إبعاده عن «مسلخ بشري اسمه سجن مجدو» الإسرائيلي، حيث تكسر الأضلاع – كما حصل مع القائد الأسير مروان البرغوثي – في مسابقة مع سيئ
الذكر سجن صيدنايا السوري الشهير.
لا أؤمن بالمحاكم الثورية ولا بعقوبات الإعدام المتسرعة بدون حقوق دفاع منصفة. لكن ترامب سمح لعصابة دموية اسمها إسرائيل بارتكاب أبشع المجازر على حساب دافعي الضرائب الأمريكيين، وبالتالي هو «يمول» سجن «مجدو»، الذي تحدث عنه الأسير العارضة.
قبل ذلك سمح النظام السوري المخلوع بجرائم مروعة رائحتها تعلق في ذاكرة الإنسان طوال الحياة، مما يثبت أن «ثقافة التعذيب» الإسرائيلية أصبحت عابرة للحدود في الإقليم وتستهوي كل من حمل لقب «أبو الجماجم» على خلفية الحقن الطائفي المسموم.
«أستاذ التطهير»
هنا حصرا لا بد من التوقف عند الخدمة المصورة، التي قدمتها وكالة «رويترز»، وهي تبحث عن وسيلة لتتبع «ضحايا نظام بشار الأسد»، حيث وصلة تمثيلية مضحكة فيها تقليد لما سمعناه في مسلسل «القائمة السوداء» الشهير على شبكة «نتفليكس»، عندما يطلق المحققون الأسماء الرمزية على عتاة الإجرام.
«أستاذ التطهير»، هو الاسم الرمزي، وفقا لرويترز لـ»عقيد» في الخدمات الطبية العسكرية السورية أيام الرئيس المخلوع، كان يتولى عملية التنظيف بمعنى نقل الأتربة والعظام البشرية المختلطة مع الديدان من موقع لآخر، حسب بوصلة توقعات التحقيق في الجرائم الكبرى.
عقيد التطهير واسمه الثاني «إسمندر» مسؤول عن نقل تربة وعظام ما لا يقل عن 160 ألف سوري، قتلهم النظام في السجون، لا بل وقع العقيد نحو «73» ألف وثيقة مما يؤشر على أنه حفار القبور الأبرز لضحايا نظام دمشق الأسبق.
نقل الجثث مع الديدان كانت محاولة بأوامر رئاسية مباشرة بهدف «التطهر»، وتجنب الأسئلة.
والبانوراما، التي رسمتها «رويترز» لنا هنا لا تنافسها في الوضاعة البوليسية إلا صور شهداء غزة، الذين تم تسليمهم من الجانب الإسرائيلي عبر الصليب الأحمر.
لم يشعر الاحتلال بأي سبب يدفعه لتعديل وضعية جثث الشهداء: هنا رأس داسته جنازير دبابة وبطن مليء بحشوات قطن بعد سرقة الأعضاء. وهناك جثة مكبلة الأيدي للخلف ورصاصة في الجمجمة وخليط جماجم مع عظام!
الجزار الإسرائيلي لم يشعر بأي حاجة لإخفاء جريمته الوحشية، كما فعل «أستاذ التطهير السوري».
وقناة 13 الإسرائيلية، التي تابعت بحماس نقل جثث الأسرى الإسرائيليين، لم تصدر عنها أي إشارة يفهم منها مطالبة الرئيس ترامب بأي تلويح ضد الأوغاد المجرمين من حكومة تل أبيب، والسبب في كل بساطة أن الجريمة أصلا أمريكية يرتكبها «التابع الإسرائيلي» الموكل بأقذر المهام باعتراف مستشار ألمانيا. هنا أيضا نقطة أول السطر.
سؤال ذكي للشرع
أبعد قليلا عن حفار القبور الجماعية السوري، حاولت قناة «العربية»، وفي برنامج «ساعة حوار» بناء سيناريو درامي عن اللقاء المثير، الذي جمع لساعتين ونصف الساعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس السوري الحالي أحمد الشرع «الجولاني سابقا»، على حد تعبير أحد ضيوف الحلقة.
واضح من سياق الحوار أن غرفة الكونترول في «العربية»، ليست لديها معلومات طازجة مقنعة تقدمها للجمهور. لذلك غرقت الزميلة المذيعة في بحر من التساؤلات الفرضية، قبل بث صور لاستقبالات الشرع في موسكو، فيما جواب الرئيس الشرع على «سؤال محدد» حول إسرائيل ودورها في المسألة السورية يستحق التأمل.
الشرع بعد «ديباجة» لا نستهدف أي جهة ولن نعتدي على أي دولة في الجوار ومشغولون ببناء البلد طرح سؤالا ذكيا: هل حقا إسرائيل لديها «مخاوف أمنية» بخصوصنا أم لديها «أطماع توسعية»؟ الإجابة واضحة ومفهومة.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في عمان