محللون لـ”القدس العربي”: كيف يسترجع المواطن المغربي الثقة في الأحزاب والانتخابات؟

حجم الخط
0

الرباط – “القدس العربي”:

على بُعد شهور من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، اطّلع مجلس الحكومة في المغرب، المنعقد برئاسة عزيز أخنوش، على مجموعة من مشاريع القوانين التنظيمية التي قدّمها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، من بينها مشروع قانون تنظيمي يهدف إلى تعديل وتتميم القانون المتعلق بالأحزاب السياسية.

ويهدف المشروع إلى إدخال تعديلات جوهرية على الإطار القانوني المنظم للأحزاب السياسية، تحقيقًا لأهداف متعددة تشمل مقاومة ما سُمِّي بـ”الرحيل السياسي”، إذ يسعى النصّ الجديد إلى الحدّ من ظاهرة التحوّل الحزبي التي تُعد ممارسة سلبية تضرّ بالاستقرار السياسي والمؤسسات المنتخبة، وتعزيز آليات ضبط الانتماء الحزبي بما يرسخ مصداقية العمل السياسي.

كما يتضمّن المشروع إجراءات لدعم التمويل المادي للأحزاب، من خلال السماح لها باستثمار أموالها في مقاولات الصحف الناطقة باسمها، بالإضافة إلى دعم مواردها البشرية عبر تمكينها من الاستفادة من خدمات الموظفين العموميين في إطار الوضع رهن الإشارة، وبرامج التدريب التي تنظمها الإدارة العمومية. ويُراد من هذه المقتضيات عقلنة المشهد الحزبي وجعل الحياة السياسية أكثر نجاعة من خلال ربط تأسيس الحزب بضرورة توفر قاعدة جماهيرية حقيقية.

وفي تعليقه على هذا المشروع، اعتبر رشيد لزرق، رئيس مركز “شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية”، أن طرح مشروع القانون التنظيمي رقم 54.25 المتعلق بتعديل قانون الأحزاب السياسية في هذا التوقيت لا يخلو من أبعاد سياسية ودستورية عميقة، مؤكّدًا أنه يأتي في سياق مرحلة انتقالية دقيقة تعرفها الحياة السياسية بالمغرب، تُطرح فيها العديد من القضايا من قبيل تجديد النخب، وتخليق الممارسة الحزبية، واستعادة ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية.

وأوضح لزرق أن هذا التعديل ينسجم مع مقتضيات الفصل السابع من الدستور، الذي يربط وجود الأحزاب بوظيفة التأطير السياسي للمواطنين والمساهمة في التعبير عن إرادتهم والمشاركة في ممارسة السلطة، مشيرًا إلى أن التوقيت يعكس إرادة ملكية وحكومية لتأهيل المشهد الحزبي قبل الاستحقاقات المقبلة، بما يتيح تجاوز الاختلالات البنيوية التي عرفتها دورات انتخابية سابقة، ويروم ترتيب البيت الداخلي للمنظومة الحزبية وإعادة رسم قواعد اللعبة السياسية على أسس أكثر شفافية ومصداقية.

تجويد العمل الحزبي

وأشار أستاذ العلوم السياسية في جامعة ابن طفيل، متحدثًا لـ”القدس العربي”، إلى أن الثقة في العمل الحزبي لا تُستعاد بالشعارات، بل بإصلاح البنية القانونية والتنظيمية التي تحكم الأحزاب، معتبرًا أن مشروع القانون يمكن أن يشكل نقلة نوعية إذا تضمّن آليات لتفعيل الديمقراطية الداخلية وضمان شفافية التمويل وربط الدعم العمومي بالمردودية السياسية والانتخابية.

وأضاف أن المواطن فقد الثقة في الأحزاب حين تحولت إلى أجهزة مغلقة تُدار بالولاءات لا بالكفاءات، غير أن المشروع الحالي قد يسهم في استعادة الثقة إذا أعاد تعريف الحزب كفضاء للمشاركة والتعبير وليس كوسيلة للترشح فقط.

وأكد المتحدث ذاته أن الإصلاح القانوني شرط ضروري لكنه غير كافٍ، ما لم يُترجم إلى ممارسة سياسية جديدة قائمة على ربط المسؤولية بالمحاسبة، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الإصلاحات يتوقف على الإرادة التطبيقية ومدى استعداد الأحزاب لتجديد نخبها وتفعيل المقتضيات الجديدة في ممارستها اليومية.

أما بشأن انعكاسات التعديلات على الاستحقاقات المقبلة والتوازن الحزبي، فبيّن أن هذه الخطوات من المنتظر أن تعيد تشكيل الخريطة الحزبية والانتخابية في المدى القريب، إذ قد يؤدي التشديد في معايير الشفافية والانضباط المالي وتقنين شروط الترشيح والانخراط إلى تقليص عدد الأحزاب غير الفاعلة ودفعها نحو الاندماج أو الانسحاب، ما سيُقوّي التنظيمات ذات القواعد النشطة والرؤية الواضحة.

وفي المقابل، فإن توسيع المشاركة للشباب والنساء، كما ورد في الإصلاحات التشريعية الموازية، سيحدث تحوّلًا في طبيعة النخب المنتخبة وفي الخطاب السياسي الموجّه للرأي العام، لتستفيد الأحزاب الحديثة القادرة على التأقلم مع التحولات، بينما ستتراجع الأحزاب التقليدية المعتمدة على الزعامات أو شبكات النفوذ المحلي.

ويرى لزرق أن هذه التعديلات، إن طُبقت بروحها الإصلاحية، فستنعكس إيجابًا على جودة العملية الانتخابية، وستعيد شيئًا من التوازن المفقود بين النصّ الدستوري والممارسة السياسية الواقعية.

استعادة الثقة

من جهتها، أبرزت الباحثة في العلوم السياسية مريم بليل أن عرض مشروع القانون التنظيمي رقم 54.25 في هذا التوقيت يعكس لحظة سياسية دقيقة، بل هو انعكاس لمتطلبات احتجاجات “جيل زد”، معتبرة أن الخطوة تشكّل رسالة مفادها أن الدولة تسعى اليوم إلى إعادة هيكلة الحقل الحزبي وفق منطق الإشراك والفاعلية.

وأوضحت بليل، ضمن تصريح لـ”القدس العربي”، أن مدى إسهام المشروع في إعادة الثقة بين المواطن والأحزاب يتوقف على طريقة تنزيله، مشيرة إلى أن المبادرة في جوهرها تترجم إرادة لترميم الجسور المقطوعة بين المواطن والسياسة عبر إعادة تعريف شروط الانتماء والممارسة الحزبية. فإذا تم تفعيل المقتضيات بشفافية، تضيف بليل، فقد تسهم في استعادة جزء من الثقة المفقودة لأنها ستحدّ من منطق الريع السياسي وتحكّم الزعامات التقليدية، وتفتح الباب أمام وجوه شابة وكفاءات جديدة تؤمن بالفعل السياسي كخدمة عمومية لا كامتياز.

وفي قراءتها لانعكاسات هذه التعديلات على الاستحقاقات المقبلة، تساءلت بليل: “هل يستطيع البرلمان تشريع قانون تنظيمي يسهم في إعادة توزيع التمثيلية الحزبية بما يسمح ببروز قوى جديدة ويضعف من هيمنة النخب التقليدية التي ظلت تستفيد من اختلالات المنظومة السابقة؟”، معتبرة أن التنزيل السليم للمشروع قد يفضي إلى انتخابات أكثر تنافسية وبرلمان أكثر تجديدًا، وحياة سياسية أكثر دينامية تعيد للمواطن الإحساس بالمواطنة وأهمية الفعل السياسي.

أما الكاتب والمحلل السياسي حميد جماهري فأشار إلى أن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب يهدف إلى تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان نزاهتها، من خلال تحصين الولوج إلى المؤسسة النيابية في وجه كل من صدرت في حقه أحكام تفقده الأهلية الانتخابية، وتشديد العقوبات لردع أي محاولة تمس بسلامة العمليات الانتخابية.

وأوضح المتحدث أن المشروع يتضمّن تحفيزات ملموسة لتشجيع مشاركة الشباب والنساء، إذ يقترح مراجعة شروط ترشح الشباب دون 35 سنة وتبسيطها، ومنح دعم مالي يغطي 75% من مصاريف الحملات الانتخابية، إضافة إلى تخصيص الدوائر الجهوية حصريًا للنساء، تعزيزًا لحضورهن في المؤسسة النيابية.

وفيما يخص مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، شدد جماهري على أنه يروم تطوير الإطار القانوني المنظم لها، ووضع قواعد جديدة لتعزيز مشاركة النساء والشباب في تأسيس الأحزاب وتحسين حوكمتها وضبط ماليتها وحساباتها، في أفق تأهيل العمل الحزبي ببلادنا ليواكب التطورات المتسارعة التي يشهدها المجتمع المغربي.

خطوة غير مسبوقة

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، يرى عبد الحكيم قرمان، الباحث في العلوم السياسية، في هذه الخطوة محطة تأسيسية لإعادة بناء الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، وتطهير المجال الانتخابي من كل الشوائب التي أساءت لصورة السياسة في الوعي الجماعي.

وقال: “المؤسسة البرلمانية، التي تمثل الإرادة الشعبية، لا يمكن أن تكون مجالًا لخدمة الحسابات الفردية والحزبية أو لتدوير الرداءة ومع بعض الممارسات المطبّعة مع الريع والفساد السياسي، بل فضاءً نبيلًا للتشريع وللتعبير الأمثل عن مطامح وتطلعات المواطنين الحقة، ولصياغة السياسات العمومية وتقييمها وتقويمها خدمةً للمصلحة العامة للوطن والمجتمع”، وفق تعبيره.

وأكد أن القطع مع منطق الإفلات من العقاب، وتشديد العقوبات ضد الممارسات الانتخابية غير القانونية، يمثل استعادة لهيبة المؤسسات وكرامة المواطن، الذي يضع صوته أمانة في يد من ينتخبه.

وفي المقابل، يضيف المتحدث، يفتح المشروع ذاته أفقًا واعدًا أمام فئة الشباب دون 35 سنة، عبر مراجعة شروط ترشحهم وتبسيط المساطر المرتبطة به، سواء داخل الأحزاب أو بدون انتماء حزبي، مع إقرار دعم مالي يغطي 75% من مصاريف الحملات الانتخابية. واعتبر أن هذه الخطوة غير المسبوقة في التاريخ السياسي المغربي تترجم وعيًا متزايدًا بضرورة تجديد النخب، وضخّ دماء جديدة في الحقل السياسي، وتعزيز تمثيلية فئة واسعة من الشباب الذين ظلوا لعقود خارج دائرة القرار.

ويقول عبد الهادي مزراري، الباحث في علم الاجتماع السياسي: “لن يكون بإمكان المغرب الحصول على برلمان بطاقات وكفاءات جديدة إلا إذا مُنحت الفرصة للشباب المثقف والواعي بواجباته الوطنية. ولهذا تمخض عن المجلس الوزاري قرار يتعلق بمراجعة شروط ترشح الشباب دون 35 سنة، عبر تبسيط المساطر سواء في إطار التزكية الحزبية أو بدونها، مع تمكينهم من دعم مالي يغطي 75 في المئة من مصاريف حملاتهم الانتخابية”.

وأفاد في تصريح لـ”القدس العربي” أنه جرى توجيه مذكرة إلى الأحزاب السياسية بضرورة بناء سدٍّ منيع في وجه المترشحين الذين تحوم حولهم شبهات في قضايا وملفات معينة، وذلك من خلال منع الأشخاص الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية تؤدي إلى فقدان الأهلية الانتخابية، بالإضافة إلى إقصاء كل من ضُبط في حالة تلبّس بجريمة تمسّ بنزاهة الانتخابات، مع تشديد العقوبات الزجرية على كل محاولة للمساس بنزاهتها.

وتابع مزراري أنه جرى أيضًا اتخاذ قرارات بإحداث إصلاحات في قوانين تتعلق بمجلس النواب والمحكمة الدستورية، وكل ذلك يصبّ في تحصين الحياة السياسية في المغرب من الفساد وإعادة الثقة إلى المواطنين، خاصة فئة الشباب الذين يتوقون للمشاركة في الفعل السياسي من بوابة الديمقراطية، “وهي البوابة الوحيدة والشرعية لإحداث الإصلاحات المنشودة”، وفق تعبيره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية