فاجأ الفنان والمخرج المغربي عبد الكبير الركاكنة جمهور المسرح بتقديم تجربة فنية جديدة في إطار مسرح التجريب، تحت عنوان «لافاش» (البقرة)، وهو الذي عوّد جمهوره على عروض ناجحة من كوميديا الصالون والكوميديا الخفيفة.
الركاكنة هنا يثبت أنه مخرج مسرحي متعدد وقادر على المزج بين الخيال والواقع في التجريب، مع إقحام المتلقي في أسئلة العرض الحارقة بلغة بصرية وجمالية.
مسرحية «لافاش» للكاتب المسرحي عبدو جلال تقدم نقدًا اجتماعيًا لاذعًا يضع الأصبع على الجرح.
في رؤيته الإخراجية لهذا العمل وضع المخرج أربع شخصيات في علاقة صدامية داخل قاعة التحقيق الممتدة بدون نهاية والمعتمة إلا من إضاءة خافتة لتعميق الحالات والتحولات الدرامية والتوترات النفسية.
إنه صدام يتأسس على شخصية غير ظاهرة، ولكنها هي المحرك الأساسي للأحداث وهي «لافاش» (البقرة). كما نجح المخرج في خلق فضاء مسرحي يُخضع الشخصيات لإيقاع جارف، ويُدخل المتلقي في سؤال محير عن الواقع واللاواقع. كما أن الرمزية القوية للشخصيات تسلط الضوء على الظلم الاجتماعي والاقتصادي والصراع الأبدي بين المال والسلطة.
دلالات عميقة
«لافاش» ليس مجرد رمز مادي، بل يحمل دلالات عميقة. إنها تمثل الثروة التي تتعرض للنهب، سواء كانت ثروة مادية (كالأرض أو الماشية) أو رمزية (كالكرامة والعدالة). اختفاؤها وظهورها في كوخ الراعي البئيس يفتح الباب أمام تساؤلات حول العدالة: هل الراعي هو السارق فعلًا أم المسروق؟ أم هو كبش فداء لتغطية فساد الأقوياء؟ إنها هنا المحرك الدرامي الذي يكشف تناقضات المجتمع.
وتأتي شخصية الحاج (الباعوضي) صاحب «لافاش» الذي يملك كل شيء، في مواجهة الراعي الذي لا يملك إلا كوخا وبؤسا ونفسا محطمة. إنه صدام بين القوة المطلقة وبين الضعف المطلق.
وفي مواجهة زوجة الراعي التي تُجسد الظلم الأخلاقي والاجتماعي باغتصابها من مالك «لافاش» وحملها منه. وهو ما يجعلنا أمام ظلم متعدد الأبعاد (اقتصادي، اجتماعي، أخلاقي).
ـ شخصية المحقق الذي يمثل السلطة الأمنية، لكنه ليس محايدًا تمامًا، دوره يكشف عن تواطؤ السلطة مع لصوص المال العام، لكنه في لحظة فارقة ينتصر للعدل ويُحول التحقيق من بحث عن لافاش إلى أداة لفضح الهيمنة الاجتماعية لأصحاب المال والسلطة والنفوذ. حتى وإن كانت شخصيته مركبة، ويعاني من صراع داخلي بين واجبه وتعليماته.
ـ «الحاج الباعوضي» (إشارة رمزية قاسية حيث يُحيل اسمه إلى حشرة الباعوض الذي يقتات من امتصاص دم الآخر) إنه يجسد الفساد والاستغلال. اغتصابه لزوجة الراعي يكشف عن استبداد يتجاوز الجانب الاقتصادي إلى الجانب الأخلاقي، مما يعزز صورة الظلم المطلق.
ـ بناقص الخماس: يمثل الطبقة المستضعفة التي تعاني من التهميش والظلم. وجود «لافاش» في كوخه يجعله عرضة للاتهام، لكنه في الوقت ذاته ضحية لوضعه المفروض عليه من سلطة تحمي الأقوياء. إنه صوت المهمشين الذين لا صوت لهم.
ـ زوجة بناقص هي الشخصية الأكثر مأساوية، إذ تجمع بين الظلم الاجتماعي (كونها من الطبقة الدنيا) والظلم الجنسي (اغتصابها). حملها من صاحب البقرة يضيف طبقة من التعقيد الدرامي، حيث تصبح رمزًا للكرامة المنتهكة والصراع الأخلاقي.
المفاجئة الصادمة في هذا العرض حين يكتشف المتلقي أن شخصية «الحاج الباعوضي» هي في حقيقة الأمر جاءت من نفس طبقة الراعي والزوجة، لكنه صعد اجتماعيًا عبر علاقاته المتشعبة مع أصحاب النفوذ، ودوره يكشف عن الانتهازية والتواطؤ، مما يبرز التناقض بين أصله وتحالفاته الحالية، وهو ما يعزز فكرة الفساد المنظم.
وقدم الممثلون بوشعيب العمراني في دور «بناقص الخماس» وهند ظافر في دور الزوجة «رحمة» وعبد الكبير الركاكنة في دور المحقق «فؤاد» وعبدو جلال «الحاج الباعوضي» في دور مالك البقرة، أداء لافتا وقويا، ونجحوا في خلق إيقاع عالِ، وانسجام تام مع الحالات الدرامية والمشهدية. فالمخرج منح للممثلين مساحات لعب كبيرة مما ساهم في هذا الأداء القوي واللافت.
الرؤية الإخراجية
اختيار غرفة التحقيق كفضاء وحيد للأحداث يعزز من التوتر الدرامي، ويجعل المسرحية أقرب إلى مسرح العبث أو الواقعية النقدية. هذا الفضاء يعكس حالة الحصار التي يعيشها المستضعفون، حيث لا مفر من مواجهة السلطة. الإضاءة الحمراء والمصابيح الخافتة تضفي جوًا من القلق والتوتر، معززة الشعور بالظلم والقمع. اللون الأحمر قد يرمز إلى الدم، العنف، أو الغضب المكبوت للطبقات المظلومة. إن إعطاء مساحة كبيرة للعب الممثلين يشير إلى رؤية إخراجية تعتمد على الأداء الجسدي والانفعالي لنقل الحالات النفسية والصراعات الداخلية. هذا الاختيار يعزز من الطابع الإنساني للشخصيات، خاصة الراعي وزوجته، اللذين يمكن أن يعبّرا عن آلامهما عبر الحركة والتعبير غير اللفظي. فمن خلال قضية بسيطة ظاهريًا (اختفاء بقرة)، تكشف المسرحية عن شبكة معقدة من الفساد، الاستغلال، والظلم.
تعتمد المسرحية على لغة شعبية مغربية (الدارجة) ممزوجة بلغة فصيحة في لحظات التحقيق أو الخطابات الرسمية. هذا المزيج يعزز الواقعية ويجعل الجمهور يشعر بقرب الشخصيات من واقعه إضافة إلى الحوارات المشحونة بالتوتر، والسخرية السوداء أو الهجاء.
إن أسئلة العرض المسرحي جريئة وقاسية ومعقدة الدلالات، وبالتالي فقد نجحت المسرحية في تقديم نقد اجتماعي عميق بأسلوب درامي مشوق قابل للتأويل على مستويات متعددة.
وهي دعوة للجمهور للتفكير في قضايا العدالة، الفساد، والمقاومة في سياق مغربي محلي، لكنها تحمل أيضًا طابعًا انسانيا وعالميًا يمكن أن يتردد صداه في أي مجتمع يعاني من نفس الأعراض.
والخلاصة أن مسرحية «لافاش» عمل فني جريء يستخدم الرمزية لفضح الفساد والتواطؤ السلطوي. من خلال شخصياتها المعقدة وفضائها المسرحي المعبر، تقدم نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا حادًا، معززًا برؤية إخراجية ذكية تعتمد على الإضاءة والأداء لتكثيف الصراع الدرامي. إنها مسرحية قوية حققت فرجة تدفع المتلقي إلى كثير من اللذة والمتعة والتساؤلات.

ناقد فني من المغرب