هل استعد التونسيون للحرب؟

■ يشق الرئيس طريقه نحوعنابر مستشفى «شارل نيكول» وسط حشد من الصحافيين تسابقوا للظفر بتصريحاته. وقبل أن يدخل القاعات التي استقبلت للتو سياحا جرحوا داخل متحف باردو، في واحدة من أعنف العمليات التي سقط فيها أكثر من عشرين قتيلا، معظمهم من الزوار الاجانب، يلتفت لصحافي طلب تعليقه على الهجوم ويرد عليه بنبرة غضب وتوعد لا تخفى: «ليس لدي تعليق»، يقول الباجي قبل أن يضيف «إن مصيبة كبرى قد حلت بتونس، ولم يعد هناك امل في هؤلاء الناس، ولابد من التعبئة العامة لمحوهم نهائيا من الخريطة».
أما مساء اليوم نفسه فيظهر الرئيس مجددا على شاشة التلفزيون الرسمي، موجها خطابا للشعب يطالبه فيه «بأن يفهم مرة واحدة ونهائيا» مثلما قال «بأننا في حرب مع الارهاب». وحتى يتأكد الجميع من خطورة الموقف وجدية السلطات يخرج الناطق الرسمي باسم الرئاسة ليعلن عن اجتماع عاجل ومرتقب للمجلس الاعلى للجيوش مع المجلس الاعلى لقوات الامن الداخلي، يعقد للمرة الاولى بقصر قرطاج وبإشراف الرئيس «لاعلان الحرب رسميا على الارهاب». لكن بمجرد أن تهدأ العاصفة قليلا وتنفض المظاهرة الرسمية التي نظمت لاحقا للتنديد بالارهاب وتعود وفود المتضامنين من حيث اتت، ثم تغيب حملات» انا باردو» عن واجهة الصورة، يتلاشى الاحساس بان التونسيين بصدد مواجهة جماعية موحدة لعــــــدو شرس يخوض حربا استنزاف مفتوحة بهدف الاجهاز على أثمن شيء حصلوا عليه وهو حرياتهم. ويتعمق الانطباع بالمقابل بانهم باتوا غير مقتنعين او مصــــدقين بانهم يعيشون بالفعل حالة حرب حقيقية لا وهمـــية او مصطنعة. هل يحصل ذلك لمجرد أن الناس لا تقيس التهديد أو تستشعره بالاساليب والمقاييس الحكومية نفسها، أو لأنهم في الاصل غير مهيئين أو جاهزين لذلك الوضع، بعد أن حولتهم سنوات الاستبداد إلى كائنات استهلاكية رخوة، ليست لديها القدرة على مواجهة الازمات بقوة وصلابة؟
حتى أيام المواجهة المباشرة مع المستعمر الفرنسي كان هناك ما يشبه الانقسام في المواقف بين الداعين إلى حمل السلاح بوجهه والرافضين لذلك، بدعوى انه لا يمكن التغلب ابدا على العدو الا بالمهادنة والحيلة وانتزاع التنازلات التدريجية، عبر التفاوض وفقا لقاعدة ظل الرئيس الراحل بورقيبة حريصا على ترديدها باستمرار وهي «خذ وطالب». وباستثناء معركة بنزرت التي خاضها البلد مطلع الستينيات لطرد الفرنسيين من آخر القواعد التي ظلوا محتفظين بها بعد اعلان الاستقلال والتي حامت شبهات كثيرة حول الظروف والاسباب التي قادت اليها، فإن التونسيين ظلوا بمنأى عن العواصف والهزات وموجات الانقلابات العسكرية والحروب الاهلية والقطرية، التي اشتعلت في اكثر من مكان في الجوار القريب والبعيد. كانت السلطات تروج على أن ذلك الهدوء والاستقرار دليل لا يقبل النقاش على حكمة القيادة وتبصرها وحرصها على تجنب الانسياق وراء الشعارات الشعبوية، التي جرّت الويلات على اخرين يفوقونها حجما وعددا، ولم يكن ممكنا لاحد أن يسأل عن الثمن الذي دفعته تونس حتى تبقى بعيدة عن الاضطرابات، فقرار الحرب والسلم كان ملكية حصرية بيد الرئيس، ولم يكن هناك من يستطيع أو يملك بالفعل القدرة والارادة على منازعته في شأن وطني وقومي صار بمرور الوقت مسألة فردية تخضع بدرجة أولى لنزوات الزعيم وتقلباته. والمفارقة هنا هي انه لم يسمع مطلقا صوت أو موقف لمجلس النواب، أو مراكز الدراسات والبحوث رغم نشأتها الحديثة، أو حتى لرجال الخبرة والرأي يخالف، أو حتى يعدل بعضا من تلك القرارات، بل كان المحيطون بالقائد والمقربون منه حريصين دوما على ايهامه بأن لا قيمة ابدا لتلك الاراء، وكانوا يحاولون التاثير بدلا من ذلك على قراراته وتوجهاته بأساليب اخرى ترتكز بالاساس على استمالة عواطفه ومشاعره الشخصية، خصوصا في الايام الاخيرة من حكمه. وبقدوم بن علي صارت الامور محسومة بشكل نهائي، بل ذهب في اعتقاد الكثيرين انها سوف تستمر كذلك حتى يرث الله الارض ومن عليها. لقد ظل شعاره المفضل في الداخل والخارج هو الأمن مقابل الاستبداد، وهو ما كان يعني عمليا انه صار مطلوبا من التونسيين أن لا يحشروا انفسهم في الامور التي تعنيه هو وحده، والتي كان يطلق عليها أمنا قوميا، أو أمن دولة، ومن الطبيعي أن تكون في صدارتها كل المسائل ذات الصلة بالحرب، التي اختفت نهائيا من القاموس الشعبي التونسي ولم يعد لها من وجود رمزي إلا في نشرات الاخبار الدولية، أو في كتب التاريخ. لقد صنع ذلك اجيالا مهزوزة ضعيفة الشخصية وغير مستعدة ابدا لتحمل الضغوطات والاعباء، وخلف ايضا حالة من الاغتراب بين دولة تختار وتقرر بدون رقيب ولا حسيب، ورعايا يطلب منهم الالتزام والانصياع التام لمشيئتها. والامر اللافت هو أنه بعد مضي اربع سنوات على هروب بن علي، وما جرى خلالها من تحولات مهمة مست بشكل كبير صورة الدولة ومؤسساتها، فإن الطبقة السياسية على اختلاف اطيافها خرجت الخاسر الاكبر منها، فيما اظهرت نتائج سبر آراء قامت به الشهر الماضي شركة «سيغما كونسياي» واعلنت منذ ايام فقط أن اكثر من تسعين بالمئة من التونسيين المستجوبين أبدوا ثقتهم في المؤسسة العسكرية، وثمانين بالمئة منهم قالوا انهم يثقون بقوات الشرطة.
قد لا يعني ذلك شيئا في نظر البعض، لكن بقطع النظر عن صحة النسب والارقام فان هناك مؤشرات لا تخطأها العين على أن معظم التونسيين باتوا قلقين من انتشار الفوضى واحتمال حصول انفلات امني واسع داخل بلدهم. أما الاسباب والمبررات فعديدة، وعلى رأسها وجود حكومة ضعيفة لا تملك القدرة والارادة على البدء بالاصلاحات المستعجلة والصعبة، واشتداد النزال بين النقابات ورجال الاعمال، وتعطل عجلة الانتاج في اكثر مفاصل الاقتصاد اهمية وحساسية، يضاف إلى كل ذلك عنصر آخر وهو الغموض الذي يلـــف الوضع داخل الجارة الجنوبية ليبيا، وحتى حالة الترقب لما ستؤول اليه الامور في الجزائر بعد مرحلة بوتفليقة.
هذا التشابك والارتباط الشديد بين ما يدور وراء الحدود وما يجري داخل تونس، هو الذي يجعل اي تغيير في مواقع البعض يؤثر حتما وسريعا على الاخرين، في ما يشبه حركة حجر الدومينو. ولاجل ذلك فإن الاعلان الاخير عن سيطرة تنظيم الدولة على اجزاء واسعة من سرت دفع السلطات الجزائرية إلى تحريك اكثر من خمسين الف جندي على حدودها مع ليبيا، بحسب ما اعلنته عدة مصادر اخبارية، وجعل السلطات في تونس تتخوف من أن تكون الاضطرابات التي يشهدها الجنوب مدخلا لتنظيم الدولة لاختراق محتمل عبر الحدود. والإشكال هنا هو أن تلك المخاوف التي باتت تتكرر كلما حدثت مواجهات مع قوات الامن بالتزامن مع احداث أو تطورات في الجانب الليبي تجعل سكان الجنوب رهائن في قبضة الدولة. فهؤلاء هم الوحيدون الذين ينبغي عليهم ترك الاحتجاج جانبا والالتزام بحفظ الامن والنظام، خوفا من الغول المتربص وراء الحدود. لقد قال الوزير المكلف بالامن في تصريح لاذاعة موزاييك عشية اعلان حظر التجول في مدينة دوز الجنوبية بأن «الوضع هناك مقلق»، محذرا مما وصفه «اضعاف الجنوب ودخول الارهابيين المتربصين بتونس». وقال رئيس الحكومة في خطابه الاخير امام البرلمان بأن السلطات بصدد إنجاز حواجز مادية على امتداد عدة مئات من الكيلومترات من الحدود مع ليبيا، وحتى وزير الدفاع أكد من جانبه، وبحسب ما صرح به رئيس لجنة الامن والدفاع في البرلمان في اعقاب جلسة برلمانية من أن المؤسسة العسكرية وضعت خطة واستراتيجية للتحسب من احتمال تسرب بعض الجماعات الارهابية، أو تمدد الحرب إلى الحدود التونسية. لكن الاهم من ذلك يبقى ما جلبته الديمقراطية لخط الدفاع الاول عن البلد، اي اهل الجنوب. لم يرسل لا الرئيس ولا الحكومة حتى الان اي اشارة على أن تلك الاراضي التي كانت مناطق عسكرية مغلقة زمن الاستعمار لم تعد مهملة ومتروكة على الهامش. فما يزعج المركز هو اقتراب التنظيمات المقاتلة من الحدود اكثر من انسداد فرص الحياة امام الجنوبيين بوجه خاص. ويبقى هؤلاء في النهاية هم الضحايا المباشرون في حال اندلاع حرب، لا يعرف حتى الان متى وكيف ستندلع شرارتها الاولى وما الذي سيتغير بعدها داخل تونس، ثم ايضا قدرة التونسيين على الصمود فيها وتحقيق «التعبئة العامة» التي طالب بها الباجي من داخل مستشفى شارل نيكول يوم الاعلان الرسمي عن الحرب.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية