في تضاريس اللون وجغرافيا الرمز، تنهض لوحات الفنان التشكيلي المغربي محمد حستي، المُنجزة في تسعينيات القرن الماضي، كفضاء لا يخضع للحدود المألوفة للفن التشكيلي. فهي لا تُعرض بوصفها لوحات بالمعنى الكلاسيكي، بل كعالم مكتنز بالعلامات والدوال، يفتح الذاكرة على انبعاث الرموز لا لتزيين السطح، إنما لتأثيث الأعماق بما يتجاوز الحواس ويعانق طبقات الباطن. إنها مقطع من سيرة ثقافية مشروطة بالهوية، ومثقلة بقلق الانتماء، ومشدودة إلى الحفر في ذاكرة الجماعة، مع توق دائم نحو أفق إنساني أكثر رحابة. عند الفنان محمد حستي، تتحول التجربة إلى تفكير بصري، يُمارس عبر اللون والخطوط بدلاً من الكلمات. حيث يستدعي حستي المرجعية الأمازيغية لا كفولكلور منغلق، بل كذاكرة مضغوطة قابلة للانفتاح عبر التشكيل، تُستعاد لا لتُعرض فقط، إنما لتُفتح على التأويل المستمر. وهنا أشير إلى دراسة غادة مجدي محمد شافعي، حول الرمز الأمازيغي وأثره على الفن التشكيلي، بأن الرموز الأمازيغية في التشكيل تحمل فعل مقاومة النسيان وإعادة الاعتبار للهوية، وهو ما يتجلى بوضوح في مقاربة حستي، الذي يزاوج بين خامة الجوز المستخدمة، بما تمثله من صلابة الجذر وثقل الأرض، والألوان التي تمنح لوحاته شفافية الحلم وصفاء التأمل. فيتشكل العمل كخريطة وجدانية، معلّقة بين الكثافة والفراغ، ومؤسسة لمساحة بصرية بلا مركز، تُغري العين بالتيه الجميل، حيث كل تفصيل يتفتّح على احتمال جديد للفهم.

العلامات في لوحته ليست صامتة، فهي لغة بصرية لها إيقاعها الخاص. حروف تيفيناغ، شيفرات الوشم، أنماط النسيج، كلها تعود ككلمات منسية يعيد الفنان صياغتها لترى المتلقي ويشعر بها. وهذا أيضاً ما أكدته إحدى الدراسات للكاتب مرادي مسيكة حول دلالة الأشكال الهندسية والرموز النباتية في الفن الأمازيغي، التي كشفت كيف تتحول العلامات التقليدية إلى خزان دلالي يُستعاد ليولد معاني جديدة، حيث لكل خط أثر، ولكل لون دلالة، في كتابة بصرية تتلبس الفن وتمارس القول من خارج اللغة، مفتوحة على إمكانيات لا نهائية للقراءة والتأويل.
اللوحة هنا تتنفس كجسد حي، نابض بالتوتر بين الكتل اللونية ومسارات العلامة. لا كمركز يغلق الرؤية ولا تماثل يُرضي التوقع ؛ بل حركة دائمة، صعوداً وهبوطاً، تكاثفاً وانفتاحاً، كما لو أنها تُكتب لحظة بلحظة. العمودية فيها ليست بناءً شكلياً فقط، بل إحالة على علاقة الإنسان بما يتجاوز مادّيته: الأرض التي ينهض منها، والسماء التي ينكسر فيها. أما الألوان، فهي موقف وجودي قبل أن تكون جمالياً: بنيات ترابية غامقة تستحضر صمت الطين وصلابة الأصل، يقابلها إشراق الأصفر والأزرق والأخضر كأرتجافات ضوء داخل عتمة كثيفة، لتقيم في ما بينها صراعاً لا يُحسم، وتجعل اللوحة مرآة لتوتر داخلي بين ما كان وما ينبغي أن يكون.
التقنية ذاتها تتحول إلى خطاب صامت. فمسحوق الجوز ليس مجرد صباغ بل ذاكرة متجسدة، والألوان ليست مجرد سطح لوني، بل أثر حلم لا يحس إلا عبر التأمل. بهذا المعنى يغدو العمل الفني مرافعة ضد النسيان، استعادة حية لما يُراد طمسه. وهكذا، تُقرأ اللوحة بوصفها بياناً ثقافياً لا مجرد تعبير فردي، تحاور السلطة بعناد الصورة لا بالشعارات، وتعلن حضور الرموز الأمازيغية في قلب السرد البصري، مؤكدة أن للهوامش ذاكرة وللصمت لغة. وهو ما أورده بوسنة فضيلة وبوزار حبيبة في دراستيهما «الفن التشكيلي بين الرومانسية والاستعمار في المغرب العربي»، التي أبرزت كيف ظل التشكيل في المنطقة متوتراً في علاقته بالهيمنة، الأمر الذي يجعل من استعادة العلامة الأمازيغية فعلاً من أفعال الممانعة الجمالية والسياسية في آن واحد.
وإذا سلمنا بأن الفنان محمد حستي ليس وحده في هذا المسار؛ فقد عمل قبله بعض رفاقه الفنانين على هذا النمط، الذين جعلوا من الرمز والمواد الطبيعية سبيلاً للمقاومة البصرية. مثل فريد بلكاهية الذي أعاد الاعتبار للجلد والنحاس والحناء كمفردات تشكيلية تشيد هوية متجذرة، ومحمد القاسمي جعل من اللون طاقة وجودية مشبعة بالرمز والقلق، فيما أعاد الجزائري رشيد قريشي إحياء الخط والرموز الصوفية والأمازيغية في فضاءات طقوسية. وفي المشرق العربي، نجد ضياء العزاوي وهو يعيد صياغة الذاكرة الرافدينية، عبر كثافة اللون وحيوية الرمز، أو شاكر حسن آل سعيد في مشروعه البعد الواحد، حيث يتحول الخط إلى تفكيك وجودي، إلى جانب وجيه نحلة، الذي جعل من اندفاعاته اللونية الصوفية مسرحاً لارتجافات الضوء المشابهة في جوهرها لتجربة حستي.
وعالمياً، يطل بول كلي الذي ارتقى بالعلامة الشعبية إلى لغة تشكيلية حداثية، وكاندينسكي الذي أسس للتجريد الروحي، حيث اللون والخط ترجمان الصوت الداخلي، وجاكسون بولوك الذي فتح اللوحة على فضاء بلا مركز، تتحرك فيه الألوان والخطوط بلا نهاية.
بهذا المعنى والمقاربات، تنكشف تجربة محمد حستي كعلامة فارقة داخل التيار التشكيلي المغربي، إذ لا تكتفي ـ كما فعل كثير من الفنانين السابقين ـ بالاحتفاء بالشكل والزخرف، أو باستعادة الموروث كذاكرة بصرية جامدة، بل تنفتح على أفق آخر يجعل من اللوحة مجالاً للاشتباك مع المعنى والذاكرة معاً. إنه لا يكرر ما أنجزه رواد الحداثة التشكيلية في المغرب، الذين سعوا إلى تثبيت هوية بصرية محلية، مقابل التيارات الغربية، إنما يتجاوزهم إلى تحويل التجربة ذاتها إلى سؤال وجودي، حيث يجعل من الجمال بحثاً لا ينتهي، ومن الرمز فعلاً حياً، ومن اللون صوتاً ينطق باسم المهمَّشين لمصادَرة أصواتهم. هنا تتجلى فرادته: إذ يرتقي بالهوية الأمازيغية من مستوى التمثيل الزخرفي إلى مستوى المداخلة الرمزية في الثقافة والسياسة، فيضعها ضمن مشروع حداثي لا ينغلق على الخصوصية من ناحية، وينفتح على الكوني من ناحية أخرى. وهو يؤكد أن الفن، حين يتحد فيه البصر بالوعي والإدراك، لا يكتفي بإعادة إنتاج صور مألوفة، بل يعيد رسم خرائط الوجود ذاته، ويضع المتلقي أمام سؤال: كيف يمكن للوحة أن تصبح فعل حياة ومقاومة في آن واحد.

كاتب من ليبيا