مع أن مؤلف الرواية نفسه الراوي التونسي حكيم بن رمضان قد رسم الخط العام لروايته وعن بطلها، بالغوص عميقا مستعينا بتجربته الأكاديمية، كما يبدو كاخصائي نفساني وباحث في علم النفس السريري في باريس، فبان بوضوح محور تناقضات، أو قل إشكالات المثقف الثوري العربي بقوله عن بطل الرواية إنه ينتمي، أي حيدر قنديل، إلى هذا الجيل الذي طلق السياسة بعد زهد في الناس، رغم محبته لهم، واعتزل النساء وعاشر وحدته، – ويضيف – أن حيدر قنديل كفر بالكلمات وقد كان مولعا بالأشعار، فترى ماذا تبقى له من حياة كمثقف ووطني وعاشق وشاعر؟ هل أعاد البطل صياغة البديل في مسارات الفلسفة؟ أم أن الثورة التونسية، كما قال المؤلف، قد وضعت بطل الرواية «حيدر» كالجميع في مواجهة خيار حتمي ما بين حب النفس وحب الوطن، فكانت تفاصيل أحداث ووقائع الرواية في قالبها الذي يمكن وصفه بعوالم فلسفة الثوارالمثقفين وورطة الأوطان.
رواية «بائع الهوى» لمؤلفها حكيم بن رمضان، التي صدرت طبعتها الأولى عن دار الفارابي البيروتية في ٣٢٦ صفحه من القطع المتوسط، تعتبر قراءة وتحليلا وتاريخا مختلفة علما وسردا. فبطل الرواية بشخصيته وصراعات الواقع تشرح لماذا يتسع الرتق هنا وهناك أمام المثقف المبدئي وما حوله، وكذا حال «قنديل» بطل الرواية على لسان قلم المؤلف فهو ـ حيدر قنديل ـ من يحسب في النزل مغفلا لأنه يتحدث إلى السياح عن التاريخ ولا يسلبهم أموالهم، وفي المقهى يقال عنه إنه مجنون لأنه يلعب الشطرنج منفردا، وفي الحانة يخالونه عربيدا، لأنه يشرب من فم القارورة ولا يسكر، وفي الحي يظنونه فقيرا وفي الكازينو يظنونه ثريا، في أسرته يشكون بأن به شذوذا وتراه ماريا حنونا بينما ترى فيه غزوه حبيبته كل القسوة.
السنوات العجاف وهجرة البلابل
صحيح أن رواية «بائع الهوى» تسرد مجريات ومتخيلات بقعة جغرافية بعينها وهي تونس إبان ثورتها، أو قل ربيعها، ولكن شخوص الرواية ومشاهدها ومنذ مفتتحها الأول تغوص عميقا وتتسع جغرافيتها، فعند السطر الأول تتجسد ظلال مشهد عربي عام «الحي ملاذ الشعراء إنه مأوى اؤلئك الذين لم يعد لهم إلا الحكايا، وقوتهم الصبر اليومي وبعض الابتسامات التي تدفن خلفها الألم، خلال سنوات عجاف صار الحي حديقة من دون بنفسج ولا ينبت الزهر فيها ولا حتي شقائق النعمان، وهجرتها البلابل»… اختر ما تود من عواصم العرب وقت كتابة الرواية، أو موعد نشرها أو حتي راهن اليوم لتتشكل لديك المشاهد والشواهد ذاتها.. بل حتى في علاقات الزواج يبرز هاجس الشك والمخاوف كما يجيء على لسان بطوطة وهو يستجيب لطلب شادي وهو في قمة نشوته تنتابه المخاوف من شريكته عندما يعود فيطلب من بطوطة «قص علينا يا بطوطة رواية للحب أعيدها على مسامع زوجتي. أعلم أنها ستذهب عني نشوتي بلومها لتأخري».. وهنا يبرز مكنون الحب العربي المرتعد… قنديل وهو يقول معرفا الفنان الذي يرفض أن يكونه «الفنان هو ذاك الذي ماله من ثمن، إنه الاستثناءالذي يؤكد القاعدة».
الطغاة وغربة الأوطان
عندما يزج بقنديل إلى سجن الطغمة الحاكمة في تونس والثورة وقتها مشتعلة ويركل إلى زنزانة تشابه غربته يحادث نفسه طارحا لها، أي نفسه وعليها أيضا الفلسفة ذاتها»، عندما يكون في منزله ينتابه بغتة إحساس بأنه في إقامة جبرية لجرم اقترفه ونسيه» ليصعد بالتعبير الفلسفي إلى منتهاه ولا منتهى في التعبير عما يخص الوطن»، ليست الغربة رحيلا عن الوطن، إنما أعظم غربة أن يرحل الوطن».
كل شخوص الرواية يعبرون عن رؤية مختلفة ومغايرة لما هو سائد في المجتمعات العربية قبل وبعد ربيعها، بل حتي إبليس الموسوم في الرواية بالطاؤوس يتضع فلسفته بين قول وآخر، وهو ينصب الفخاخ لحيدر قنديل الفاجر المحب المكتشف أن ذاته تضم في عمقها البعيد إيمان توبة قادمة غير أن ابليس يقول «عجبت لطينة البشر يحبون إلها ويعصونه، ويبغضونني ويطيعوني.. أي ملة هذه؟». وهناك الفاتنة الروسية ماريا رومانوف بكل ما يحيطها من شهوة المغامرة والخضوع حينا لمن كسبها حبيبة عبر لعب القمار، وهي نفسها تعبر عن حياتها في جمل فلسفية بليغة، كما يتجلي ميهلوف فيدوفسكي الروسي غريب الأطوار الذي يشعل روح المغامرة والمقامرة أيضا في روح بطل الرواية حيدر قنديل على أمل الفوز بالحسناء ماريا.. لتنتهي القصة بجريمة ما بين القتل والانتحار.
الرواية تشرع الأسئلة في كل الاتجاهات وإن كانت تخرج على لسان أبطالها مزيجا من الموقف الفكري والموقف السياسي، ولكنه محتشد في الوقت نفسه بروية فلسفية تعبر عن صاحبها وتخرج على لسانه لتشرح الموقف من الكل من رؤية الفرد، وهنا أحيلك إلى البطل الرئيس للرواية حيدر قنديل العالقة روحه في دنيا الشعر وفكر عقله مع رفض الظلم وديكتاتورية (المعلم) كما يسميها بينما قلبه قلب عاشق يشتاق إلى حب جديد كل موسم، إن لم يكن كل ما ابتسم القدر، فبطل الرواية نفسه وبكل تلك المكونات يأتي تعبيره عن المجريات في عبارات فلسفية عميقة جدا. ومع كل تلك الاسئلة وحالة اللاإجابة يومئ المؤلف حكيم بن رمضان بإشارة ذكية في صفحة الغلاف الأخيرة بقوله عن نفسه كمؤلف لرواية «بائع الهوى» بأنه لا يحمل مشروع استيراد طروحات غربية ينوي تسويقها، وإنما يطمح إلى المشاركة في ترميم الذاكرة العربية.
كاتب سوداني
أنور عوض