«قانون قيصر»: بين إلغاء نهائي بيد ترامب واحتمال إعادته بعد مراجعات ترفع للكونغرس

جانبلات شكاي
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي»: رأى الباحث الاقتصادي السوري، محمد علبي، أن مسألة العقوبات الأمريكية على سوريا خصوصا «قانون قيصر» ستكون مرهونة بالمراجعة التي ستقدمها السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة إلى الكونغرس بخصوص التزام دمشق بمسائل تتعلق بالتعاون في محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» وحماية الأقليات والمقاتلين الأجانب، في حين اعتبر السياسي والكاتب وائل مرزا أن موضوع العقوبات هو كلياً بيد الرئيس دونالد ترامب، مضيفا: «نحن في فترة فيها كونغرس يسيطر الجمهوريون على مجلسيه، وهو يكاد يكون أضعف كونغرس، في تاريخ أمريكا، لأنه مستسلم بالكامل للرئيس».

إلغاء الشيوخ للقانون

وألغى مجلس الشيوخ الأمريكي، «قانون قيصر» المفروض على سوريا منذ عام 2019، في التاسع من الجاري، وسط ترحيب من دمشق. وجاء الإلغاء كبند ضمن النسخة الجديدة من قانون ميزانية الدفاع السنوي، بعد التصويت بأغلبية كبيرة بلغت 77 صوتًا مقابل 20.
وينص التعديل المضاف إلى قانون الدفاع على إلغاء العقوبات المنصوص عليها في «قانون قيصر» بشكل غير مشروط، على أن تقدم الإدارة الأمريكية تقريرًا إلى الكونغرس خلال عام لتقييم مدى التزام الحكومة السورية بمعايير إنسانية وسياسية محددة، دون أن تكون هذه المعايير ملزمة أو شرطًا لإعادة فرض العقوبات.
ورغم أهمية التصويت في مجلس الشيوخ آنذاك، إلا أن الإجراء لا يعني دخول الإلغاء حيز التنفيذ بعد. إذ يجب أن تُدمج نسخة مجلس الشيوخ مع النسخة الخاصة بمجلس النواب ضمن لجنة التوفيق المشتركة، قبل إحالتها إلى الرئيس الأمريكي للتوقيع عليها وجعلها قانونًا نافذًا.
وقال علبي لـ«القدس العربي» إن مجلس الشيوخ أقر قانون الدفاع السنوي متضمّناً تعديلاتٍ جديدة على «قانون قيصر» لا تلغي العقوبات فعلياً، بل تعيد هيكلتها ضمن إطار رقابة مشروط، مشيراً إلى أن التعديل الذي أُدرج في القانون ينصّ على أن السلطة التنفيذية الأمريكية ستكون ملزمة برفع تقرير إلى الكونغرس حول مدى التزام الحكومة السورية بعدد من المعايير السياسية والأمنية المحدّدة، تشمل: التعاون في محاربة داعش، وحماية الأقليات، والتوقف عن دعم الجماعات المصنّفة إرهابية، وسحب المقاتلين الأجانب من مؤسسات الدولة، والالتزام بسلوك إقليمي سلمي (خصوصاً تجاه إسرائيل) وإجراء تحقيقات ذات صدقية في الانتهاكات التي وقعت بعد كانون الأول/ديسمبر 2024.
ووفق المتحدث، في حال فشلت السلطة التنفيذية الأمريكية في تأكيد التزام دمشق بهذه الشروط لمرتين متتاليتين «تُفعَّل العقوبات تلقائياً مجدداً» فيما يُعرف بآلية «العودة التلقائية» وهذا يجعل خطر عودة العقوبات مرتبطاً بالمراجعة ويجعل المخاطر الاقتصادية والمالية على المستثمرين والمؤسسات المالية عالية جداً، وبهذا المعنى، لم يُلغَ «قانون قيصر» بل تحوّل إلى «نظام رقابة طويلة الأمد» يمنح الكونغرس سلطة دائمة في مراقبة السلوك السوري والتحكم بإيقاع الانفتاح عليه.

خيار بقاء

ورأى أن استمرار الأطر التقييدية الأمريكية ولو بصيغ أكثر مرونة، سينعكس على الواقع المعيشي، لأنه يعني إطالة أمد الركود وإبقاء الاقتصاد في حالة نصف تجميد، وستبقى العملة المحلية ضعيفة أمام الدولار، والاستثمار الخارجي شبه غائب، فيما تتقلص قدرة الدولة على تمويل الخدمات والرواتب وتحديث البنية الإنتاجية، وفي هذه الحالة ستكون السلطات السورية، مضطرة إلى «الاعتماد على الاقتصاد الداخلي المغلق» وعلى الدعم الروسي المحدود، وعلى صيغ مقايضة لا تتجاوز حدود البقاء، ما يجعل المشهد الاقتصادي أقرب إلى إدارة أزمةٍ طويلة الأمد لا إلى خطة تعافٍ حقيقية.
وقال علبي، وهو عضو في التحالف السوري الديمقراطي، إنّ كل مذكرات التفاهم واللقاءات الاستثمارية التي تُعقد حالياً ستبقى بلا أثر ملموس، ما دام خطر التعرض للعقوبات قائماً، فلا الشركات الغربية ولا المؤسسات المالية الدولية قادرة على المخاطرة، إذ إنّ أي تقريرٍ سلبي يصدر عن الكونغرس قد يعيد تفعيل القيود فوراً.
وأوضح أن الاستثناء الوحيد هو روسيا، التي تتحرك بحساباتٍ مختلفة وتستثمر في هذا الفراغ، ومن هنا، يُفهم سعي السلطات السورية المطرد نحو توطيد العلاقات مع روسيا، فهو لا يأتي من منطلق حب في التنويع، أو البرغماتية، أو تلافي مخاطر التدخلات الروسية فقط، بل من خلفية قناعة بأن إلغاء «قانون قيصر» والعقوبات بصورتها الكبيرة عموماً، ليس أمراً مضموناً وهو قابل للانتكاس والاتجاه بشكل معاكس تماماً في أي لحظة.

علبي: الأمر مرهون بالتزام دمشق بعدة قضايا… مرزا: خاضع لترتيبات إقليمية

واعتبر أن إرسال موسكو شحنة ضخمة من النفط والمكثفات إلى مرفأ بانياس مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، صدفةً، بل يعكس محاولة إيجاد عمقٍ استراتيجي، خصوصاً في ظل إمكانيات استمرار العقوبات والعزلة المالية، مشيرا إلى أنّ هذه الشراكات، رغم أهميتها التكتيكية، تبقى محدودة التأثير ولا تعوّض انقطاع التمويل الغربي أو العزلة المصرفية، ما يجعلها خيارَ بقاءٍ لا خيارَ نمو.
في المقابل، أكد السياسي والكاتب وائل مرزا لـ«القدس العربي» أن النظام الدولي، السياسي والأمني والاقتصادي، لا يستطيع التعامل مع الوضع السوري على طريقة ترتيبات المدى القصير بأي درجة من الدرجات، ولهذا، فإن أي اعتقاد بإمكانية رفع العقوبات حالياً، وبشكل يمكن أن يؤدي إلى عودتها المفاجئة لأي سبب، لا ينسجم إطلاقاً مع قواعد ومتطلبات التفكير الاستراتيجي المتعلق بالمنطقة، وخاصةً أمريكياً.
واعتبر أن رفع العقوبات مُرتبط، أولاً وآخراً، بحدوث ترتيبات إقليمية واسعة النطاق، سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية، مُعقّدَة، ويجري العمل على الوصول إلى اتفاق عليها من أطراف كثيرة، رغم التحديات المتعلقة بتضارب المصالح والأهداف الاستراتيجية والتكتيكية لتلك الأطراف، وإذا أخذنا اتفاق غزة الذي حصل منذ فترة قريبة، ومتعلقاته الإقليمية بعين الاعتبار، فإن هذه الترتيبات لا تزال تحتاج لبعض الوقت، الذي قد يمتد إلى نهاية هذا العام، وهذا هو السبب الوحيد لأي تأخير.
وتابع، كما حصل سابقاً، سيُعطى هذا الوقت لمجلس النواب، بحيث يمارس بعض أعضائه «حرتقات» سياسية وإعلامية خلال الأسابيع المقبلة، وكأن العقوبات على بلد هامشي مثل سوريا أمرٌ يهمهم جداً، بينما هم، في الحقيقة، يقايضون به على عشرات المطالب المحلية الأخرى التي تهمّ ناخبيهم، كلٌ في ولايته أو منطقته الانتخابية، لأن إلغاء العقوبات دائماً ما يأتي ضمن حزمةٍ تشريعيةٍ واسعة تضم مئات البنود، ومعظمها داخليٌّ ومحليّ.
وأكد أنه لو كان هناك أي رئيس لأمريكا غير دونالد ترامب لما تحدثنا عن رفع العقوبات جدياً لمدة 5 ـ 10 سنوات مقبلة، مشيرا إلى أننا نحن في فترة فيها كونغرس يسيطر الجمهوريون على مجلسيه، وهو يكاد يكون أضعف كونغرس، أيضاً، في تاريخ أمريكا، لأنه مستسلم بالكامل للرئيس ترامب، والديمقراطيون ليست لديهم مشكلة في الموضوع أصلاً.

بيد ترامب

وشدد على أن موضوع العقوبات هو في النهاية كلياً بيد الرئيس ترامب، والمعروف تماماً أن مكونات طبيعته الشخصية، ومداخل صناعة القرار لديه، أنه يُحب التعاون والتنسيق مع القادة الأقوياء في العالم وينصت إليهم، وفي مقدمتهم، في منطقتنا، الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، فضلاً عن الأهمية الاستراتيجية، الاستثنائية، لهؤلاء القادة بالنسبة لأمريكا، والذين هم أكثر الناس إصراراً على رفع العقوبات.
وأشار مرزا إلى أن التلويح والتلميح المتكرر، لدرجة الملل من قبل البعض، عن ربط رفع العقوبات بمسائل المشاركة والتعددية ليس له علاقة بالواقع السوري والعالمي من قريبٍ أو بعيد، فالقوى العالمية تُدرك استحالة حصول ذلك في الوضع السوري حالياً على الطريقة السويسرية، ولا توجد جهة، مؤثرة بشكل حقيقي، في العالم تحدثت أصلاً عن «الديمقراطية» في سوريا منذ يوم التحرير، وهذه القوى تطالب بحد أدنى معقول من المشاركة والحريات، هو تماماً المتوفر حالياً.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية