عندما نتلقى بعض الروايات التي تستلهم التاريخ أو تجعله محور حدثها، فإن ثقافتنا التاريخية تتدخل لتجعلنا طرفا في مجريات الحدث، ومن ثمة إعادة إنتاجه تبعا لما نراه مس يقيننا التاريخي، وهو ما لا يعيب العمل بقدر ما يفتح فيه زوايا أخرى للنقاش، ما كنا لنصل إليها لولا المعنى الذي أتاحه لنا.
الرواية وفهم التاريخ تخييلا:
الرواية التاريخية تتيح لنا إمكانية فهم التاريخ، أو إعادة فهمه انطلاقا من مستوى التخييل، وعند هذا المرتكز على المتلقي أن يعي جيدا بأنه أمام عمل تخييلي بالأساس، وهو ما جعل في يوم ما نجيب محفوظ يغضب من لويس عوض، لأنه تحامل عليه في قراءة أحد أجزاء الثلاثية، الذي يتعرض فيه لثورة 1919، وكان رد نجيب محفوظ، أنه استعمل تلك الثورة كإطار تاريخي تنبني داخله الأحداث التخييلية. يمكن أن توفر الرواية أو القصة عنصر «فهم التفكير»، أي كيف يفكر المؤلف في الحدث التاريخي داخل الحدث التخييلي؟ ومنه يستطيع القارئ انطلاقا من قرائن دالة تأسيس احتمالات ممكنة تفسر ما يمكن تسميته بـ»الحدث الجدلي التاريخي»، وهو ما اضطلعت به تأويلية بول ريكور، ويتجلى ذلك في مقولته الأساس: «فسّر أكثر تفهم أحسن» «التي فتحت له أفقا جديدا نحو صياغة أسس نظرية تأويلية»، كما يقول محمد الديهاجي. أتاحت لي مؤخرا قراءة المجموعة القصصية «ياسمينة» لإيزابيل ايبرهارد و»إيزابيل ايبرهارد وابا سيدي لفقيه» لمحمد بصري، مواجهة هذه الكاتبة الإشكالية التي فجرت الكثير من الأسئلة حول حقيقتها وحقيقة كتاباتها، إذ اعتبرها فصيل من الباحثين جاسوسة بسبب علاقاتها بالجنرال ليوتي، وآخرون اعتبروها كاتبة عشقت الصحراء فكتبت عنها وماتت بها غرقا.
وأؤكد هنا على أن هذه الأسئلة على الأقل من منظوري لا تنحو صوب «المؤامرة» باعتبار الكاتبة أسلمت، فهي من هذه الناحية، لا مقابلة لدي بين عقيدتها التي بينها وبين خالقها ورؤيتها للحياة التي تتجلى من خلال كتاباتها وما يمكن تأويله فيها. إن أهمية أي عمل إبداعي تاريخي تكمن في رؤية الكاتب ذاته للإشكال المطروح في مسارات بحثية معينة، ومن ذلك أن الباحث إنما يقع على جمل سردية تمثل بالنسبة له قرينة على ما يمكن أن يحتمله تصوره لحقيقة الموضوع المبحوث فيه، دون جزم بأن ما يقوله هو الحقيقة النهائية، فالرواية التاريخية من هذا المنظور ليست وثيقة تقطع الشك باليقين، وإنما هي عمل إبداعي أنتجه الخيال، لكن بعض الدلالات قد تنكشف من خلال تقاطع بعض الموضوعات التي تؤرق القارئ/ الناقد/ الباحث، فيتخذ منها قرائن تدل على احتمالات ممكنة، كما في قصتي ايزابيل ايبرهارد «ياسمينة» و»نوار اللوز» وتناولهما للمرأة «الجزائرية» في حالات الانحراف.
تعدد روايات التاريخ مَكْمَن منطقة التخييل:
إن مفهوم «الرواية التاريخية» قد يتجلى من حقلي الدلالة اللذين يشكلان جملة المعنى، فالرواية هي عمل تخييلي يتكئ على بعض أحداث الواقع، لكن في انحياز كامل للخيال، والتحويل من الواقع إلى الخيال يتم عبر وسيط الفن. أما التاريخ فهو الحدث الواقعي الماضوي. لقاء الرواية مع التاريخ يقع عند نقطة «رواية»، فللتاريخ أيضا روايته، وتتعدد الروايات بالنسبة للحدث الواقعي الواحد، حسب منظورات كل ناقل للتاريخ وزاوية رؤيته وقناعاته الأيديولوجية، تعدد الروايات ـ في رأيي ـ هو المنطقة التي يشتغل عليها الروائي بتثويرها، كما فعل بن سالم حميش في رواية «العلامة» بابتكاره شخوصا خيالية في حياة ابن خلدون، كخادمه «شعبان» وكاتبه «حمو الحيحي» وزوجه «أم البنين»، لكن داخل الإطار التاريخي الذي عاش فيه ابن خلدون.
تعتبر الحادثة التاريخية واحدة في سياق وقوعها المحدد بفترة وزمن ومكان معينين، ثم تتوالى الأحداث ويصبح النظر إليها خاضعا لما يقرره كل باحث من عناصر تستهويه فيها، وقد يتحول الباحث المؤرخ ذاته في لحظة إلى مبدع، حين تنعدم الوثائق، أو يصيبها شيء من التلف، فيلجأ إلى الخيال ليكمل الحدث انطلاقا مما توفره له رؤيته، التي تشكلت من خلال متابعته وبحثه في حدث تاريخي بعينه. يتحدد مسار الروائي وهو يقف على مشارف التاريخ بذلك الانجذاب إلى لحظة بعينها يزكيها فيه خيال الحكاية، فالروائي شخص لديه ما يرويه، وفي رواياته التاريخية وهج ما تنفتح عليه المخيلة الخصبة، القابلة للتفتح أكثر فأكثر عند كل تفصيل قابل في وجدانه وخياله للانفتاح على مزيد من التلاقحات الخيالية، وبتلك الإضافات يخرج الحدث التاريخي في عرف الروائي من قيد الوثيقة إلى حرية الخيال، وكلما تعددت زوايا نظر المؤرخين واختلفت بالنسبة للحادثة الواحدة ازدادت فرص الروائي في الخروج بالتاريخ إلى فضاءات الأدب.
التاريخ والرواية كمنتوج مجتمعي:
لا تلمس الرواية شكلها إلا إذا تأطرت بالخيال، ولا يمكن لها أن تستمر إلا إذا استمر الخيال في كينونتها، فهو أصيل في بنية الرواية، باعتباره «قوة سحرية تركيبية»، وهو «القوة الموحدة المركبة» كما يقول كوليريدج، ولأن الرواية «خطاب ينتجه المجتمع»، حسب محمد برادة، فهي تنبثق من مخيال اجتماعي تتضافر فيه عوامل السوسيولوجيا والسيكولوجيا والتاريخ والعرف والتقاليد والموروث، لا كوحدات كمونية قارة ومؤطرة، ولكن كوعي قابل للاندراج في فضاء التخييل، ومن هنا فالرواية لا تكتب الموضوعة، إنما تحيل الموضوعة إلى الخيال عبر وسيط الفن، فالتاريخ لا يحضر في الرواية كحدث وقائعي، بل ينصهر داخل فضائها كمتخيل يستفز التاريخ الوقائعي، ويعيد ترتيبه وفق متواليات «القوة السحرية التركيبية». إذا تخففت الرواية من إرث الخيال والتخييل خرجت عن نطاق كونها سردا روائيا، لأنها بعناصرها الجوهرية (المكان، الزمان والشخوص) تمثل التوازي مع عالم الواقع الذي تستمد منه مادتها، فتتحول رافدا موضوعيا وتخييليا له، على أساس أن وعي الحكاية هو وعي الواقع وتحولات السيرورة والمسارات المختلفة للمجتمع، فأن يكون الإنسان روائيا، معناه أن يتحدد بمعايير التحول البنيوي في وعي التخييل، أي أنه يصبح مقتدرا فنيا على جعل عالم الورق عالما ينبض بالحركة، البناء والهدم.
إن ما يمكن أن يُبحث في سياقات التاريخ كإعادة كتابة، أي إعادة كتابة التاريخ، ما هو سوى محاولة لإعادة تثبيت الوعي بالتاريخ في راهنه، ونقد معالمه التي يمكن أن تتحين وفق ما تمليه الشكلية والرسمية، أي تكمن عملية إعادة الكتابة في استدعاء التاريخ الرسمي المكتوب والمقروء وترميم فجواته، ونقد بعض معطياته التي تكرست ثابتا، والرواية باعتبارها «خطاب ينتجه المجتمع»، تتأسس ضمن هذه النمذجة، التي تحاول امتصاص معطيات الواقع الاجتماعية والتاريخية، وإعادة إنتاجها وفق محددات الفن والمتخيل، وبالتالي يمكن أن تساهم الرواية في إمداد المؤرخ بالجسر الواصل بين العقل التاريخي المجرد، وعملية الربط بين الأحداث التي غفلها التأريخ، أو سقطت من وعي التوثيق أو داخلها التلاعب في تركيب حدثيتها.
التاريخ من التسطيح إلى الدراما:
الرواية والتاريخ سؤالان ممتلئان بالغواية والمنعرجات، التي لا تحيل سوى إلى الاختلاف، باعتبار أن هامش الرواية كسرد متخيل يختلف عن هامش التاريخ كسرد وقائعي، وهذا ما جعل الشاعر البولندي يان كوت يفرق بين عالم المؤرخ بلو تارك المسطح، «والأبطال والتاريخ عنده موجودون جنبا إلى جنب، أما عند شكسبير فإن التاريخ نفسه هو الدراما»، إذن، ما يحرك الرواية التاريخية هو الدراما، أي التخييل الذي يَنفخ في الوقائع التاريخية روح الحركة والصراع، ومن هنا يمكن أن نتساءل حول تاريخية رواية «اسم الوردة» لأمبيرتو إيكو، الذي لم يكتب التاريخ بقدر ما حاول أن يهدم نسقا نمطيا في التاريخ الرسمي، وترميم فجواته انطلاقا من قناعته النقدية في ملء الفراغات البيضاء، وواسيني الأعرج في «الأمير»، بعيدا عن الاتفاق أو الاختلاف مع رؤيته في الرواية، لم يكتب التاريخ بقدر ما حاول أن يروي حركته في ثنايا التاريخ، أي الوقوف في إحداثيات الأمير وهو ينسج ملحمته، ما يمنح الروائي قدرة على استشفاف معتم الأحداث الواقعية، وهو ما يمكن أن يساهم تخييليا في رفد عملية إعادة كتابة التاريخ، ونستطيع القول إن الرواية يمكن أن تساهم في إعادة كتابة التاريخ عن طريق زحزحة الرسمي وتفجير هامش المسكوت عنه، من خلال الترسيم التخييلي للأحداث الواقعية.
كاتب جزائري