نواكشوط –«القدس العربي»: يشهد الشارع الموريتاني هذه الأيام تفاعلاً واسعاً مع تقرير محكمة الحسابات الأخير، الذي كشف عن تجاوزات مالية وإدارية في عدد من القطاعات الحكومية، وفتح الباب مجدداً أمام النقاش حول جدية الحرب على الفساد في البلاد، ومآلات المسار القضائي الذي بدأ يتشكل بعد إعلان النيابة العامة لدى المحكمة العليا عن مباشرتها للإجراءات القانونية الخاصة بهذا الملف.
وفي خطوة لاقت ترحيبا واسعا، أحالت النيابة العامة لائحة المشمولين في ملف تقرير محكمة الحسابات إلى شرطة الجرائم الاقتصادية، وأمرت بفتح تحقيق شامل مع المشتبه بهم وموافاة النيابة بالنتائج في أقرب الآجال.
وتضمّ اللائحة 30 شخصية، من بينهم مسؤولون وزراء سابقون وإداريون ومسيرون ماليون، كانت محكمة الحسابات قد أحالت أسماءهم إلى الحكومة بعد ثبوت تجاوزات في تسيير المال العام أدت لنهب وضياع ما مجموعه 410 مليار أوقية موريتانية.
وأكد المدعي العام محمد الأمين محمد الأمين، في بيان رسمي، أن النيابة «توصلت بالتقرير الصادر عن محكمة الحسابات وستستعمل مضمونه لمباشرة المتابعات القضائية ضد كل من تُسند إليه أفعال تشكل اختلاساً أو تبديداً للمال العام».
وأضاف البيان «أن جميع الإجراءات ستتم وفق القانون، بما يضمن احترام مسار العدالة وترسيخ مبدأ المساءلة».
وبالتوازي مع الحراك القضائي، أعلنت أحزاب المعارضة، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، عن سلسلة وقفات احتجاجية ستُنظَّم ابتداء من الثلاثاء في العاصمة نواكشوط وفي عواصم الولايات الداخلية.
وأوضح النائب أحمد ولد امباله «أن الحزب قرر تنظيم 13 وقفة متزامنة للتنديد بما وصفه بـ «حجم الفساد الذي كشفه تقرير محكمة الحسابات، وتردي الخدمات الأساسية في البلاد».
وأشار ولد امباله إلى أن «هذه الوقفات ستكون تمهيداً لـمهرجان جماهيري حاشد منتصف نوفمبر المقبل، للمطالبة بمحاسبة المتورطين في الفساد ولوقف التسيّب الإداري»، معتبراً أن «السكوت على الفساد صار تواطؤاً صريحاً ضد مصالح الشعب».
وفي موازاة تصعيد المعارضة، نظّم عدد من منظمات المجتمع المدني والناشطين فيها يوماً توعوياً مفتوحاً تحت شعار «الفساد ليس خصماً ضعيفاً.. فلنحاربه معاً»، تأكيداً على دعمهم للإجراءات الأخيرة المتخذة ضد المفسدين.
وجاءت الفعالية التي حضرها خبراء ووزراء سابقون وبرلمانيون وحقوقيون وإعلاميون، استكمالاً لجهود المجموعة الموقّعة على «التعهد الشخصي لمحاربة الفساد».
وقدّم الوزير السابق والخبير الإحصائي الدولي إسلم ولد محمد، مداخلة حول أدوات محاربة الفساد وأهمية إصلاح الإدارة وتفعيل الرقابة البرلمانية، فيما تناول وزير المالية والاقتصاد السابق محمد العابد التأثير المدمر للفساد على التنمية والموارد العامة.
واختتمت الجلسات بإعلان تشكيل لجنة من 11 عضواً مكلفة بإعداد تصور لتأسيس «حلف وطني واسع لمحاربة الفساد»، في خطوة تهدف إلى تحويل المبادرات الفردية إلى قوة ضغط منظمة.
وفي ختام الأنشطة، أصدرت نحو خمسين منظمة موريتانية غير حكومية بياناً ثمّنت فيه «الإجراءات الجريئة التي اتخذتها السلطات استناداً إلى تقرير محكمة الحسابات»، وعبّرت عن دعمها الكامل لـ «عزم رئيس الجمهورية على مواجهة الفساد بشجاعة وجدية».
ودعت المنظمات إلى تعزيز قدرات محكمة الحسابات وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة لها، وإلى وضع معايير صارمة للتعيين في المناصب العليا لضمان تولي الأكفأ والأكثر نزاهة.
ورغم هذه الخطوات، يظل الشك قائماً لدى بعض المراقبين؛ فقد كتب المدون الموريتاني النشط محمد أحمد غالي في منشور لاقى انتشاراً واسعاً أن ما يحدث ليس محاربة فساد بقدر ما هو «إدارة فساد بذكاء مريض»، مضيفاً أنّ «المسرحية القديمة تتجدد كلما صدر تقرير جديد لمحكمة الحسابات».
وأضاف أن «الفساد لا يُحارب بالبيانات ولا بتقديم أكباش فداء، بل بإرادة سياسية تحاسب من فوق لا من تحت، وبمساءلة حقيقية لا موسمية».
ويبقى تقرير محكمة الحسابات نقطة تحول في الخطاب الرسمي والشعبي الموريتاني حول الشفافية، لكنه في الوقت نفسه يعتبر اختباراً لمدى صدق الإرادة السياسية في اقتلاع جذور الفساد، لا الاكتفاء بقطع فروعه.
وبين التحركات القضائية والمظاهرات السياسية والندوات المدنية، يبدو أن موريتانيا دخلت مرحلة جديدة من الوعي الرقابي والمساءلة الشعبية، غير أن الشارع ينتظر الأفعال قبل الأقوال.