«ألف مرّة.. ليلة سعيدة» للنرويجي إيريك بوب: يجب على شخص ما التقاط صورة ما يحدث!

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: أصدر مجلس الأمن يوم 27 نيسان/إبريل 2015 قراره التاريخي بحماية الصحافيين في أماكن النزاع, الذي أشار كذلك إلى ضرورة الحد من سياسة الإفلات من العقاب التي تنتهجها حكومات وجماعات مسلحة عدّة منذ زمن طويل تجاه جرائمهم بحق الصحافيين والمصوّرين والمدافعين عن حقوق الإنسان والحق بالتعبير.
اتخذ هذا القرار بحضور السيدة مارينا بيرل زوجة الصحافي الأمريكي دانيال بيرل الذي اختطف في باكستان عام 2001 من قبل تنظيم «القاعدة», يومها نظّمت زوجته بالتعاون مع السلطات الأمريكية حملة واسعة وكانت حاملاً في شهرها الأخير. عمليّة إعدام بيرل كانت من أوائل عمليات القتل التي تصوّرها الجماعات المُسلّحة بالفيديو. بعد سنوات قليلة (2007) تمّ تحويل كتاب «مارينا بيرل» عن قضية زوجها إلى فيلم «القلب الرحيم» بتوقيع المخرج مايكل وينتربوم وبطولة أنجلينا جولي بدور زوجة بيرل.

المرأة.. الصحافيّة:

«القلب الرحيم», «ليلة طيبة وحظّاً سعيداً», «أزهار هاريسون» وغيرها الكثير أنتجته هوليوود عرضاً لقضيّة الصحافيين والثمن الباهظ الذي يدفعونه في نضالهم من أجل عالمٍ أفضل, لكن في «أزهار هاريسون» عام (2000) كما في «القلب الرحيم» نحن مع صوت الزوجة الذي يروي الحكاية, مع عاطفتها وخوفها ونضالها هي في الحقيقة, وهو على أهميّته لا يعوّض ضعف حضور صوت الصحافي, بل يأخذ القضية إلى شطآنٍ أخرى.
من هنا أتّى تميّز فيلم الممثلة الفرنسية جولييت بينوش المعنون «ألف مرّة, ليلة سعيدة» 2013, الحائز جائزة «لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان مونتريال» السينمائي 2014, فنحن ومنذ اللحظة الأولى مع المرأة, الأم, المصوّرة الحربيّة, وقضيّة الفيلم الأساسيّة الخيار الذي على بطلة الفيلم «ربيكا» أن تقوم به بين واجبها كأم وزوجة وشغفها وإيمانها بعملها كمصوّرة حربيّة. إذ لا يمكن لمن يشاهد الفيلم سوى أن يتساءل في لحظة مُعيّنة هل كان هذا الإشكال- على أهميّته- سيكون قائماً لو أنّ الذي يخاطر بحياته هو الأب والزوج؟
الأفلام الأخرى التي عرضت لبطولات زوجات الصحافيين الذين واجهوا المخاطر نتيجة عملهم من بيرل الذي قُتل وصوّرت جريمة قتله إلى هاريسون الذي ذهبت زوجته تبحث عنه في منطقة مشتعلة النزاع بعد أن عُدّ مع المفقودين ورفضت تصديق خبر وفاته, لم تكن هذه الأفلام عدائيّة إلى حد العنف الذي عرضه المخرج إيرك بوب على لسان زوج «أريكا»- أدّى الدور الممثل الدنماركي نيكولاي كوستر والداو»- حين يطردها خارج المنزل أمام ابنتيها ويصرخ بها: (رائحتك هي رائحة الموت)!!
ينتصر «بوب» لفيلمه وبطلته بشكلٍ كامل, وينسج فيلماً عالي الحساسيّة من شخص خبير بالقصّة التي يرويها, وهو المصّور الفوتوغرافي الذي عمل سابقاً في تغطية مناطق النزاع, فعلى الرغم من أنّه صوّر «إريكا» كأم جيدة, وزوجة محبّة ومتفهمّة قادرة على التعاطي مع مشاكل المحيطين بها أكثر من التركيز على أزماتها الخاصة, كان حذراً من الوقوع في مطب التجميل, وعرض لأثر رحلات العمل وغياب «إريكا» المتكرّر عن المنزل, في التقاط تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة. فهي أثناء تغطيتها لعمليات الجهاديين في «كابل- باكستان» الانتحارية, لم تعلم أنّ ابنتها المراهقة تخلّت عن نشاطها في النادي والتحقت بمشروع آخر بحثي عن «أفريقيا», وعليها حين تعود أن تسألهم أين نقلوا علب الطعام في المطبخ. لكن الاهم, أنّ «أريكا» في اللحظة التي تجد نفسها أمام التقاط صورة قد تغيّر واقعاً, تكشف للعالم ما يرفض أن يراه, وبين الذهاب مع ابنتها إلى منطقة آمنة، وهم في رحلة مشتركة إلى «أفريقيا» فهي ترسل ابنتها مع زميلها في العمل إلى الأمان, وتتقدّم باتجاه الرصاص لالتقاط صورة.
بالحساسيّة ذاتها ينجح «بوب» في الهروب من الزاوية الضيقة لرؤيتنا نحن الصحافيين, على الرغم من أنّ بناء الفيلم الدرامي من منظور «إريكا» لكنه لا يقدّم الفيلم صوتنا فحسب, بل صوت تلك العائلة التي لا تبدو حقيقة- خاصّة الزوج- تقدّر أهميّة العمل الذي تقوم به «إريكا», العائلة المُتعبة من الخوف الدائم على حياة «الأم والزوجة» المغامرة, حتى أنّ ابنتها تقول لها في لحظة غضب: (ربما أفضل شيء أن تموتي, هكذا نحزن مرّة واحدة وللأبد).

قوّة الصورة.. وقوّة الحلم بالتغيّير

يبدأ الفيلم بلقطات مُتقنة, تثير الاهتمام, لامرأة تمدّدت في القبر وحولها حفنة من النساء يصلّين, ثمّ تنهض ليحممنها/ يُطهرنها, ثم يلُفنَّ حولها زناراً عريضاً من المتفجّرات, و»إريكا» تصوّر طوال الوقت, وتطلب الذهاب معهن إلى آخر نقطة يمكنها بها مرافقة السيدة التي ستفجّر نفسها, البعض غالباً يسرقه سؤال ماذا سيحدث, والبعض الآخر يتساءل كما تتساءل «أريكا» حول مسؤوليتها الأخلاقيّة ليس كمصوّرة فوتوغرافية في مناطق النزاع, بل كشاهد على عمليّة تفجير يمكن أن تؤدي إلى مقتل عشرات الأبرياء.
السؤال الأخلاقي ذاته واجه المصوّر كيفن كارتر الذي حاز عام 1994 جائزة «بوليترز» عن صورة طفل صغير يُعاني من سوء التغذية الواضح وهو يزحف نحو معسكر الامم المتحدة الذي كان ملجأ لضحايا المجاعة في السودان, يظهر في الصورة نسر يقف على بعد أمتار من الطفل منتظراً موته حتى يتغذى على جثته, إذ انتحر كارتر بعد ثلاثة أشهر.
من هذه البداية يختم «بوب» فيلمه, حين تقرّر «إريكا» العودة إلى باكستان لتكمّل قصتها بعد أن رفضت إدارة التحرير نشر المجموعة الأولى لتدخلات سياسية أمريكية اعتبرت أنّ الصور «الجميلة» تمجّد الإرهابيين. في عودتها الثانية, تجد أنّ من يُجهّز للقيام بالعملية الانتحارية هو طفل لم يبلغ الخامسة عشرة بعد, أمام تلك الحقيقة لا تقو «إريكا» على التقاط الصورة, تنهار على الأرض كما تفعل والدة الصغير.
إلاّ أنّ عودة «إريكا» بموافقة ابنتها أمرٌ يُحسب للفيلم, ففي حين بقي الزوج على أنانيته, استطاعت الفتاة التعامل مع خوفها من خسارتها الشخصية لوالدتها, وحسمت قرارها بالوقوف إلى جانب والدتها في خيارها, لإدراكها أهميّة ما تقوم به. فرغم جميع الصور التي التقطتها والدتها للفظائع المرتكبة في أفريقيا ضدّ أكثر من خمسة ملايين شخص معظمهم من الأطفال (دون سن 18) نتيجة تعاون الشركات الاقتصادية والنظم الحاكمة في تلك الدول من حكومات ديكتاتورية ومليشيات مُسلّحة, لا بُد أن تؤخّذ صورة أخرى, علّ العالم يستفيق من غيبوبته, ويختار الأناس البعيدون عن المآسي التوقف قليلاً عن شرب قهوتهم الصباحية لمحاولة اتخاذ موقف تجاه المآسي والانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان التي تقع في منطقة أخرى من العالم فضّلوا غضّ النظر عنها, من أجل هذا تقوم والدتها بما تقوم به, فالصورة قوتها.

يارا بدر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية