الأمم المتحدة- “القدس العربي”: عُقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، الأربعاء، مؤتمر صحافي مشترك بين رئيسة الدورة الثمانين للجمعية العامة، أنالينا بيربوك، ومندوبة دولة قطر الدائمة لدى الأمم المتحدة، السفيرة علياء أحمد بن سيف آل ثاني، استُعرضت خلاله التحضيرات الجارية لعقد القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية، التي تستضيفها الدوحة بين الرابع والسادس من تشرين الثاني/شرين الثاني المقبل، بعد ثلاثين عاما على انعقاد القمة الأولى في كوبنهاغن عام 1995.
افتتحت بيربوك المؤتمر بالتأكيد على أن المجتمع الدولي يواجه “لحظة فارقة” تستدعي تجديد الالتزام بالأهداف التي أقرها قادة العالم قبل ثلاثة عقود، حين اجتمعوا في كوبنهاغن لمناقشة سبل القضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية والاندماج المجتمعي. وأوضحت أن القمة الثانية في الدوحة ستشكل “منصة عالمية لإعادة تعريف مفهوم التنمية الاجتماعية” في ظل التحديات الجديدة التي تفرضها الأزمات المتعددة، من النزاعات المسلحة وتداعيات التغير المناخي إلى الفجوة الرقمية وتراجع الثقة في المؤسسات الدولية.
وأشارت بيربوك إلى أن الهدف الرئيسي من القمة هو صياغة عقد اجتماعي عالمي جديد يقوم على ثلاثة محاور مترابطة: تمكين الأفراد عبر التعليم والعمل اللائق، تعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة بين الجنسين، وبناء مجتمعات قادرة على الصمود أمام الأزمات الاقتصادية والبيئية. وأضافت أن القمة ستتوج بإصدار “إعلان الدوحة”، ليكون وثيقة مرجعية لتوجيه السياسات الوطنية والدولية خلال العقد القادم، مؤكدة أن النقاشات ستشمل الحكومات والمجتمع المدني والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والشباب.
من جهتها، رحبت السفيرة علياء آل ثاني باستضافة قطر لهذا الحدث الدولي، معتبرة التنمية الاجتماعية جوهرًا للاستقرار والسلام، ومشددة على أن القمة تهدف إلى توسيع الحوار العالمي حول العدالة والمساواة وتمكين الفئات المهمشة. وأوضحت أن الدوحة تستمر في دعم المبادرات التنموية، لا سيما في التعليم والصحة والإغاثة الإنسانية، مذكّرة بأن قطر كانت من أوائل الدول التي تبنت مشاريع تعليمية في مناطق النزاع مثل غزة وأفغانستان والسودان.
الوضع التعليمي في غزة
تطرقت السفيرة إلى الوضع التعليمي في قطاع غزة، مشيرة إلى أن المدارس والبنية التحتية التعليمية تضررت بشدة، ما حرَم نحو مليون طفل من التعليم المنتظم بسبب تدمير المدارس أو تحويلها إلى مراكز إيواء. وأكدت أن ملف التعليم في مناطق النزاع سيكون أولوية خلال القمة، مشددة على أن التعليم ليس امتيازًا بل حق إنساني أساسي وأداة لتحقيق التنمية والسلام، داعية المجتمع الدولي إلى ضمان هذا الحق لكل طفل بغض النظر عن مكانه.
بدورها، لفتت بيربوك إلى أن موضوع العمل اللائق سيكون محورًا رئيسيًا في مداولات القمة، معتبرة أن نصف سكان العالم العاملين يفتقرون إلى أي شكل من أشكال الحماية أو الضمان الاجتماعي، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي ويقوّض الثقة بين الشعوب ومؤسساتها. وأضافت أن القمة ستناقش أيضًا التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي وتأثيرهما على سوق العمل والعدالة الاجتماعية، مؤكدة أن التكنولوجيا يجب أن تكون أداة تمكين للبشر لا لاستبدالهم، داعية إلى سياسات دولية توفر فرص عمل عادلة وتقضي على الفجوة الرقمية بين الدول النامية والمتقدمة.
كما أشارت السفيرة آل ثاني إلى أهمية تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية في مواجهة الفقر والجوع، مؤكدة أن أكثر من 700 مليون إنسان يعيشون تحت خط الفقر، وأن القمة ستعمل على وضع آليات عملية لتفعيل التعاون الدولي في التمويل الاجتماعي وتخفيف أعباء الديون على الدول النامية، بما يتيح الاستثمار في الإنسان أولًا.
التنمية الاجتماعية والسلام
وأكدت بيربوك أن “الظلم الاجتماعي هو الشرارة الأولى لمعظم النزاعات”، وأن بناء مجتمعات أكثر عدلاً وإنصافًا هو السبيل الأنجح للوقاية من الحروب، مشددة على أن التنمية والاستقرار والسلام منظومة واحدة لا يمكن فصل عناصرها عن بعضها.
أما بالنسبة للتحضيرات اللوجستية، فأوضحت السفيرة علياء أن القمة ستشهد مشاركة رفيعة المستوى من قادة الدول ورؤساء الحكومات والمنظمات الدولية، إلى جانب ممثلين عن المجتمع المدني والشباب، مع برنامج متنوع يشمل جلسات عامة وموائد مستديرة وفعاليات موازية حول التعليم والمساواة بين الجنسين والتغير المناخي والعمل الإنساني، بهدف إنتاج مخرجات عملية قابلة للتنفيذ، وليس مجرد بيانات سياسية.
في ختام المؤتمر، شددت بيربوك وآل ثاني على أن قمة الدوحة الثانية للتنمية الاجتماعية تمثل فرصة لإعادة توجيه البوصلة نحو الإنسان كغاية لكل تنمية، وأن العدالة الاجتماعية ليست شعارا، بل التزاما أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا لا يمكن تجاهله.