العالم في ضيافة الفراعنة: مصر تفتتح المتحف الكبير في احتفال غير مسبوق

فايزة هنداوي
حجم الخط
1

القاهرة – «القدس العربي»: تعيش مصر هذه الأيام أجواء ترقب واحتفاء عالمي مع اقتراب الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، المقرر اليوم السبت، وقد استغرق بناؤه أكثر من عقدين من الزمن ليصبح أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، هي الحضارة المصرية القديمة التي ألهمت الإنسانية منذ آلاف السنين. ويُنتظر أن يكون الافتتاح احتفالية عالمية كبرى تُبث على الهواء مباشرة، يحضرها قادة وزعماء دول وشخصيات فنية وثقافية عالمية، في حدث يوصف بأنه «ميلاد جديد للتاريخ المصري».
بدأت فكرة إنشاء المتحف المصري الكبير في منتصف التسعينيات عندما قررت الحكومة المصرية إنشاء متحف ضخم يليق بعظمة آثارها ويكون امتدادًا للمتحف المصري بالتحرير الذي لم يعد قادرًا على استيعاب المزيد من الكنوز. وفي عام 2002 تم وضع حجر الأساس بحضور الرئيس المخلوع حسني مبارك، لتبدأ مرحلة طويلة من التخطيط والبناء شارك فيها خبراء مصريون ودوليون، بتمويل مشترك بين الدولة المصرية ومنح من اليابان واليونسكو، ليُنجز المشروع على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع على هضبة الجيزة المطلة على الأهرامات.
وقد جرى تصميم المتحف ليكون مزيجًا فريدًا من العمارة الحديثة والروح المصرية القديمة، فجاءت واجهته الحجرية المائلة بارتفاع 45 مترًا تحاكي شكل المعابد الفرعونية، بينما يتجه محور المبنى بدقة نحو أهرامات الجيزة الثلاثة في مشهد بصري مدهش يربط بين الماضي والحاضر.
أما داخل المتحف، فتبدأ الرحلة مع المدخل العظيم الذي يتوسطه تمثال الملك رمسيس الثاني، وهو أحد أضخم تماثيل الفراعنة، يزن نحو 83 طنًا وارتفاعه أكثر من 11 مترًا. وقد تم نقله في عملية هندسية معقدة من ميدان رمسيس في القاهرة عام 2018 ليكون واجهة المتحف. يحيط بالتمثال درج ضخم يضم ما يقرب من 87 تمثالًا ملكيًا ضخمًا تمثل ملوك الدولة القديمة والحديثة، بينهم تحتمس الثالث، وأمنحتب الثالث، وسنوسرت الأول، وحور محب، لتبدو كأنها صفوف من الحراس الملوكيين يرحبون بالزوار في موكب مهيب من الحجارة والنور.
ومن أبرز ما يميز المتحف تخصيص جناح كامل لمقتنيات الملك توت عنخ آمون، والتي تُعرض لأول مرة كاملة في مكان واحد منذ اكتشاف مقبرته الشهيرة عام 1922 على يد هوارد كارتر. يضم الجناح أكثر من 5400 قطعة أثرية، من بينها التابوت الذهبي الشهير، والأقنعة الجنائزية، والعربة الملكية، والأسلحة، والأثاث المزخرف، ومجموعة نادرة من المجوهرات المصنوعة من الذهب والأحجار الكريمة. وقد تم ترميم هذه الكنوز في مركز الترميم الملحق بالمتحف الذي يُعد الأكبر في الشرق الأوسط، باستخدام أحدث التقنيات العلمية للحفاظ على القطع من التلف.
كما يحتوي المتحف على مجموعة نادرة من تماثيل الملوك والآلهة، من بينها تمثال ضخم للملك منكاورع مع زوجته، وتمثال مزدوج للملك أمنحتب الثالث والملكة تي، وتمثال ضخم للإله بتاح من الجرانيت، وآخر للإلهة سخمت برأس اللبؤة التي كانت رمز القوة والحماية. كذلك تُعرض مسلات أثرية وأعمدة ضخمة من معابد الأقصر والكرنك، ونماذج من المراكب الشمسية التي كانت تستخدم في الطقوس الدينية، إضافة إلى نقوش حجرية تحكي تفاصيل الحياة اليومية للمصري القديم من الزراعة والصيد والاحتفالات.
ويضم المتحف أيضًا قاعة ضخمة مخصصة للتماثيل الكولوسية، التي يصل ارتفاع بعضها إلى أكثر من 10 أمتار، وقطعًا أثرية من معابد الكرنك والأقصر وأبيدوس وسقارة، بما في ذلك تماثيل كاملة وأجزاء معمارية ضخمة. كما توجد قاعة خاصة لمقتنيات الملك خفرع صاحب الهرم الأوسط، تشمل تماثيله المميزة المصنوعة من الديوريت الأسود، إلى جانب آثار من عصر الدولة الوسطى وأخرى من العصور المتأخرة.
أما من الناحية العلمية، فقد خُصص داخل المتحف مركز عالمي للترميم والأبحاث تبلغ مساحته نحو 32 ألف متر مربع، ويضم معامل متطورة لتصوير القطع بالأشعة تحت الحمراء وتحليل مكوناتها، إضافة إلى معامل للبرديات والمومياوات والمعادن والخشب، ما جعله مرجعًا علميًا دوليًا في حفظ التراث.
ولا يقتصر دور المتحف على عرض الآثار فقط، حيث صُمم ليكون مركزًا ثقافيًا وتعليميًا متكاملاً، يضم قاعات للعرض المؤقت، ومكتبة علمية ضخمة متخصصة في علم المصريات، وقاعات للمؤتمرات الدولية، وسينما وثائقية تعرض أفلامًا عن الحضارة المصرية، ومناطق ترفيهية ومطاعم تطل على الأهرامات، ليصبح وجهة سياحية متكاملة تعيد تعريف مفهوم المتحف في القرن الحادي والعشرين.
ويؤكد الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، أن المتحف المصري الكبير هو «أضخم مشروع ثقافي في القرن الحالي»، مشيرًا إلى أن افتتاحه سيمثل نقلة نوعية في السياحة المصرية، حيث من المتوقع أن يجذب أكثر من خمسة ملايين زائر سنويًا بعد الافتتاح، مما سيضاعف العائدات السياحية ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
وقد أشار وزير السياحة والآثار أحمد عيسى إلى أن المتحف سيكون «بوابة جديدة تربط الماضي بالمستقبل»، موضحًا أن الافتتاح سيشمل عروضًا فنية مستوحاة من التاريخ المصري القديم، ومشاركة فنانين عالميين في احتفالية تسعى مصر لأن تكون رسالة سلام وثقافة للعالم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية