في ذكرى سركون بولص… محاولة في إيقاد الرماد

الشاعر الذي يرى، يمنح تلك الرؤية وهجا يأخذه إلى الرؤيا، حيث يتجاوز الإبصار إلى البصيرة، والقصيدة إلى اللغة، والبيت إلى الغابة، والكينونة إلى مواجهة نسيانها، ولكي تكون الكتابة هي العتبة والفأس في ترسيم تلك المواجهة، وصولا إلى ما تصنعه من التشهي، ومن الاستغراق الذي يأخذه إلى أقصى الحلم، حيث تتقشر اللغة من بلاغتها لتنفتح على أفق آخر، وعلى تاريخ يريد الشاعر أن يكتبه على مزاجه، بعيدا عن الذاكرة، و»القبيلة» إذ يجعل القصيدة وكأنها نوع من اليقظة، أو البحث الدائب عن الوجود، ليس للمكوث فيه فقط، بل للتمرد عليه، واستكناه ما يحمله من سيرة فاجعة، ظل يطارد أشباحها، وربما يكرهها، لأنها سيرة «الكلداني» المحاصر والباحث عن هوية، وعن ذات تفكر بصخب، لتستعيد وجودها عبر شعرية «الدازاين»، الذي جعله هيدغر وجودا متعاليا في الـ»هنا» أو في الـ»هناك».
في ذكرى سركون بولص تبدو الاستعادة وكأنها مجازفة، لأنها تتطلب ما يشبه التطهير، لمواجهة عذابات الشاعر المهاجر والمنفي، وربما المطرود، والمتورط بنوع من التذكّر الذي يعيده إلى لحظة التأسيس، حيث كان يحلم، ويتمرد، ويلمس ويقرأ، ويشاغب، وأحيانا يتعالى مثل كائن مسكون بإغواء اللغة وبرائحة الأنثى، وبالحياة التي يسافر إليها وكأنه كائنها الأسطوري، وبطلها العوليسي، الذي يجد في أسفاره تعويضا عن الخيبة والهزيمة، إن كان في طروادة، أو إن كان في بيروت أو بغداد أو في سان فرانسيسكو أو في برلين.. قصيدته تفور مثل تنور، تكشف عن قلقه، عن ارتيابه، حيث يجس عبرها العالمَ وهو يمور بالصراع والعنف والفقد، فلا يجد في كتابتها سوى أنها لعبته التطهيرية، في الرؤيا، وفي الإغواء والغضب والحب، وحتى في استدعاء الغائب، وفي إذكاء النشيد، والإحساس بأن ما تصنعه الكتابة هو إلباسه قناع المغامر الموهوم بالبحث عن تلك الكينونة التي تتدثر باللغة، وما حاجة الشاعر الذي يشبهه سركون بولص سوى مواجهة قسوة نسيانها، النسيان الذي يصنعه التاريخ والسلطة والراية.. سركون ليس شاعر مهجرٍ أو منفى، إنه شاعر وجود، يتشهى لعبة التمرد على ذلك الدثار، بوصفها استدعاء للصحو، واكتشافا لقوة الذات التي تفكر عبر الشعر، حيث تتحول القصيدة إلى قنطرة، وإلى جمرة، وإلى يد تلّوحُ بالمعرفة، والتعرّف على الجهات، حيث السفر «مدن لا تشبهه»، وحيث النوم القلق في مركب نوح، وحيث الحفر في اللغة، بحثا عن أسطورته الشخصية، وعن اللذائذ الهاربة، والعتبات التي لا وصول لها.

في ذكراه نتحسس ما تركه سركون من أثر أصابع الأنثى والفكرة والحلم على أخطاء قميصه، إذ تحضر اللغة بوصفها مجسا، وأصابع، لتفك عقدة الغائب والمحذوف، ولتكشف عن طلاسمها وأسرارها، وعن خفايا الحياة التي توهم بأنه عاشها، بوصفها «حياة سائلة» ينشد إلى محذوفها الذي يساكنه بروح «المسيحي» المتورط بهوس لا وعي الهوية، وبعناده على تجاوزها، كنظير لخصامه مع الموت، فهو ينحاز لتلك الحياة لأنها تشبه القصيدة، وينحاز إلى ذاته لأنها وجدت في «اللغة العربية» هوية تستغرقه بالإشباع، مثلما كانت تُشبعه بوهم «الهوية» فهو لم يكن آشوريا بالمعنى التاريخي ولا الديني، بل كان كوزموبوليتياً بالمعنى الشعري، عاش في المدينة «الكوزموبوليتية/ كركوك» وكأنها جوهر العالم، يشاطره الكركوكيين من أصدقائه – صلاح فائق، جان دمو، جليل القيسي، مؤيد الراوي، فاضل العزاوي، الأب يوسف سعيد، يوسف الحيدري، أنور الغساني، هواجس التجديد، وأسئلة الاختلاف، وتململ البحث عمّا يشبه التمرد على التاريخ، حيث يحمل «الشعر» شيفرة الخروج منه.

كان سركون يجاهد من أجل أن يكون مختلفا، وأن يتجاوز عقدة الهوية وهامشها إلى أفق القصيدة ومتنها، لا يدخل إلى سراديب الأنثروبولوجيا التي يكرهها، لأنه يعي أن الدخول إليها أكثر شراسة من البقاء على السطوح، وأن نسيان التاريخ لا يعني نسيان الكينونة، فالأول يخصّ الجماعة، والثاني يخصّ الذات، فهو شاعر «ذاتوي» لا يطيق البقاء عالقا في النسق، ولا في الهوية، إذ يكتفي بالبقاء في اللغة، يكتب بإفراط، دون أن ينشر، وكأنه يمارس معها نوعا من الحميمية، ومن صيانة تلك الذات، يبتكر لها فضاء من الاستعارات، فيختط طريقا لا نهاية له سوى الموت، وسوى أن يكون صاحيا مثل جلجامش للبحث عن خلوده الشخصي، ليس في الزمن، بل في اللغة.. الكتابة عند سركون طقسٌ متعال، يجعلها نظيرا لسيرته، إغواء دائم الإفصاح عن صحوة اللذة، وعن الشغف بالمعرفة، إذ يدرك أن الشعر هو كائن، أو لص تتسع معه الأقنعة، لكنها لا تلغيه، فبقدر ما يكتب سركون بلغات يعرفها مثل الإنكليزية والآشورية والكردية والتركية، الا أنه يجد في العربية لذته الفائقة، انسلاله إلى الغائب منها، انسحاره بشيفراتها، وبالجمر الذي تؤججه فيه عبر البوح والوجع والاعتراف.

الشاعر الفرد والجماعة..

حين تحولت «جماعة كركوك» إلى عنوان باذخ، شعر معها بالقيد، وأنه يخشى دخول الشاعر الفرد الذي يعشقه إلى قفص الجماعة، فجعل من هجرته إلى بغداد، وكأنه تمردٌ، وتمثيلٌ لتلك الذات النافرة، الصاخبة، المتشهية، لتقوده إلى طقوس التحرر قيودها الكبرى، ومن قيود أخرى سيجدها في بغداد الصاخبة، حيث شراهة الأيديولوجيات والمقاهي والبيانات والحكومات، وهذا ما دفعه لأن يكون أكثر تشهيا للتمرد، وأكثر اصطداما بمركزيات لم يطق إلفتها، والتماهي معها.
انشغل سركون بالمغايرة كوهم جميل للحرية، ولتجاوز محنته النرجسية مع الهوية، فتورط بالتجريب لينفي عنه «اليقين» والتعويم، انشغل بهوية القصيدة الجديدة، قصيدة الشكل والتوتر، باحثا من خلالها عن ذاته اللجوجة، فما كان حضوره إلا لتسويغ المغامرة، ولفرض أطروحته حول «حساسية الكتابة الجديدة» بوصفها مجالا للتجريب الشعري، وللانشغال بسؤال شعري يخص التجاوز في اللغة، وفي الفكر، وفي البحث عن «زمن آخر للقصيدة» هو زمن الذات التي تعيش وهم رؤيتها للعالم..
كتابه الشعري الأول «الوصول إلى مدينة أين» يقوم على تلك المفارقة، فالوصول يصطدم بالقطيعة، و»الأين» التي تعني القلق والغياب، مثلما تعني الوجود المبتور، والإحساس بالمكابدة، مثلما تعني اللجوء إلى المكوث الشعري، بوصفه مجالا، ورهانا على المعنى والتحقق والإيهام بالإشباع اللغوي والجنسي والسياسي.
في كتبه الشعرية الأخرى «الحياة قرب الأكربول»، «الأول والتالي»، «إذا كنت نائما في مركب نوح» لا يتخلص الشاعر من زوادة حمله الوجودي، وشغفه بمواجهة الزمن والمصير، إذ يجد في المنفى عالما آخر، يجعله أكثر تحسسا للنفي، وللغربة، وللعودة إلى اللغة، تلك تهبه وجوده، وشهوته، وفي البحث عن معجزة الخلاص والهروب من ذاكرة الخطيئة.
«تمشي فتدفعك الريح من الوراء،
باردة كأنفاس مقبرة، تقرأ بعض العناوين عن أرضك البعيدة،
حيث الحرب لا تنام،
صيحات المسافرين ما زالت ترنّ فارغة بين الأنفاق،
لكن تحت دمائك عاصفة من صيحات أخرى،
لا تكفّ عن الانقصاف»
وحتى كتابه الشعري الأخير «عظمة أخرى لكلب القبيلة» لم يمنحه سفرة التخلص من محنة الشاعر، الذي يرى العالم عبر المرايا، وعبر الخسارات التي طالت تاريخه وجسده، فلم تمنحه مدن الهجرة سوى مزيد من القلق، ولم تضعه الاتجاهات عند حافة آمنة، فرغم أنه كتب عن «عالم لا يُضاهى» لكنه ظل يعيش هامشه، حيث يتمرد الشعر على شيخوخة الجسد، وحيث تستعاد اللغة عبر إيقاظ الشهوات، وحيث يتحول البحث عن الذات الغائبة، إلى بحث استعاري عن الوجود، وعن البيت واللذة، وإلى استعادة مدوناته بوصفها محاولة رمزية لإيقاد الرماد في موقد الزمن الذي ظل سركون يخشى حرائقه المؤجلة..

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية