الخرطوم ـ «القدس العربي»: أكد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» دعمه الكامل لخريطة طريق دول الرباعية الدولية التي أُعلنت في 12 سبتمبر/أيلول الماضي، والتي تدعو إلى إقرار هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تشمل كافة مناطق السودان، تمهيدًا لعملية سياسية تفضي إلى إنهاء الحرب الدائرة في البلاد منذ أكثر من عامين ونصف.
وقالت قوات «الدعم السريع» الخميس إنها وافقت على اقتراح من الولايات المتحدة وقوى عربية لوقف إطلاق النار لأسباب إنسانية، وأضافت أنها منفتحة على إجراء محادثات بشأن وقف الأعمال القتالية.
مجاعات
ووافق كل من قوات «الدعم» والجيش على عدد من مقترحات وقف إطلاق النار خلال الحرب التي نتجت عنها مجاعات في عدة مناطق، بما في ذلك الفاشر. ولم ينجح أي من تلك المقترحات
ويقول كاميرون هدسون من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ومقره واشنطن لوكالة «فرانس برس» إن «هدف الدعم الوحيد من الموافقة على الهدنة، هو صرف الانتباه عن الفظائع التي ترتكبها حاليا في الفاشر وتقديم نفسها على أنها تتحلى بالمسؤولية أكثر من الجيش».
ويضيف أن الجيش في المقابل «يركز الآن على استعادة كامل كردفان ثم التقدم إلى الفاشر».
وأدى سقوط الفاشر إلى إحكام قوات «الدعم السريع» سيطرتها على عواصم ولايات دارفور الخمس إضافة إلى أجزاء من الجنوب، بينما يسيطر الجيش على المناطق الشمالية والشرقية والوسطى على طول نهر النيل والبحر الأحمر.
ويرى هدسون أن «قوات الدعم السريع، بعد أن سيطرت الآن على كل دارفور، لديها حافز لمحاولة إدخال الغذاء والمساعدات إلى المناطق الخاضعة لسيطرتها، ولكن الجيش لديه حافز لعدم السماح لقوات الدعم السريع بتعزيز مكاسبها»
ورحب «صمود»، بموافقة قوات «الدعم» على مقترح الهدنة، داعيًا الجيش السوداني إلى اتخاذ خطوة مماثلة من أجل «وضع حد لهذه الحرب التي لا طائل منها»، على حد تعبيره.
وقال التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء السوداني الأسبق عبد الله حمدوك: «نُشدد على أنه لا حل عسكري لهذا النزاع، وأن كل يوم يمضي لا يقود إلا إلى مزيد من معاناة ملايين السودانيين الذين دمرت الحرب ماضيهم وحاضرهم وتهدد باختطاف مستقبلهم. إن القرار الشجاع الذي ينتظره غالب أهل السودان هو إنهاء الحرب وشق طريق نحو سلام عادل ومستدام».
الحلول السلمية
وأضاف التحالف أنه «لن يألو جهدًا في السعي لإسكات صوت البنادق»، داعيًا أطراف الحرب إلى تغليب منطق الحوار والحلول السلمية التي «تحقن دماء السودانيين وتحافظ على وحدة البلاد وسيادتها».
ولا تزال الحكومة السودانية تدرس مقترح الهدنة بعد اجتماعات مع مسؤولين أمريكيين. وتتحفظ الخرطوم على مشاركة دولة الإمارات في الآلية الرباعية، متهمةً إياها بدعم وتمويل قوات الدعم السريع.
وتتهم السلطات السودانية تحالف «صمود» بمساندة «الدعم»، بينما ينفي التحالف ذلك، مؤكداً أن موقفه «مبدئي ضد الحرب وداعم لجهود التفاوض لإنهائها».
وفي سياق متصل، يواصل وفد من التحالف لقاءاته الدبلوماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لـ «دعم مبادرات وقف الحرب»، حيث التقى الجمعة كلامن نائبة المبعوث البريطاني الخاص للسودان ماجدولين لانو والمسؤولة السياسية في السفارة البريطانية لدى السودان سوفي ستيفتس.
وأوضح المتحدث باسم التحالف بكري الجاك أن اللقاء تناول نتائج زيارة وفد «صمود» إلى أديس أبابا، ورؤية التحالف حول دعم جهود إيقاف الحرب وإطلاق عملية سياسية تقود إلى قيام سلطة مدنية بعد ترتيبات إنهاء النزاع.
وقال وفد التحالف: إن «بريطانيا ظلت تدعم بشكل مستمر القوى المدنية وموقف لندن الواضح في دعم الحكم المدني في السودان»، مقدّمًا مقترحات عملية يمكن للمملكة المتحدة أن تسهم بها في دعم جهود السلام واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي».
فيما أكدت المملكة المتحدة التزامها بتعزيز التنسيق بين دول الرباعية لإنجاح العملية السياسية في السودان.
محلل: هدف قوات «حميدتي» صرف الانتباه عن فظائع الفاشر
وفي يوليو/ تموز الماضي استأنفت الآلية الرباعية تحركاتها، بعد استبدال المملكة المتحدة بجمهورية مصر العربية.
فيما تتحدث الحكومة البريطانية عن استمرار دعمها لجهود التسوية في السودان بالتنسيق مع الأطراف الأخرى.
يُذكر أن وفد «صمود» وصل إلى أديس أبابا الثلاثاء الماضي لإجراء سلسلة من اللقاءات مع منظمات إقليمية ودولية وبعثات دبلوماسية، في وقت وصفه التحالف بـ«المفصلي»، حيث «تدخل الحرب فصلاوحشيًا جديدًا يُخاض على أجساد المدنيين»، وفق تعبير الجاك.
وأضاف المتحدث أن التحالف يسعى من خلال هذه اللقاءات إلى «تعزيز الدور الإقليمي والدولي لتيسير وقف عاجل لإطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وابتدار عملية سلمية حقيقية بقيادة وملكية سودانية تخاطب جذور الأزمة وتضع أسس سلام عادل ومستدام».
في حين علّق القيادي في التيار الوطني نور الدين صلاح الدين على التطورات الأخيرة قائلاً: «الهدنة ليست أمرًا سيئًا. السيئ هو الهدنة السيئة».
واعتبر أن موافقة قوات الدعم السريع على الهدنة تمثل «حدثًا لافتًا في توقيته أكثر من مضمونه»، مشيرًا إلى أن التجارب السابقة مع الدعم السريع «تثبت أن الهدنة بالنسبة لها ليست موقفًا إنسانيًا بقدر ما هي خطوة تكتيكية لتجميل وجهٍ ملطخ بالدماء».
وأوضح أن «الدعم» سبق وأن وافقت على اتفاقات مشابهة، من بينها إعلان جدة الإنساني في مايو/ أيار 2023 واتفاق الهدنة القصيرة والترتيبات الإنسانية الذي انهار سريعًا «بسبب الانتهاكات المتكررة التي حمّلت الوساطة جزءًا كبيرًا منها للدعم السريع».
وأضاف أن «الميليشيا استغلت تلك الهدن لإعادة التموضع في المناطق المدنية وارتكبت خلالها خروقات واسعة».
وأشار إلى أن السيناريو ذاته تكرر خلال دعوات أممية عدة لوقف إطلاق النار في أبريل/ نيسان 2023 ومارس/ آذار 2024 ويونيو/ حزيران 2025، حيث «كانت القوات المسلحة تتجاوب مبدئيًا بينما استخدمت الدعم السريع تلك الدعوات لمناورات إعلامية دون التزام فعلي».
وأضاف: «اليوم، بعد سقوط الفاشر وسقوط ورقة التوت التي لم تكن تغطي عورات الميليشيا أمام الرأي العام الدولي، تأتي موافقتها على مشروع الهدنة كمن يحاول الانحناء للعاصفة بعد أن فقد الكثير سياسيًا وأخلاقيًا».
وتساءل قائلاً: «لماذا لم تقبل الدعم السريع بمقترحات الهدنة قبل سقوط الفاشر، حين كان يمكن إنقاذ المدنيين بدل التنكيل بهم؟ الجواب واضح، لأنها لم تكن تريد هدنة، بل نصراً عسكرياً تستثمره سياسياً. وعندما تحوّل النصر إلى مجازر موثقة وإدانات دولية، قررت ارتداء ثوب الهدنة الإنسانية».
وشدد القيادي في التيار الوطني على أن أي هدنة يجب أن تقترن بآليات رقابة وضمانات واضحة، من بينها انسحاب الدعم السريع من الأعيان المدنية والمرافق الصحية، وتحديد ممرات إنسانية بإشراف الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وحظر استخدام الهدنة لإعادة التسلح أو التحركات العسكرية.
وأضاف: «الهدنة ليست أمرًا سيئًا. السيئ هو أن تخدعنا الدعم السريع بها مرة أخرى. فهدنة بلا ضوابط ليست سوى مهلة لإطالة عمر الجريمة وإعادة إنتاجها لاحقًا».