إلى جانب حضور حلم الدولتين في التفكير الفلسطيني في العقود الاخيرة، استمر دائما النقاش الفلسطيني الذي يرفض تقسيم البلاد، هذا النقاش، الذي هو نخبوي بالاساس، يستند إلى منهجين أساسيين: الاول مقرون بجزء من المعسكر الوطني، بما في ذلك التيار المركزي في منظمة التحرير، الذي لم يسقط ابدا فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة كبديل ممكن يضمن فيها تساوي في الحقوق لابناء جميع الاديان.
المنهج الثاني ميز أوساطا إسلامية ومن ضمنها حماس، والجهاد الإسلامي وتيارات سلفية، الذين اعتبروا ولا زالوا يعتبرون ان تقسيم البلاد يعني التنازل عن ارض إسلامية. هذا الحلم الإسلامي يمتد من التيار الإسلامي المطالب بطرد اليهود وحتى التيار الذي يؤيد دولة يعيش فيها اليهود والنصارى تحت رعاية المسلمين.
تطور في السنوات الاخيرة نقاش مستجد حول مسألة الدولة الواحدة، وهو يهم اساسا سكان الضفة الغربية، لان المسألة تهم الضفة الغربية اكثر من قطاع غزة بسبب المطالب الاسرائيلية في الضفة (مثل موضوع المستوطنات والقدس). وتشترك في هذا النقاش اوساط وطنية ايدت في الماضي حل الدولتين، ومن ضمنهم رئيس الحكومة سابقا احمد قريع، والوزير الاسبق نبيل شعث، ووزير الداخلية الاسبق نصر يوسف، وسري نسيبة الذي هو من معدي مبادرة جنيف.
الجديد في الامر هو أن النقاش يشكل صدى للحوار الشامل الذي يعكس على ما يبدو تطويرا لفكرة الدولتين وفي نفس الوقت ترسخ فكرة الدولة الواحدة ايضا باوساط قطاعات واسعة من الجمهور الفلسطيني، والامر يجد تعبيره في حوار نشط على الشبكات الاجتماعية، واقامة منتديات عامة تناقش هذه المسألة والتأييد الجماهيري الآخذ بالازدياد لهذه الفكرة، رغم أنه حتى الان لا توجد اغلبية لهذا الامر. وفي كانون اول 2011 على سبيل المثال ايد 30 في المئة من سكان الضفة الغربية فكرة الدولة الواحدة. وفي اذار 2013 ايد 31 في المئة وفي نيسان 2015 أيد 33 في المئة,. يمكن الاعتقاد ان التغيير لم يحصل باوساط الإسلاميين، الذين بقوا متمسكين بفكرة الدولة الواحدة، انما باوساط التيارات الوطنية بفعل الاسباب الداخلية والاقليمية التالية.
أولا وقبل كل شيء التوقعات المنخفضة بان الدولة الفلسطينية ستقوم في السنوات القريبة لجانب دولة اسرائيل، في الشارع الفلسطيني كما في الشارع الاسرائيلي، لا زالت هناك اغلبية لحل الدولتين والتي تتحرك بين 65 في المئة حتى 70 في المئة (حسب معطيات المعهد الفلسطيني للابحاث بادارة خليل الشقاقي). وكما في اسرائيل، ان معظم الفلسطينيين (حوالي 60 في المئة) لا يؤمنون ان هذا الحل سوف يتحقق، وجولة المباحثات الاخيرة التي اجريت بين اسرائيل والفلسطينيين في آب 2013 حتى أيار 2014 لم ترفع التوقعات، وقوبل فشلها بنوع من اللامبالاة التي عكست اليأس الامر الذي وحسب الاستطلاعات تعمق أكثر باعقاب نتائج الانتخابات الاخيرة في اسرائيل.
السب الثاني هو الشرخ الفلسطيني الداخلي الذي يعطي الجمهور الفلسطيني شعور قلة الحيلة، ويمنع من الناحية العملية اقامة قاعدة سياسية متفق عليها من اجل التقدم باتجاه الحل. هذا الشرخ لا ينعكس فقط بالعلاقات الصعبة بين فتح وحماس وانما يميز ايضا الساحة الداخلية لكل واحدة من الحركتين، التوتر بين القيادة السياسية لحماس وبين ذراعها العسكري وصل إلى قمته بعد عملية «الجرف الصامد» من أجل ميل الاخيرة العودة إلى خط المواجهة الذي تقوده إيران، والذي تركته حماس منذ عام 2012. القيادة السياسية بالمقابل، تطالب بالاستناد إلى النظام السعودي بقيادة الملك سلمان، الذي يريد تجنيد حماس من ضمن جبهة سنية بوجه إيران، في فتح ايضا عززت عملية «الجرف الصامد» التوترات الداخلية والتي يعتبر أكثرها قسوة بين أبو مازن ومحمد دحلان الذي طرد من فتح من قبل أبو مازن في عام 2011. ومنذ ذلك الحين جمع دحلان الاموال والسيطرة على ميزانيات التطوير التي وصلت من دول الخليج، ويقوم في استثمارها في مشاريع مختلفة في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويخاف أبو مازن من كون هذا المال، بتأييد الامارات، قادرا على زعزعة قيادته. وهو يميل إلى اتهام دحلان بأي مواجهات أو خلافات تحدث في الضفة الغربية مثل المظاهرات التي اندلعت مؤخرا في مخيم بلاطة للاجئين. المواجهة بين الاثنين دفعت أبو مازن إلى تأجيل المؤتمر السابع لفتح، الذي كان يفترض أن تحدث خلاله انتخابات، الامر الذي أجج التوتر الداخلي أكثر.
سبب آخر هو عدم قناعة الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية بأن الانتفاضة الشعبية قادرة على فرض الحل السياسي. استطلاعات المعهد الفلسطيني تشير إلى أنه من بين خيارات الحل، فان خيار العنف يحظى بالتأييد الاكبر (36.7 بالمئة) مقابل خيار المواجهة الغير عنيفة (29.7 بالمئة) وخيار المفاوضات (29.4 بالمئة). الواقع على الارض يثبت أنه بين التأييد النظري للانتفاضة ـ عنيفة أو غير عنيفة ـ وبين الاستعداد الشخصي للمشاركة فيها، هناك مسافة كبيرة. إن اولئك الذين توقعوا اندلاع الانتفاضة في أعقاب فشل المفاوضات في اعوام ـ 2013 ـ 2014، خاب أملهم. ايضا أحداث الصيف والخريف، وفي مقدمتها عملية الجرف الصامد، لم تتسبب في اندلاع انتفاضة واسعة. مستوى المواجهات بقي محدودا ومحليا، لا سيما في القدس، ولم يمتد إلى باقي مناطق الضفة، رغم جهود حماس لاشعال المنطقة. وكذلك الامر بالنسبة لمحاولات الانتفاضة غير العنيفة، من خلال مقاطعة المنتوجات الاسرائيلية التي لم تنجح حتى الآن، ليس بسبب الاجراءات الاسرائيلية الفعالة وانما بسبب قلة الاستجابة الفلسطينية.
هذه السلبية تنبع من عدة عوامل: رغم أن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية لم يتدهور، وهو أفضل بكثير منه في قطاع غزة، إلا أن غلاء المعيشة في اسرائيل يؤثر في الضفة أكثر من تأثيره في القطاع. معظم السكان في الضفة يعتبرون الفقر والبطالة مشاكل أساسية ووجودية أكثر من مشكلة الاحتلال والمستوطنات. وهي مصنفة في المرتبة الاولى. (36 بالمئة في آذار 2013، 30 بالمئة في نيسان 2015) مقارنة مع المشاكل الاخرى. ورغم أن الوضع الاقتصادي في الضفة معقول نسبيا، إلا أن هناك جيوبا من الفقر والضائقة موجودة في معظمها في مخيمات اللاجئين مثل جنين وبلاطة التي حدثت فيها في الفترة الاخيرة مظاهرات سميت بـ «انتفاضة الجوعى». خيبة الأمل التي تنتجها هذه الجيوب تصب باتجاه السلطة الفلسطينية وايضا باتجاه حماس وباقي القوى، كما يمكن ملاحظة ذلك في اقوال تاجر من نابلس نشر اقواله في موقع «واللا» في 17 نيسان 2015: «الجميع هنا يريدون جمع المال. وأنا أقول لك، بسبب الوضع الاقتصادي وبسبب الوضع الساسي، فانه من الأفضل لنا عدم وجود سلطة فلسطينية. كفى، ليُغلقوا هذه المصلحة، وليكن حكما عسكريا اسرائيليا لليهود، وسلامات. أو انتفاضة ثالثة. أنا أقول لك: جميع التنظيمات الفلسطينية بما فيها فتح وحماس، لصوص، فاليهود على الأقل لم يسرقوا منا الاموال».
ايضا الفلسطينيون الغير موجودين في ضائقة صعبة يقولون إن طموحهم الأساسي هو ضمان الوضع الاقتصادي. الكثير منهم من الشباب الذين يسميهم المجتمع الفلسطيني «الجيل الانتهازي» مقارنة مع الاجيال السابقة مثل «جيل النكبة» و»جيل الثورة». وبخلاف الالقاب السابقة فان اللقب الحالي يعكس الفردية، ويعكس ايضا عدم استجابة الشباب لنداء الوطن.
يمكن فهم التركيز على الجانب الاقتصادي كمحاولة لخلق الاستقرار والحياة الطبيعية، ومع ذلك فان الأولويات الجديدة تؤثر في حدوث تغيير في طابع المجتمع الفلسطيني، الذي كان في السابق مجتمعا مجندا، وعدم تدخل هؤلاء الشباب في السياسة، اغلبيتهم من الطبقة الوسطى ويحملون مواقف سياسية متنوعة، وهذا يؤثر على فرصة احداث التغييرات السياسية، لأن الشباب هم الذين يُحدثون التغيير، سواء في المجتمع الفلسطيني أو في المجتمعات الاخرى. بحث جديد نشره معهد «برسون مارتيلر» يشير إلى أن الطموح إلى الاستقرار الاقتصادي والابتعاد عن السياسة هو ما يميز اليوم ملايين الشباب في الشرق الاوسط. وهذه نتيجة مباشرة لليأس وخيبة الأمل من ثورات «الربيع العربي» التي اقترنت بالكثير من الآمال وتسببت بخيبات أمل شديدة، لا سيما في اوساط الجيل الشاب الذي قام بهذه الثورات. الخوف من تطورات مشابهة لتلك التي حدثت في الربيع العربي يؤثر على الشباب الفلسطيني، الذي يدرك تراجع أهمية الموضوع الفلسطيني لدى العرب على خلفية الكوارث التي يعيشها العالم العربي. هذا الشعور في مكانه: حيث أن اهتمام العرب بالموضوع الفلسطيني تراجع ويأتي في المكان الرابع بعد داعش والإرهاب والبطالة، في قائمة الامور التي تقلق أبناء المنطقة. ويضاف إلى هذه المخاوف، الخوف من عودة الاحداث الصعبة من الماضي الفلسطيني وعلى رأسها الانتفاضة الثانية التي يبدو أنها أثرت على الاجيال الفلسطينية التي لم تعشها، وبالتالي فان احتمالية انتفاضة اخرى، ضئيلة.
السبب الاخير لغياب الدافعية لدى الجمهور الفلسطيني لاحداث تغيير سياسي هو سلوك السلطة الفلسطينية التي لا تريد انتفاضة. الانتفاضة هي عبارة عن مفهوم مر بعملية نزع الصوفية على الأقل في نظر الكثيرين من رجال السلطة الفلسطينية الذين يعتبرون هذا المفهوم مرتبط بمحاولات حماس لضعضعة حكم السلطة في الضفة الغربية، ولأنهم يخافون من أن الانتفاضة الجديدة قد تخدم من ينتقدون السلطة في البيت الفلسطيني. في ظل وضع كهذا فان اجهزة امن السلطة تلعب دورا مركزيا في كبح التدهور، وهذا خلافا للدور الذي لعبته في تأجيج الانتفاضة الثانية.
نظرا لأن التغيير لا يلوح في الأفق، فان نتيجة التطورات التي تمت مناقشتها أعلاه هي الاحراج لدى اوساط كبيرة في الجمهور الفلسطيني الذي يريد حل الدولة الواحدة، ليس كخيار بل كأمر مفروض. صعود حلم الدولة الواحدة إلى البرنامج اليومي يعكس ضعف حلم الدولتين وعدم قدرة الاوساط الوطنية على تحقيقه. في المقابل، فان «المقاومة» العنيفة لحماس لم تثبت نفسها كاستراتيجية قادرة على تحرير فلسطين. إلى داخل الفراغ الفكري الذي خلفته القيادتين الفلسطينيتين تدخل أفكار بديلة. أحدها هو حلم إسلامي غير عنيف يطرحه منذ سنين زعماء مؤثرون في جنوب الضفة مثل أبو أكرم أبو اسنينة، الشيخ فريد الجعبري وعبد الوهاب غيث (ثلاثتهم رؤساء حمائل كبيرة)، إلى جانب زعماء سلفيين مثل الشيوخ أبو خليل التميمي، وليد أبو نجمة وموسى رشيد. هؤلاء الزعماء يقولون إنه نظرا لعدم امكانية تقسيم البلاد لاسباب دينية وغيرها، يجب العيش بسلام مع اليهود وانتظار المهدي.
هذه الافكار لا تتحرك في فراغ، كما تبين من كلام طالب من الخليل نشر في موقع «واللا» في 30 نيسان 2015: «اليهود والمسلمون عاشوا معاً مئات السنين… ما الحاجة لوجود دولة اسرائيل؟ وحسب الإسلام نحن ملزمون بالدفاع عن المسيحيين واليهود كما دافع النبي محمد عن جاره اليهودي».
مفترق الشرق الاوسط 10/6/2015
هرئيل حورب