في الجزائر… ماذا بعد الظفر بشهادة البكالوريا؟

حجم الخط
7

الحديث عن المنظومة التربوية في الجزائر تجف الأقلام في تحليله ولا يوفى حقه، لشدة تجذر مشاكله، ولعدة تراكمات إجتماعية وسياسية عرفتها الجزائر منذ الإستقلال إلى يومنا هذا. فقطاع التربية والتعليم شهد تغيرات جذرية خاصة في السنين الأخيرة، لم تلق ترحيبا في الوسط التربوي ولا الإجتماعي،عكس بصورة جلية مدى التدهور العام
وفشل ذريع على الأصعدة جميعها سواء بالنسبة للمعلم أو المتعلم أو الأولياء أو الوزارة الوصية على القطاع أو المنظومة السياسية ككل التي تنتهجها الدولة.
فأكثر القطاعات العمومية عرضة للإضرابات والإحتجاجات على مدى العام هو قطاع التربية، حيث تشهد كل سنة نقابات التربية والتعليم تصعيدا على مستوى الأطوار الثلاثة وإتهامات متبادلة بينها وبين وزارة التربية والتعليم وتوتر وإحتقان عام، لا يدفع ثمنه سوى التلميذ الذي يؤخذ كرهينة أو ورقة إبتزاز.في معركة إدارية لاناقة له فيها ولاجمل.
ويقبل ككل سنة يوم 7حزيران/يونيو في الجزائر أزيد من 850ألف مترشح لشهادة البكالوريا على مراكز الإمتحانات الموزعة عبر كامل التراب الوطني، في مختلف الشعب، في ظروف أقل ما يقال عنها أنها حسنة تسخّر فيها الدولة كل الإمكانيات المادية والبشرية لإنجاحها. لكن السؤال الذي يؤرق كل من التلاميذ والأولياء بعد كل ما سبق ذكره هو:ماذا بعد الحصول على شهادة البكالوريا؟ ولو قمنا بإستطلاع للرأي لوجدنا أغلب المترشحين لا يبحث إلاّ على التخصصات التي تضمن له التوظيف بعد التخرج من الجامعة وجل إهتماماتهم في حال الحصول على معدل جيد ينحصر في الطب والجيش والتعليم والهندسة والصيدلة.
فلا مجال للحديث عن مواهب التلاميذ وميولهم الفطرية، فمنذ السنة أولى ثانوي يتم تحديد مصير التلميذ حسب معدله في شهادة التعليم المتوسط، وكما هو الحال في جل الدول النامية تحظى الشعب العلمية بشعبية أكثر من الشعب الأدبية أو شعب التسيير والإقتصاد، فلا مجال للتنوع فالرئيس واحد والحزب المسير واحد والتوجه الرئيسي في التعليم واحد.
وكون التفاهم الضمني قائما بين المجتمع والمنطق الإداري «اذا جاز التعبير»، لماذا لا يتم التنسيق بين جل الهياكل الوصية على الطالب كونها «مصرّة» على تبجيل التخصصات العلمية دون غيرها وفتح التخصصات التي تلقى رواجا في سوق العمل فقط؟ لماذا يدرس الطالب علم البحار واللغة الروسية والألمانية والفنون الجميلة والسينما وهوتخصص إضطره المجموع الذي تحصل عليه لإختياره بكل تأكيد إلاّ القليل طبعا، ليتحول فيما بعد إلى عاطل عن العمل
في ألمانيا العلوم الإنسانية هي تخصص النخبة، بينما في الجزائر جل منتسبيها يدرسونها لوجود تخصص التاريخ الذي يفتح لهم مجال الحصول على وظيفة معلم إبتدائي إذا ما نجح في إجتياز المسابقة لاحقا؟ وقد وقفت على هذه الظاهرة بنفسي، أذكر عند إلتحاقي بقسم العلوم الإنسانية كان عددنا ما يقارب 500 طالب أو يزيد ندرس التاريخ والفلسفة ومدخل لعلوم الإعلام والإتصال وعلم المكتبات و مقاييس أخرى، جل الطلبة نحو ثلاثة أرباع القسم توجه لدراسة التاريخ؟ وقلة إختارت الصحافة والفلسفة وعلم المكتبات.
المشكل حقيقة نلمسه على المدى المنظور، فتجد أغلب الموظفين في القطاعات الحكومية أو الخواص في مختلف التخصصات يزاولون عملهم بملل منذ البداية، كون تخصصهم أملته عليهم الحاجة للعمل وليس الموهبة والميول والرغبة، لذلك يقل الإبداع والتميز وإبتكار الحلول والتنوع في الأفكار، فالطبيب يتغيب عن عيادته ساعات طوال والمعلم أعنف ما يلاقيه الطفل في بداية تحصيله المعرفي والصيدلة تحولت إلى دكان لبيع العقاقير يتكفل بها عامل بسيط لا يفقه شيئا في الكيمياء…… وغيرها
إنّ قطاعا هاما وحساسا كقطاع التربية والتعليم، على الجهات الرسمية والمسؤولة أن تعيره جلّ إهتمامها ولا تنفرد بالحلول لوحدها عليها إقامة جلسات تشاورية مع كل أطياف العاملين في القطاع من مستشارين واخصائيين متمرسين، ومشاركة أولياء التلاميذ وتقاسم الإهتمامات والتطلعات معهم، فهم الشركاء الأصدق والأعلم بحاجيات أبنائهم، والكف عن إستنساخ التجارب الغربية وإستخلاص حلول ناجعة من التجارب الطويلة السابقة المؤلمة حقيقة، أهدرت فيها طاقات ومواهب وميزانية طائلة أنفقت دون جدوى في تحسين مستوى التحصيل العلمي للأسف لغياب الرؤية والحس العالي بالمسؤولية من جميع الأطراف، فلا مجال للعبث مجددا بخزان الوطن الحقيقي الذي يقوم عليه مستقبل البلاد والعباد.
كل التوفيق والنجاح نتمناه لممتحني شهادة البكالوريا المجتهدين، وكل الفرح والسرور للأولياء الذين يجتازون هذا الإمتحان هم بدورهم بكل أحاسيسهم وعواطفهم.

منى مقراني- الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية