«القدس العربي» تستطلع آراء 4 باحثين
الرباط-«القدس العربي»: شكّل القرار الأممي رقم 2797، نقطة تحول رئيسية في نزاع الصحراء الغربية الذي دام زهاء نصف قرن. فقد صادق مجلس الأمن الدولي بالأغلبية المطلقة (11 دولة مقابل امتناع 3 عن التصويت) على الاقتراح الذي تقدمت به واشنطن والمتمثل في تأييد المشروع المغربي بمنح أقاليم الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
وجاء هذا القرار متزامنا مع الاحتفال بما يطلق عليه في المغرب «المسيرة الخضراء»، الحدث الذي يؤرخ لذكرى خروج إسبانيا، سنة 1975، من الصحراء الغربية بعد مسيرة سلمية شارك فيها 350 ألف متطوع ومتطوعة. ويرى مراقبون أن هذه «المسيرة» تواصلت بصيغ أخرى على امتداد خمسين سنة، من خلال أعمال تنموية واقتصادية كبرى، توجت بمشروعات ذات أبعاد أفريقية ودولية، من ضمنها «ميناء الداخلة الأطلسي» الذي سيكون بمثابة بوابة لدول الساحل الأفريقي ـ غرب القارة ـ نحو المحيط الأطلسي، وكذا «الطريق السيار» الرابط بين تزنيت والداخلة على امتداد مسافة تفوق ألف كيلومتر، وكذا مشروعات الطاقة الريحية والهيدروجين الأخضر وتحلية المياه، علاوة على برامج تطوير القطاعين السياحي والزراعي.
بعد القرار الأممي الجديد في شأن الصحراء، تُطرح تساؤلات حول الآفاق المستقبلية لهذه المنطقة، وكذا حول مآل العلاقات المغربية الجزائرية، في ضوء تنامي أحاديث عن وساطة أمريكية بين البلدين. «القدس العربي» نقلت هذه التساؤلات إلى أربعة باحثين مغاربة، فجاءت تصريحاتهم على النحو التالي:
الباحث عبد الهادي مزراري: طي صفحة الماضي
منذ صدور قرار مجلس الأمن الدولي 2797 بشأن ملف الصحراء في 31 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، تتواصل ردود الفعل الوطنية والإقليمية والدولية، مسجلة التحول الكبير في مسار القضية التي ظلت مفتوحة للنقاش في المنظمة الدولية لأكثر من خمسة عقود.
وطنيا، اعتبر المغرب، ملكًا وشعبًا، القرار الجديد انتصارا تاريخيا يفصل ما قبل 31 أكتوبر عمّا بعده، وذلك بفضل تبني مجلس الأمن الدولي المقترح المغربي بمنح إقليم الصحراء حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية.
مباشرة بعد صدور القرار الدولي، ألقى الملك محمد السادس خطابا إلى الشعب المغربي، وهو خطاب النصر الذي قدمه في طبق من التواضع بمقياس «لا غالب ولا مغلوب»، موجها الرسالة الأولى إلى سكان المخيمات باعتبارهم مغاربة للعودة إلى الوطن والمشاركة في البناء والتنمية، والرسالة الثانية إلى الجزائر الراعي الوحيد لجبهة البوليساريو، للجلوس حول طاولة الحوار وطي صحفة الماضي من أجل بناء الاتحاد المغاربي.
اعتبر المغرب القرار الجديد انتصارا لخيار وحدته الترابية، لأنه جعل مبادرة الحكم الذاتي السكة التي يتعين أن يسير عليها قطار المفاوضات، وأن السيادة المغربية على الصحراء هي محطة الانطلاق، وأن التوصل إلى اتفاق نهائي هو محطة الوصول.
إقليميًا، عبّرت الجزائر عن استيائها من أول وهلة بعد صدور القرار، وللصدفة العجيبة أن دورة مجلس الأمن الحالية تزامنت مع تولّي الجزائر مقعدا غير دائم داخل المجلس. اختار مندوب الجزائر الانسحاب من عملية التصويت، ولم يكن بمقدوره التعبير لا بالرفض ولا بالقبول ولا حتى بالامتناع، لأن مشروع القرار رغم التعديلات التي أجريت عليه ظلّ صلبا وحصل على إجماع غير مسبوق داخل المجلس 11 صوتا مؤيدا، و3 أصوات ممتنعة، وصفر صوت معارض، وصوت واحد منسحب.
بدورها، عبّرت جبهة البوليساريو عن سخطها، خاصة بعد مهاجمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وجاء موقفها تحت الصدمة منسجما مع الموقف الجزائري.
ثمة إشارات غير مطمئنة ظلّ الطرفان (الجزائر والبوليساريو) يبعثان بها باتجاه رفض قرار مجلس الأمن الدولي، وكان وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف في المقابلة الصحافية التي أجراها، الأسبوع المنصرم، أكثر ميلا لإدانة القرار، ولم تخف عباراته الدبلوماسية شعوره بالصعوبة التي ستواجه بلاده في المستقبل.
هناك تلويح بالعودة إلى حمل السلاح، كما جاء على لسان زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي. لكن الأمر يبدو شبه مستحيل في ظل بنود القرار 2797، التي تنص على ضرورة الإسراع ببدء المفاوضات التي تضم كافة الأطراف وهي المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا.
سيكون عملا انتحاريا إذا سمحت الجزائر لجبهة البوليساريو بشن الحرب انطلاقا من أراض تقع تحت سيطرتها، سيكون ذلك بمثابة إعلان حرب على قرار مجلس الأمن الدولي. ولعل الجزائر تدرك خطورة الأمر وتبعاته السياسية والأمنية التي ستضعها حتما تحت طائلة العقوبات.
دوليًا، توالت الردود الإيجابية بدعم قرار مجلس الأمن، وعبّرت الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا وعدد كبير من الدول العربية والأفريقية عن تأييدها للقرار الجديد. وتوصل القصر الملكي في الرباط برسائل من عدد من الزعماء يقدمون فيها التهنئة إلى جلالة الملك محمد السادس.
إن أول إشارة يمكن استخلاصها من الدعم الدولي للقرار 2797، هو رغبة المنتظم الدولي في طي ملف نزاع الصحراء، لقد ظلت هذه القضية تدور في حلقة مفرغة حتى قدّم المغرب مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في 2007، وعمل على إقناع الدول وهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن بصواب مبادرته.
يحتاج تطبيق القرار إلى موافقة جميع الأطراف، وبطبيعة الحال يجب أن يحصل ذلك الاتفاق عن طريق المفاوضات، وهنا ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية وبصفة خاصة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – كما جاء ذكر اسمه في قرار- بدوره في إنجاح تطبيق القرار إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي.
بالنسبة لواشنطن وتحديدا الرئيس ترامب، هو يعلم جيدا أن الجزائر تدعي أنها ليست طرفا في القضية ويعلم كذلك أنها تمسك عصا البوليساريو من الوسط. ولذلك فإن ثمة أمورًا وضعها الجانب الأمريكي في الحسبان، وسيعرف كيف يتصرف عندما يكون أمام موقف جزائري متصلب.
ربما لسنا أمام وساطة أمريكية، بقدر ما نحن أمام دور محدد لواشنطن بموجب قرار من مجلس الأمن للتعامل مع أزمة مركبة من عدة أطراف وليس من طرفين، ولدينا إجماع دولي على ضرورة وضع حد للعبث في منطقة عانت من الجمود.
المحلل السياسي
حميد جماهري:
الانتقال إلى أخوة الجغرافيا
يمكن القول إن القرار الأممي الأخير (بالرغم من محاولات الدخول في معركة حول التأويل) قد حسم عقدة الملف والمتعلقة بالسيادة المغربية على الصحراء. وهي التي كانت موضوع منازعة قانونية وسياسية على المستوى الدولي، منذ الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في تشرين الأول/اكتوبر 1975. وبدون العودة الى تفاصيل ذلك، نستطيع القول إن المنتظم الدولي، قد حسم تطابق الشرعية الدولية مع الحق المغربي بشكل واضح، وسد ثغرة التأويل التي كلفت المنطقة، وفي قلبها الشعب المغربي 50 سنة من النزاع والمآسي والشقاق، وصارت السيادة وتقرير المصير عن طريق الحكم الذاتي وصفة الحل الذي كان للمغرب في اقتراحه الدور المركزي. وفي سياق هذه الروح الإيجابية يمكن أن نقرأ المستقبل المغاربي في ضوء العلاقات المغربية الجزائرية. ومن هنا اعتقد بأن هناك ثلاثة مسارات مفتوحة:
– المسار الدولي متعدد الأطراف، وذلك انطلاقا من القرار الصادر عن مجلس الأمن نفسه، 2792، والذي حدد الأطراف التي يجب أن تشرع في المفاوضات النهائية للحل وهي المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو. وهذا المسار محكوم بقواعد أممية، ويمكن أن يكون منتجا إذا ما استحضرنا أن القرار نفسه، سعى الى تأمين هذه المشاورات من خلال الدعوة الصريحة إلى وقف أية أعمال عدائية تنتهك وقف إطلاق النار، ثم من خلال التحذير من أية عرقلة للمسار السياسي في عملية بناء الحل.
ـ المسار الثلاثي، المغربي الجزائري الأمريكي، الذي يرتبط بتصريحات صدرت عن المبعوث الشخصي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف بحضور جاريد كوشنير، وما أعقبها من تصريحات صادرة عن كبير مستشاري الرئيس لقضايا الشرق الأوسط وأفريقيا، والتي تبنت المبادرة، وربطتها بمجريات الحل حول الصحراء.
والواضح أن هذا المسار سيكون محكوما بأجندة القوة العظمى، بالدرجة الأولى، وقد يشكل بابا مفتوحا للطرف الجزائري، لضمان دور في المنطقة، لا سيما بعد تدهور العلاقات مع روسيا في القضايا التي تهم الجوار الملتهب للجزائر (مالي، النيجر، ليبيا) والخلاف حول تدبير أزمة البترول والغاز مع أوروبا على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية… إلخ، وبعد التباين الكبير في الموقف من القرار الأممي الأخير نفسه (امتناع روسيا بدون استعمال حق الفيتو، عدم مشاركة الجزائر في التصويت) ويمكن أن يكون حاسما في تحديد سقف زمني معلن للخروج من وضعية «السلام المسلح».
ـ المسار الثاني مسار ثنائي: مغربي جزائري وفيه يمكن أن نستحضر التاريخ واللغة والنضال المشترك إلخ… ولا شك أن الرأي العام تابع بأن الدعوات التي وجهها ملك المغرب إلى القادة في الجوار الشرقي لبلاده، ظلّت بدون رد، إن لم نقل كانت محط تنمّر ومزايدة. لكن، يبقى أن أفضل عرض سياسي لتجاوز «السلام المسلح» بين البلدين هو الذي قدمه ملك المغرب في سنة 2018… وهو عرض شبه مفصل، عبر تشكيل آلية مشتركة للنظر في كل القضايا العالقة بين البلدين، ترك العاهل المغربي للجزائر وقيادتها، حرية اقتراح تشكيلتها وتسمية التمثيلية فيها وجدول أعمالها وغير ذلك من العناصر الضرورية لتفعيلها، وأولها قضية الحدود بين البلدين التي لم يتم تجاوزها منذ ستينيات القرن الماضي، وقضية احترام السيادة ووقف التنافس دوليا وإقليميا. وسيكون قادة الجزائر في موعد مع التاريخ إذا هم أنصتوا إلى الجغرافيا التي تجعل البلدين محكوم عليهما بالتفاهم والخروج من منطق الجفاء. اننا نعني دعوة للانتقال من أُخوَّة التاريخ بما تحبل به من وحدة اللغة والدين والهوية النضالية المشتركة، والتي تود عاجزة عن تطويع الوضع الحالي، إلى أخوة الجغرافيا، بما تعنيه من قدر جيوسياسي وجيوـ اقتصادي، كان وراء بناء كل تجارب التكتل الناجحة في العالم.
الباحثة والإعلامية خديجة الكور: الواقعية السياسية
تُظهر التطورات الأخيرة أن قضية الصحراء دخلت مرحلة تسيطر فيها الواقعية السياسية والجيوستراتيجية على الأيديولوجيا. يواصل المغرب تعزيز مكاسبه الإقليمية والدبلوماسية من خلال استراتيجية التنمية والاندماج الإقليمي، بينما تتجه المجتمعات الدولية نحو الحلول العملية المرتكزة على الاستقرار والتنمية المشتركة. ويعتمد مستقبل العلاقات المغاربية ونجاح الوساطة الأمريكية على قدرة الأطراف على الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التعاون، استنادًا إلى مصالح استراتيجية مشتركة، وتكامل اقتصادي، وسلام دائم في المنطقة.
يشكّل التقرير الأخير لمجلس الأمن الصادر في تشرين الأول/أكتوبر 2025 بموجب القرار رقم 2797 محطة حاسمة في معالجة المجتمع الدولي لقضية الصحراء المغربية. فقد تمّ تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة «المينورسو» مع التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تمثل الحلّ الأكثر جدية وواقعية للتوصل إلى تسوية نهائية. هذا الاعتراف يعكس تحوّلًا نحو الواقعية السياسية والدبلوماسية العملية، حيث أصبح خيار الاستفتاء التقليدي لتقرير المصير ثانويًا أمام المعطيات السياسية والاقتصادية والجيوستراتيجية.
وعزز المغرب حضوره في الأقاليم الجنوبية من خلال مشاريع استراتيجية ضخمة، مثل ميناء الداخلة الأطلسي، والمناطق الصناعية واللوجستية بالعيون، والاستثمارات الكبرى في الطاقات المتجددة. وعلى الصعيد الجيوستراتيجي، أصبحت الصحراء محورًا أساسيًا للاستقرار الإقليمي، مرتبطًا مباشرة بالتحديات الأمنية في الساحل، والتنافس بين القوى الكبرى على النفوذ في أفريقيا، وتأمين الممرات الطاقية لأوروبا. إن استقرار الصحراء المغربية يمثل اليوم أداة استراتيجية للحدّ من تأثير الجهات الخارجية وتقليل جدوى خطاب الانفصال.
وتتمثل السيناريوهات المحتملة في: السيناريو الأول تعزيز الحكم الذاتي المغربي، حيث يصبح المخطط المغربي للحكم الذاتي قاعدةً للتفاوض على الأرض، مع تعزيز الإدارة المحلية والمؤسساتية في الأقاليم الجنوبية واستمرار الاستثمارات الاقتصادية. يضيق هذا السيناريو هامش المناورة أمام جبهة البوليساريو والجزائر، ما يدفعهما إلى قبول الواقع الفعلي ضمن الإطار المغربي. هذا السيناريو مدعوم بالتحولات الدبلوماسية الدولية والمنطق الاقتصادي والجيوستراتيجي الذي يعزز الاستقرار.
السيناريو الثاني استمرار الوضع الراهن: يواصل المغرب إدارة الأقاليم الجنوبية، وتبقى «المينورسو» كمراقب، بدون إحراز تقدم سياسي. يظل البوليساريو والجزائر متمسكين برفض المبادرة، ما يحافظ على النزاع في حالة ركود بدون تصعيد كبير.
السيناريو الثالث تجدد التصعيد: قد يلجأ البوليساريو والجزائر إلى زيادة الضغوط السياسية أو العملياتية، ما قد يستدعي ردودًا مغربية أكثر صرامة وتدخلًا دوليًا محتملًا. هذا السيناريو قائم على إحباط الأطراف من غياب الحل الدائم، لكنه أقل احتمالًا مقارنة بتعزيز المغرب لمواقعه السياسية والاقتصادي.
وتشكل قضية الصحراء محورًا رئيسيًا في العلاقات المغربية ـ الجزائرية منذ عقود، وتُعرف بوجود تنافس جيوسياسي مستمر يتمثل في صراع حول النفوذ، السيادة، والأمن الإقليمي. منذ قطع العلاقات الدبلوماسية في 2021، يعيش المغرب والجزائر حالة من الحرب الباردة حيث يسعى المغرب لتوسيع انفتاحه الاقتصادي وعلاقات التعاون الإقليمي، بينما تتبنى الجزائر موقفًا أيديولوجيًا داعمًا للبوليساريو، مستغلة القضية لتعزيز شرعيتها الداخلية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
جيوستراتيجيًا، يؤدي إغلاق الحدود والتنافس في منطقة الساحل إلى تكريس التوتر الإقليمي، في حين تبقى المصالح المشتركة في الطاقة، اللوجستيك والأمن تفرض مراقبة مستمرة بين الطرفين. وفي هذا الصدد، يطرح سيناريو أول محتمل يتمثل في تقارب تدريجي تحت وساطة خارجية (الأمم المتحدة، الولايات المتحدة، شركاء أوروبيون وعرب وأفريقيون)، ويتم إعادة فتح قنوات التواصل، وفتح الحدود جزئيًا، وإطلاق مشاريع اقتصادية مشتركة. تبقى قضية الصحراء في الخلفية، بينما يبدأ بناء الثقة تدريجيًا، ويعزز هذا السيناريو الاستقرار الإقليمي والاستجابة للضغوط الدولية.
بخلاف ذلك يطرح سيناريو ثان استمرار التجميد، فتظل العلاقات مقطوعة والحدود مغلقة، ولا يوجد تعاون سوى الحد الأدنى، مع بقاء قضية الصحراء نقطة خلاف مركزية من دون تصعيد عسكري أو سياسي. ويقود ذلك إلى سيناريو ثالث يتجلى في تدهور مع تصعيد محتمل، فقد تزيد الجزائر من دعمها السياسي أو اللوجستيكي للبوليساريو، أو تتبنى خطابًا عدائيًا، ما قد يستدعي ردة فعل مغربية صارمة ويؤدي إلى تصعيد إقليمي محتمل. هذا السيناريو قائم على التوترات الأيديولوجية وصعوبة التوصل إلى تسويات، رغم التكاليف الاقتصادية والاستراتيجية العالية. أما بخصوص مشروع الوساطة الأمريكية، فيمكن القول إنه منذ اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء عام 2020، أبدت واشنطن رغبتها في لعب دور الوسيط بين المغرب والجزائر. وتهدف الوساطة الأمريكية إلى تحقيق ثلاثة أهداف استراتيجية: استقرار شمال أفريقيا، تأمين الممرات الطاقية، والحدّ من النفوذ الروسي والصيني في المنطقة. وترتكز الوساطة على مقاربة تدريجية، تشمل استعادة الحوار، تشجيع مشاريع اقتصادية مشتركة، وإدراج قضية الصحراء ضمن إطار تفاوضي دولي تحت إشراف الأمم المتحدة.
وتطرح هذه الوساطة، بدورها، ثلاثة سيناريوهات محتملة، أولها نجاح جزئي: تحقق الوساطة نتائج تقنية ورمزية، مثل إعادة فتح جزئي للحدود، مشاريع اقتصادية مشتركة، وإرساء آليات بناء الثقة، بدون حل شامل لقضية الصحراء. هذا السيناريو يتيح للأطراف كسب الوقت وتهيئة الظروف للتفاوض المستقبلي.
وعلى العكس من ذلك يؤول السيناريو الثاني إلى فشل الوساطة: ترفض الجزائر أي وساطة تُنظر إليها على أنها منحازة، ويتمسك المغرب بخطوطه الحمراء، ما يؤدي إلى جمود الوساطة في الإطار الدبلوماسي من دون نتائج ملموسة.
أما السيناريو الثالث فيمكن أن يتجسد في وساطة متقدمة نحو حل شامل: يشمل إطارًا متعدد الأطراف بمشاركة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والشركاء الأوروبيين والعرب، يؤدي إلى حل سياسي متوازن: حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية، التزام الجزائر والبوليساريو بوقف الأعمال العدائية، واستئناف تدريجي للعلاقات المغربية الجزائرية. هذا السيناريو، رغم صعوبته، يمثل الخيار الأكثر استدامة لاستقرار المنطقة والتنمية المشتركة. وتشكّل قضية الصحراء المغربية اليوم اختبارًا دبلوماسيًا وسياسيًا واستراتيجيًا للمغرب. لتحقيق النجاح والفوز بهذا الرهان، يتوجب على المغرب تبني استراتيجية شاملة تجمع بين التنمية الداخلية، والدبلوماسية الفاعلة، والتحالفات الإقليمية، والإدارة الذكية للأبعاد الجيوستراتيجية والإعلامية.
ويكمن النجاح المغربي في الدمج بين القوة الناعمة (التنمية، والشرعية الشعبية، والحكم الذاتي الفعّال)، والقوة الصلبة (الأمن، والمشاريع الاستراتيجية، والقدرة على ضبط الوضع الميداني)، والدبلوماسية الذكية والإعلام الدولي الفاعل. هذا المزيج يمكّن المغرب من تحويل الحكم الذاتي إلى نموذج عملي للسلام والتنمية، مع تعزيز مكانته الإقليمية والدولية وضمان استمرار الدعم الدولي والإقليمي لموقفه.
الباحث إدريس الكنبوري:
من أجل «براغماتية» أكبر
مما لا شك فيه أن قرار مجلس الأمن الذي تبنى مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء حدث تاريخي، لأنه طوى ملفا ظلّ عالقا لمدة نصف قرن داخل أروقة الأمم المتحدة وتناوب عليه عدد من الأمناء العامين للمنظمة منذ منتصف السبعينات من القرن الماضي، ووضعت له مبادرات واقتراحات عدة للحل بدون أن يحظى أي منها بالقبول، وكان أبرزها خيار الاستفتاء الذي فشل بسبب الخلافات بين المغرب وجبهة البوليساريو حول إحصاء سكان المناطق الصحراوية، فنحن أمام أقدم الملفات السياسية في العالم العربي إذا أدخلنا في الاعتبار أن مشكلة الصحراء مطروحة منذ الاحتلال الإسباني لشمال المغرب في بداية القرن الماضي، نصفه قضاه المغرب في المطالبة بحقوقه التاريخية أمام الأمم المتحدة بعد زوال الاستعمار.
ولكن قرار الأمم المتحدة ليس نهاية المشوار بالنسبة للمغرب، فهو يشير فقط إلى أن مبادرة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007 هي الإطار الناجع والأنسب لحل النزاع، ويترك الباقي للمفاوضات والمناقشات بين المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، أي أن المغرب لم يقطع مسافة الألف ميل. وسوف تنصب هذه المفاوضات على مفهوم وطبيعة الحكم الذاتي وحدود صلاحياته ومستقبل جبهة البوليساريو وعلاقة الحكم الذاتي بالسلطة المركزية في الرباط، وسوف يختبر كل طرف قدرته على الإقناع والدفاع عن تصوره لما يراه حكما ذاتيا، وهذا يتطلب جهدا من المغرب وبراغماتية أكبر، خصوصا وأن مجلس الأمن منح فرصة زمنية لا تتعدى سنة للتوصل إلى حل.
غير أن مجلس الأمن لم يضع مخططا لما بعد تلك المهلة الزمنية، وهنا يمكن طرح تساؤل حول احتمال لجوء البوليساريو ومن ورائها الجزائر إلى المناورة خلال المفاوضات من أجل إحراق تلك المهلة ووضع مجلس الأمن أمام واقع جديد، فهذا سيناريو يظل واردا، وإن كانت الإدارة الأمريكية أكدت أنها ستقوم بدور الوساطة بين المغرب والجزائر، وإذا نجحت هذه الوساطة فهذا يعني تقليص فرص البوليساريو في المناورة. وقد وجه الملك في خطابه الأخير بهذه المناسبة دعوة إلى الجزائر للحوار، وأعتقد أن هذه الأخيرة سوف تستجيب لهذه الدعوة بالنظر إلى الوضع الجديد وتأييد مبادرة الحكم الذاتي من لدن القوى الدولية الكبرى ما حشر الجزائر في زاوية ضيقة.
ليس معروفا حتى الآن ما هي طبيعة الوساطة الأمريكية وما هو العرض الذي ستقدمه الإدارة الأمريكية للجزائر ويحظى بموافقة المغرب، فالجزائر انخرطت في دعم جبهة البوليساريو مدة نصف قرن، وكانت تعتبر النزاع جزءا مهما من سياستها الخارجية، وقضية الصحراء بالنسبة لها ليست قضية شعب صحراوي أو جبهة البوليساريو، لأن هذه الأخيرة كانت مجرد شماعة لتعليق المصالح الخاصة للجزائر، فالنظام الجزائري كان يبحث من خلال مشكلة الصحراء عن توسيع دوره الإقليمي وعن منفذ على المحيط الأطلسي، أي أن لديه مصلحة اقتصادية وجيوـ سياسية من وراء هذه القضية، وبالتالي يصعب عليه التخلي عن هذه المصالح دفعة واحدة إذا رأى أنه سيخسر اقتصاديا واستراتيجيا في المستقبل. وقد أبدت الجزائر رفضها لقرار مجلس الأمن وإن كانت قاطعت التصويت عليه، كما رفضته جبهة البوليساريو. وأعتقد أن هذا الرفض هو تكتيكي فقط بهدف الحصول على مكاسب أكبر، طالما أنهما يعرفان بأن الولايات المتحدة الأمريكية تقف وراء دعم مبادرة المغرب، إلى جانب روسيا وفرنسا وإسبانيا.
ولذلك، أعتقد أن المغرب سيدفع في اتجاه إحياء المشروع المغاربي الذي أخفق في تحقيق أهدافه منذ تأسيسه نهاية الثمانينات من القرن الماضي، فهذا هو المشروع الوحيد الذي يمكن أن يخرج الجزائر من عزلتها وأن يحقق لها أهدافها الاقتصادية في إطار التكامل المغاربي كما كان مطروحا قبل ثلاثة عقود، كمشروع إقليمي يتضمن إنشاء سوق مغاربية مشتركة وحركة التنقل للمواطنين وشراكة اقتصادية واندماج بين بلدانه.