بلدة وادي شحرور اللبنانية موطن القصور الأثرية

ناديا الياس
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: واحدة من أجمل القرى والبلدات في لبنان، موطن الشحرورة صباح، بلدة التراث الثقافي الغني والتاريخ العريق، بلدة الموال والعتابا والزجل والفن والفكر والشعر وبحّة دف الزجالين، إنها وادي شحرور البلدة الجميلة بتراثها وطبيعتها الخلابة وخيرات أراضيها ووفرة ينابيعها الصافية العذبة ولطافة وكرم أبنائها، عاشت عصرها الذهبي في عهد الأمير فخر الدين الذي شجع أبناءها على التجارة والصناعة والزراعة. زيارتها والحديث عنها متعة دائمة لا تتوقف لاستكشاف عظمة طبيعتها التي تسرق النظر والقلوب والتعرف على تاريخها ومعالمها ورجالاتها الذين أغنوا المكتبات الفنية والسياسية والأدبية والشعرية كل بحسب مجاله.

موقعها وتسميتها

تقع وادي شحرور في قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان وسط غابات الصنوبر والسنديان، وهي تقسم إدارياً إلى قسمين وادي شحرور العليا ووادي شحرور السفلى، ولكل قسم بلدية مسؤولة عنه، وتبعد عن العاصمة بيروت نحو 15 كلم وترتفع عن سطح البحر بين 140 و240 متر وتبلغ مساحتها حوالي 3 ملايين متر مربع، تحيط بها بلدات بدادون وحومال وبليبل من الشرق وكفرشيما والمرداشة من الغرب، وبسوس وحارة الست من الشمال، أما من الجنوب فتحدها بليبل وبسابا.
تعود تسمية وادي شحرور إلى أصل سرياني-سامي وهو «شحر» ويعني السواد والظلمة والعتمة، ولكن ثمة من يخالف هذا المعنى ويرده عربياً إلى كلمة «مشحرر» المشتقة من حرر ومعناها أعتق، وأما سكان البلدة فيعزون تسمية بلدتهم إلى كثرة عصافير الشحرور في الوادي، ويقال أيضاً انها وادي الشحر أي الوادي الأسود حيث كان يتم تصنيع الفحم فيها بكثرة.

تاريخها وآثارها

بدأ تاريخ بلدة وادي شحرور بالبروز منذ أن استوطنها الأمراء الشهابيون منذ أكثر من 400 سنة، فبنوا فيها قصورهم التي ما زالت موجودة إلى اليوم، وآخر الأمراء الشهابيين الذين سكنوا البلدة هو الأمير شفيق محمود شهاب، ونُسبت أحياء ومنازل كثيرة في البلدة بأسماء الأمراء الشهابيين نسبة إلى موقع قصورهم التي أقاموا فيها في البلدة ومنها على سبيل المثال: دار المير قيس، دار المير سليم، دار المير علي، دار المير كميل، ودار حليما.
أما الحارات والأحياء فهي حارة الفغالية، حارة التين، حارة الروم، حي النبع، حي الشختور، حي الحمي، وحي مار تقلا نسبة إلى دير مار تقلا الأثري الذي بناه الأمراء وهو بات اليوم صرحاً دينياً في عهدة الرهبانية اللبنانية المارونية التي تسلمته من الأمير علي شهاب في عام 1788، وحارة الست التي تعود تسميتها بناء على قصة حقيقية يرويها سكان البلدة وتعود إلى نحو 250 عاماً عندما تزوج أمير شهابي من وادي شحرور من الست شمس وهي سيدة تسكن في الناحية الأخرى من النهر، وبعد فترة مرض هذا الأمير، فلم تدع الست شمس أحداً من أقاربه يدخل لزيارته، بل راحت تستقبل أهلها وعشيرتها، وتفاخر أمامه بمدى حب أهلها له، وعدم مبالاة أهله به. فلم يسع هذا المير إلا ان كتب بإسمها كل أرزاقه وحرم أهله منها، فعرفت هذه المنطقة منذ ذلك الوقت بـ«حارة الست».
وحسب المؤرخين ومراجعهم التاريخية، فقد ذُكِر الأمير حسن الساكن في قصر في وادي شحرور والذي تولى الإمارة في لبنان بدلاً من الأمير بشير الشهابي في 2 آذار/مارس من عام 1820 في كتاب «تاريخ الأمير حيدر الشهابي»، ويشير المؤرخ فيليب حتي في كتابه «تاريخ لبنان» إلى أنه «عندما حصلت ثورة في انطلياس دعيت بالعامية عام 1820، لأن الناس لم يعد بإمكانهم دفع الضرائب لتغطية مطالب الجزار، فتخلوا عن الأمير بشير، وراحوا ينادون بحَسَن الشهابي أميراً للبنان»، أما المؤرخ كمال الصليبي فيتناول في كتابه «تاريخ لبنان الحديث» أنه عندما عجز الأمير بشير الثاني عن جمع الضرائب لصالح الجزار، والقضاء على العصيان الذي عمّ البلاد، تنازل عن الإمارة، وغادر البلاد إلى حوران فصدر أمر الوالي عبد الله باشا بتعيين حسن شهاب القاطن في وادي شحرور خلفاً له.
وعرفت وادي شحرور نمواً سكانياً ملحوظاً في عهد الأمير فخر الدين حين حصلت موجة من الالتحام بين أهل جبل لبنان، وحصل اختلاط شعبي بين مختلف المناطق، وراح أهل الوادي الذين كانوا يعملون لدى الأمراء يشترون الأراضي شيئاً فشيئاً فاستملكوا البلدة، وازدهرت وأصبحت نسيجاً شعبياً متجانساً.
ومن العبارات التي تروى في البلدة عبارة «يا حيف يا مير» وهي تعود إلى واقعة حصلت في عهد الأمير بشير الشهابي الثاني، إذ قام أمير شهابي يسكن في وادي شحرور العليا يدعى محمود شهاب بحفر نبع ماء في البلدة وهي عين الشومرية، ودعا المير بشير إلى تدشينها، وهذه العين غزيرة جداً شتاءً وصيفاً وقد بنيت على ضفاف بركتها طاحونتان كانتا تؤمنان متطلبات البلدة والجوار من الطحين.
ويقال إنه عندما دشن المير بشير هذه العين الغزيرة التفت إلى الأمير محمود الشهابي قائلاً: «يا حيف عليك يا مير. كان يمكن تخرّ المي بدارك، وبعدين تتوزع عالناس».

مشاهير البلدة

اكتسبت بلدة وادي شحرور شهرة واسعة بفضل نخبة من أبنائها ذاع صيتهم في عالم الفكر والفن والمسرح والثقافة والزجل والإعلام، في طليعتهم الشحرورة صباح التي ولدت في وادي شحرور في العاشر من شهر تشرين الأول/اكتوبر واسمها الحقيقي جانيت جرجس الفغالي. أحبت بلدتها وادي شحرور حتى الرمق الأخير فهي نشأت فيها وترعرت في أزقتها وأحيائها ودروبها، وتغنت بسحرها وطيبة أهلها في عدد من أعمالها ومنها أغنيتها الشهيرة «راجعة على ضيعتنا وعلى الأرض اللي ربتنا».
تركت الشحرورة صباح إحدى أيقونات الفن العربي إرثاً فنياً تلفزيونياً وسينمائياً ومسرحياً كبيراً خلّدها كأسطورة في المجال الفني على مر العصور، ففي رصيدها حوالي 3500 أغنية، من بينها أغاني المهرجانات والأفلام والمسرحيات، و85 فيلماً و27 مسرحية، وكانت من بين أوائل المغنين العرب الذين وقفوا على خشبات المسرح العالمي في أولمبيا في باريس وقاعة كارنيغي في نيويورك وقاعة ألبرت الملكية في لندن ودار الأوبرا في سيدني.
ويكّن أبناء البلدة محبة عارمة لصباح التي عاشت طفولتها في أرجاء البلدة، وتقول إحدى السيدات المعمّرات في البلدة إن معظم عائلة صباح كانت تتميز بصوتها الجميل جداً، فجدها الخوري لويس الفغالي كان يتميز بصوت جميل وقوي للغاية، مشيرة إلى أنه عندما كان يحتفل بالذبيحة الإلهية كان صوته يعلو ويرتفع ويصل إلى بلدة بسوس المجاورة. كما أن عم صباح شحرور الوادي هو رجل معروف أيضاً، فهي عاشت معه سنوات طفولتها الأولى وحفظت بعض أشعاره، وكان صوتها منذ الصغر قوياً وجميلاً فكانوا يدفعون لها الأموال كـ «برطيل» حتى تقول «أبو الزلف».
ومن بين الرجالات البارزة التي أعطتها وادي شحرور، المسرحي الريادي اللبناني والعربي الحديث الراحل أنطوان ملتقى «عاشق شكسبير» وزوج الفنانة لطيفة شمعون، الذي اشتهر بتمثيله وإخراجه المسرحي والسينمائي والتلفزيوني، وهو قدّم مسرحية «الزير» لفولتير في عام 1950 في بلدته وادي شحرور وهي أول مسرحية متكاملة من إخراجه وتمثيله، وقدّم في الجامعة مسرحية «ماكبث»، فأخرجها ومثل الدور وكان إخراجه يومذاك متأثراً بالسينما. ومن أشهر أدواره التلفزيونية الراسخة في ذاكرة الجمهور التي أداها في مسلسل «10 عبيد زغار» إلى جانب زوجته لطيفة ملتقى في عام 1974 عبر تلفزيون لبنان. ومن أبرز الفنانين أيضاً لميا الفغالي شقيقة صباح وهي ممثلة راحلة قدمت العديد من الأعمال التلفزيونية والإذاعية لبنانياً وعربياً، وبرعت في أدوارها التي جسدتها ولاسيما منها أدوار الأم.
وهناك أيضاً الظاهرة باسم فعالي الذي اشتهر بتقليد أهم الشخصيات وأبرزها شخصية وصوت الفنانة صباح، فهو يعتبر واحداً من قلة نادرة تمتلك موهبة التقليد والغناء والتمثيل، مما أفسح في المجال لترجمة ذكائه وقدراته الإبداعية ليذهب إلى الحد الأقصى متوغلاً في شخصية الذي يقلده، كما انه يسلط الاهتمام على تفاصيل تثير الدهشة من خلال ادخال صوت المطرب وتنفيذ حركاته الحية وانفعالاته، واستعمال الاكسسوارات ليصبح حضوره طاغياً على كل شخصية وفي كل مشهد من أعماله.
وإلى جانب الفن والتمثيل برزت أسماء لامعة ومهمة في عالم الصحافة والأدب ومن بينهم سليمة ابي راشد، أول أديبة من الشرق في المهجر، أسست جريدة «النصر»، والمطران عبدو خليفة النائب البطريركي العام وهو أديب وله مؤلفات عدة.
كما برزت أسماء لامعة في عالم الشعر والزجل نذكر منهم: شحرور الوادي الشاعر أسعد الخوري الفغالي، كروان الوادي كميل خليفة، المخرج ايلي الفغالي، المطرب مجد الغاوي والممثلان منير وميرنا الغاوي.
ومن المشاهير أيضاً أعطت وادي شحرور ولا تزال أبطالاً في المراكز الأولى في سباقات السيارات الدولية والمحلية ونذكر منهم وجيه فغالي الذي صار بطل السرعة وأسطورة الطريق، وهناك عبدو وميشال فغالي وبطل الرالي لأعوام عدة روجيه فغالي الذي بات اسمه مرادفًا للراليات في لبنان فهو ليس سائقًا فحسب، بل قصيدة تتجدد في كل سباق، ومعلقة تُكتب بالعجلات لا بالكلمات كما قيل عنه.

معالمها الدينية

تزخر وادي شحرور بعدد كنائسها ومنها كنيسة مار يوحنا المعمدان، التابعة للطائفة المارونية، وكنيسة القديس يوحنا للروم الأرثوذكس، وقد بنيت كلتاهما على أنقاض كنيستين قديمتين تصدعتا بفعل الزلزال وعوامل أخرى فبُنيت على أنقاضهما هاتان الكنيستان الكائنتان حالياً، كما تنتشر في البلدة كنيسة على إسم القديس أنطونيوس الكبير، وأخرى على إسم الملاك ميخاييل وكنيسة صغيرة على إسم النبي إيليا.
دير القديسة تقلا التاريخي الأثري الذي تسلمته الرهبانية اللبنانية المارونية من الأمير علي شهاب في عام 1788، وأصبح محجاً دينياً لكل المؤمنين والزوار من لبنان وخارجه.

طبيعتها وخيراتها الزراعية ومميزاتها

تمتاز بينابيعها العذبة الصافية التي تروي بساتيها المثمرة المتنوعة بأشجار الجنارك التي اشتهرت بها إلى جانب أشجار الخوخ والحمضيات واللوز وبأشجار الافوكا والأكي دني والبلح والخروب، ناهيك عن أشجار السنديان والصنوبر التي تستقبل زائريها بشموخ وأباء.
ويزخر الجوف في وادي شحرور بالمياه العذبة فكلما تحفر الأرض تتدفق المياه، وهذا ما جعلها كثيرة الينابيع وأشهرها: نبع الزيكان، نبع الداوكيه، نبع الحديقة، نبع النهر، نبع النجمة، نبع الشومرية ونبع الشختور.

حرفياتها

ذاع صيت وادي شحرور منذ سنوات طويلة بحرفها اليدوية التي تميزت بها ولاسيما منها التطريز على القماش وجهاز العرائس، وكانت سيدات البلدة من الأوائل اللواتي قدمن أعمالهن اليدوية المشغولة بإتقان وبحرفية عالية إلى محلات «الأرتيزانا» اللبنانية.
ونشطت في بلدة وادي شحرور الصناعات الغذائية على أنواعها منها صناعة زيت الزيتون ودبس الخروب والمشروبات الروحية المتنوعة من العرق إلى النبيذ وماء الزهر وماء الورد التي تنتجهما في معاصرها ومعاملها الموجودة في البلدة.
كما اشتهرت بصناعة دباغة الجلود على أنواعها ولا تزال مصانعها منتشرة في البلدة وتعمل بانتظام، وهناك معامل صناعية أخرى منها معمل للكرتون، معمل للحبوب، مناشر للخشب وصناعة الموبيليا وأخرى للستائر الحريرية والجوخية، فضلاً عن انتشار كاراجات لحدادة وبويا السيارات والآليات.

نشاطاتها

يولي أهالي البلدة والجمعيات فيها أهمية بارزة للنشاطات الفنية والترفيهية والدينية والرياضية وتنظيم المهرجانات فكانت تقيم مهرجان الجنارك الذي يقصده الزوار من كل حدب وصوب لشراء وتذوق أطيب أنواع الجنارك على الإطلاق. وكانت تشارك الراحلة صباح أبناء بلدتها مرات عدة في إحياء هذا المهرجان الذي بات محطة سنوية، كما يقام في دير مار تقلا التاريخي مهرجان تراثي فني وثقافي لمناسبة عيد مار تقلا في 24 أيلول/سبتمبر من كل سنة يمتد نحو تسعة أيام ويقصده الناس من جميع أنحاء لبنان.
ومن بين النشاطات البارزة، احتل أهالي البلدة المرتبة الأولى خلال مشاركتهم في مسابقة تلفزيونية شملت تحديات ومسابقات رياضية وفنية عدة.

عائلات وادي شحرور

تتوزع عائلات وادي شحرور على الأسماء الآتية: فغالي، الغاوي، الاسطا، ابو مراد، ابي راميا، ابو نحول، ابي راشد، ابو واكد، اغناطيوس، باروكي، بدران، الجاموس، حبيب، الحلو، خليفة، الخير، الخوري، الديب، زيدان، سعادة، سالم، شكور، شلوق، شدياق، كامل، ملتقى، منصور، مقبل، نمر، نصر، الهليّل، الهبر، يارد، الشماس، طبيجي، طقشي، عساف، عازار، غزال، وصادق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية