أصيب الزوار و الحرس في متحف اللوفر في باريس بمفاجأة من المعيار الثقيل في الساعة التاسعة و أربعة و ثلاثين دقيقة صباح الأحد الموافق التاسع عشر من تشرين الأول/أكتوبر من هذا العام، و لكن ليس بسبب أحد المعروضات النادرة، بل بشيء أكثر خطرا و ربما لن يشهده أحد منهم مرة ثانية في حياته، ألا و صوت عال و غريب أثار صدمة لدى الزوار الذين بلغ عددهم حوالي العشرين، فشخص ما حاول قص زجاج شباك الصالة الضخم. و فجأة أقتحم الصالة رجلين مقنعين و توجهوا فورا نحو معروضات محددة. و في هذه الأثناء قام الحارس المسؤول عن الصالة بأخراج الزوار بسرعة و غلق الباب. و لم يهتم اللصان بالزوار حيث بدأت عملية قص الصناديق الزجاجية للمعروضات فورا و لم يزعجهما سوى محاولة أثنين من الحرس لمواجهتهما، أذ كان أحدهما مسلحا بقضيب حديدي. و لكن الحارسان سرعان ما أنسحبا. و خرج اللصان من الشباك كما دخلا مع تسعة من المعروضات حيث نزلا الى الشارع عن طريق سلم صغير مركب على شاحنة صغيرة في الشارع المجاور للمتحف المجاور لنهر السين ثم أستقلا دراجتين بخاريتين من نوع ياماها مع زميلين كانا في أنتظارهما، و أستغرق الأمر برمته حوالي سبعة دقائق حيث كان اللصوص قد ركنوا الشاحنة الصغيرة بجانب المتحف و في الشارع المحاذي لنهر السين في الساعة التاسعة صباحا.

كانت هذه السرقة صدمة حقيقية في عالمي الفن و السياسة، فاللوفر ليس فقط أكبر متحف في العالم، بل أهم رمز ثقافي في فرنسا، أي أنه ذو أهمية سياسية خاصة بالنسبة للحكومة الفرنسية. و لكن ما كشفته هذه السرقة من مفاجآت كان كثيرا. و كان أول ما لفت الأنتباه سوء الأحتياطات الأمنية داخل و خارج المتحف، فآلة التصوير المسؤول عن تصوير ذلك الجانب من المتحف من الخارج كانت موجهة نحو الأتجاه الخطأ. و أما آلات التصوير السبعة التابعة للشرطة في الشارع، فقد صورت الأقتحام و الفرار و لكن الشرطة لم تهتم حيث ظنت أنهم كانوا عمال بناء يقومون بأعمال صيانة في المتحف لاسيما ان المقتحمين أرتديا ملابس عمال البناء. و أما داخل الصالة، فكانت هناك آلة تصوير واحدة و موجهة في الأتجاه الخطأ أيضا. و لم تكن الصناديق الزجاجية الحافظة للمعروضات مثالية، و ربما كان ذلك مقصودا، أذ أنها كانت ضد ضربات المطرقة و ليست المنشار، ففي حالة الحريق أو تسرب المياه يقوم رجال أطفاء المتحف باستعمال أدوات خاصة لأخراج المعروضات من الصناديق الزجاجية و انقاذها، و قد أستعمل اللصوص ادوات مشابهة. و من الجدير بالذكر أن هنالك مركزا للأطفاء داخل المتحف متكون من أثنين و خمسين شخصا. و قد تلقى كل منهم تدريبا خاصا لأنقاذ معروضات المتحف. و لكن لم يكن هنالك مركزا أمنيا في المتحف حيث أعتمدت الأدارة على مركز للشرطة على بعد حوالي نصف كيلومتر من المتحف.
سرق اللصان و شركاؤهما تسعة قطع كان منها تاج أمبراطورة فرنسا «يوجيني»، زوجة الأمبراطور الفرنسي «نابليون الثالث»، و عقد ملكة فرنسا الشهيرة «ماري أنطوانيت»، و كان كل منهما يتكون من عدد كبير من الأحجار الكريمة و الماس. و الغريب في الأمر كان العثور على التاج على الأرض بالقرب من المتحف و قد تعرض لبعض الأضرار. و كان رد فعل المسؤولين الفرنسيين الصدمة الواضحة و وصف بعضهم المسروقات بأنها لا تقدر بثمن ثم تم الكشف أن ثمنها الكامل كان مئة و أثنين مليون دولار. و لكن المفاجأة التالية كانت الكشف عن أن المجوهرات غير مؤمنة، بل كشفت الصحف العالمية أن أغلبية المعروضات في المتاحف العالمية غير مؤمنة.

لم يكن سبب نجاح عملية السرقة في وضح النهار التخطيط البارع لها، بل الثغرات الأمنية الفادحة التي خدمتهم مصادفة أو بسبب معرفتهم المسبقة ببعضها على الأقل، فاللصان أحتاجا ألى أربعة دقائق بين وقف سيارتهما و دخول الصالة، و هي فترة طويلة في هذه الظروف. و من الواضح أن من قام بها كان مجموعة من الحمقى الذان كانا يقومان بعملية أكبر منهما، أذ تركا معداتهم و خوذة و قفازات في الصالة، أي انهما تركا الكثير من الحمض النووي و البصمات. و الظاهر انهما حاولا حرق العربة و السلم في الخارج الا أنهما فشلا في ذلك أيضا. و يضاف الى ذلك أن الشرطة عثرت على الدراجة البخارية كما وجدت حمضا نوويا عليها. و في الحقيقة أن حماقة اللصوص كانت سبب جرأتهم في القيام بهذه السرقة و عدم تقديرهم رد فعل السلطات الفرنسية السريع و الكبير حيث أشترك في التحقيق حوالي مئة من عناصر الشرطة. و من المضحك أن اللصان كانا من أصحاب السوابق أذ سرعان ما تعرفت الشرطة على الحمض النووي و بدأت بالبحث عنهم. و أما سقوط التاج من اللصان، فكان خطأ فادح، فمن سمع عن لص مجوهرات يسقط بعضا منها عن طريق الخطأ. و مما زاد الطين بلة ان أحدهما حاول مغادرة فرنسا عن طريق مطار دي غول متوجها الى الجزائر و أما الثاني، فألقي القبض عليه في أحدى ضواحي باريس و كان من مالي. و حتى كتابة هذه السطور ألقي القبض على ثلاثة أشخاص و أمرأة منهم في الثامنة و الثلاثين من عمرها كانت عشيقة أحدهم. و من الواضح أن السلطات الفرنسية تواجه مشكلة في انتزاع اعترافات منهم، فليست الأعترافات سهلة المنال كما يبدو في الأفلام السينمائية و المسلسلات التلفزيونية. و من الممكن بالطبع أن تقوم السلطات بالأشتباه في أشخاص لا علاقة لهم بهذه السرقة و أن بعض المعتقلين بريئين تماما. و حتى هذه اللحظة وجهت السلطات الفرنسية اتهاما رسميا بالنسبة للمرأة فحسب و لكنها تظن انها قد القت القبض على ثلاثة من اللصوص الأربعة.

ذكر العديد من الخبراء أن اللصوص في ألأونة الأخيرة أخذو يتجهون ألى سرقة المجوهرات من المتاحف و المحلات و مساكن تجارها بدلا من اللوحات لسهولة بيعها حيث يقومون بأعادة صقل الماس كي تصبح عملية التعرف عليه مستحيلة. و أما الذهب أو الفضة، فبالأمكان صهرهما بسهولة، و بذلك يختفي كل أثر للمسروقات. و لهذا السبب، فأن أحتمال العثور على المسروقات في عملية السطو على اللوفر ضعيف للغاية حتى أذا تم القبض على عصابة اللصوص بأكملها.
الغريب في الأمر أن هذه السرقة التي كانت هجوما وقحا على أشهر صرح ثقافي في فرنسا لم تثر موجة كبيرة من الأحتجاجات أو الأستياء المتوقعة سوى من كبار المسؤولين و السياسيين، لاسيما سياسيي المعارضة الفرنسية. و يدل هذا أن الفرنسي العادي أقل أهتماما بالشأن الثقافي و أبعاده الأخرى مما نظن، و قد يكون هذا ظاهرة عالمية تتخطى حدود فرنسا. و أذا كانت بعض ما ذكر من انتقادات تعبيرا ساخرا عن الغضب و الأستياء، فأن أغلب المعلقين أعدوها سببا للسخرية من فرنسا. و أما المشاهير، فقد اثاروا الدهشة عندما عبر بعضهم عن الأعجاب بالسرقة مثل الممثل «جورج كلوني» الذي عبر عن أفتخاره باللصوص حيث أنه أعد نفسه في نفس المجال بسبب سلسلة أفلام «أوشن» Ocean الشهيرة و التي تمحورت حول سرقة نادي كبير للمقامرة. و أما الممثل «جسي آيزنبرغ»، فقال مازحا أن السرقة كانت دعاية لفيلمه القادم و لمح أن أحد المشاهير من زملائه ربما كانت له علاقة بالأمر، و ذلك بسبب سلسلة أفلام «الآن تراني» Now You See me و التي كانت عن مجموعة من السحرة الذين يسرقون كمية هائلة من المال. و يدل هذا على المستوى الأخلاقي الضحل للمشاهير في عالم السينما بشكل عام. و من الغريب أيضا أن هذه السرقة كشفت قلة أهتمام الحكومة الفرنسية بالمتاحف بشكل عام من الناحية الأمنية، أذ كانت الأجراءات الأمنية في المتحف سيئة على الرغم من كونه المتحف الأشهر في العالم. و لا يشمل هذا حماية المعروضات من السرقة فحسب، بل حمايتها من التخريب كذلك. و كشفت هذه السرقة أيضا أن السرقات الحقيقية تختلف جذريا عن تلك التي نشاهدها في الأفلام السينمائية، أي أن الواقع يختلف جذريا عن ما تعرضه الأفلام السينمائية، ففي عالم السينما نجد اللصوص خبراء في الهندسة الألكترونية و الكيمياء و التجسس و فنون القتال و وسيمين، و نفترض هنا أن «جورج كلوني» وسيما. و لكن الواقع مختلف، أذ أن السرقة أبسط من ذلك بكثير.
من الجوانب المثيرة للسخرية في هذه السرقة أن هنالك من حاول الأستفادة من السرقة، فمثلا أكتشف أن السلم الذي أستعمله اللصوص كان مسروقا و من صناعة شركة ألمانية، فاستغلت الشركة الأمر و أعلنت أن السلم الذي تنتجه الأسرع و الأقل أثارة للضجيج و الأسهل أستعمالا دون أن يظهر هذا الأعلان في فرنسا بالطبع. و لكن الشركة الصانعة للدراجات البخارية لم تحاول القيام بالمثل.
كانت دهشة الحكومة الفرنسية بسبب هذه السرقة مثيرة للأستغراب، لأنها لم تكن الأولى في وضح النهار بل حلقة في سلسلة طويلة من السرقات أبتدأت من تاريخ تأسيسه أثناء الثورة الفرنسية، أي عام 1793، حيث قامت السلطات الثورية بالأستيلاء على القطع الفنية المملوكة من قبل النبلاء و الأثرياء و الكنيسة و تجميعها في قصر اللوفر ثم قام نابليون بسرقة تحف فنية عديدة من أوروبا و الشرق الأوسط و ضمها ألى مجموعة المتحف الشهير حتى أنه غير أسم المتحف ألى «متحف نابليون» عام 1803. و حدثت أول سرقة شهيرة في اللوفر عام 1911 حيث سرقت لوحة غير معروفة خارج عالم خبراء اللوحات للرسام الأيطالي «ليونارد دا فنشي» تدعى «الموناليزا». و سبب ذلك حملة واسعة للبحث عنها انتهت بالعثور عليها عام 1913. و قامت الشرطة الفرنسية آنذاك بالتحقيق مع العديد من الأشخاص، وكان منهم الرسام «بابلو بيكاسو» الذي أرتعب و اتهم باطلا أحد أصدقائه لأبعاد الشبهة عنه. و على الرغم من تأكد الشرطة من عدم علاقته بسرقة «الموناليزا»، فأنها أكتشفت أنه قد أشترى قطع كانت قد سرقت من المتحف في عملية سرقة أخرى، و أعاد الرسام هذه القطع للمتحف و أفلت من العقاب. و متابعة دقيقة لتلك السرقة و حل لغزها بطريقة صاحبتها حملة أعلامية مبالغ بها تعطي الأنطباع عن وجود عامل سياسي في الأمر. و كانت من نتائج تلك السرقة أشتهار اللوحة المسروقة التي تحولت ألى الأشهر في العالم و حتى الآن على الرغم من كونها من الناحية الفنية أقل من ذلك، و هذا ما حدث كذلك في سرقة المتحف الأخيرة حيث أصبحت المسروقات بالغة الشهرة بسبب السرقة. و بعد ذلك تعرض المتحف للنهب من قبل النازيين في الحرب العالمية الثانية. و في عام 1966 سرقت مجوهرات تابعة للمتحف في نيويورك أثناء نقلها من متحف فرجينيا، و لكن الشرطة عثرت عليها و على السارق. و في عام 1976 تعرض المتحف لعمليتي سرقة، أذ سرقت في أحداها لوحة و سرق في الأخرى سيفا مرصعا بالمجوهرال للملك الفرنسي شارل العاشر.
و ما يزال هذا السيف مختفيا. و في عام 1990 سرق لصوص لوحة للرسام الشهير «رينوار» عن طريق قطعها من الأطار في وضح النهار مع مجموعة من الحلي الرومانية و لوحات أخرى. و بعد ذلك بخمسة سنوات تعرض المتحف لسرقتين في خلال أسبوع واحد ثم تعرض لسرقة أخرى عام 1998 حيث أختفت لوحة شهيرة قطعت من أطارها لتختفي ألى الأبد. و توالت محاولات السرقة. و لكن المتحف لم يعاني من السرقات فحسب، بل كذلك من سياسات غريبة من قبل الحكومة الفرنسية حيث قامت الحكومة ببيع أغلبية المجوهرات الملكية في مزاد عام 1887 بعد سقوط نظام الأمبراطور نابليون الثالث و أقامة الجمهورية الثالثة في فرنسا لأسباب سياسية بحتة حيث قررت السلطات أن هذه المجوهرات التي تشير الى الثراء الفاحش لا تتوافق مع مباديء الجمهورية الجديدة، أي أن المجوهرات بيعت كرمز لانتهاء العهد القديم و بداية العهد الجديد. و تنافس المشترون من تجار المجوهرات و جامعيها و الأرستقراطيون. و لكن أكبر المشترين كان الأمريكي «تشارلز لويس تيفاني»، مؤسس محل «تيفانز» الشهير و الذي كان فيلم «فطور في محل تيفاني» الشهير عنه حيث أشترى ثلثها. و سرعان ما أدركت السلطات الفرنسية فداحة هذا الخطأ، فقضت عقود من الزمن في محاولاتها لأسترداد المجوهرات. و استطاعت من خلال شرائها أو أستلامها كتبرع من مالكيها تجميع الكثير منها ألا انها لم تسترد المجوعة بأكملها أبدا. و كانت بعض هذه المجوهرات المستردة ضمن تلك التي سرقت في المتحف مؤخرا.
من الجدير بالذكر أن متحف اللوفر ليس الأشهر و الأكبر في العالم، بل أنه الأكثر ظهورا في الأفلام العالمية، فقد ظهر مثلا في فيلم «الكنز الوطني» National Treasure (2007) و فيلم «شفرة دا فنشي» The Da Vinci Code
(2006).
ليست سرقة متحف اللوفر ألأكثر قيمة من الناحية المالية، فالسرقة الأكبر وقعت في متحف «أيزابيللا ستيورت غاردنر» في مدينة بوسطن الأمريكية عام 1990 من قبل اثنين من اللصوص متنكرين في زي الشرطة و قيدوا حرس المتحف. و بلغت قيمة اللوحات المسروقة خمسمئة مليون دولار. و لم يعثر على المسروقات أو اللصين حتى الآن.
باحث و مؤرخ من العراق