مهمة الفلسفة اليوم هي التحرر من كونها أداة لمنع الانسان من قناعة الشاعر (كليست): (لن يصل الانسان إلى الحقيقة إلا إذا انتحر)، والتحول إلى رؤية وبصيرة تخلص الانسان أو تنقذه من أوهامه وتعيد إليه هيبته الذاتية أو من كونه (عاطفة غير ذات قيمة)، بتعبير سارتر.
وكلمة أوهامه، الفضفاضة هذه، تحتاج لنوع من التصنيف والتركيز، وعليه نقول إنها جميع التضليلات التي إخترعها الخوف الانساني من أجل أن يواصل مجرد بقائه حيا في ظلالها المسكنة لوجع الأسئلة المزمنة. وبما أن الموت، ونهايته القاتمة والمجهولة، كان أحد أهم أسباب خوف الانسان، كانت محاولة الإلتفاف على مجهوليته وتغييبه وعدم وضوح هويته السببية والغائية، أحد أهم أسباب اللجوء إلى التفسيرات المسكنة، ولو إنطوت على الكثير من طرق خداع النفس والخرافات والتأجيلات والتعويضات البعدية.
وإعادة الإعتبار إلى فكرة هيبة الإنسان بذاته أو تحويله إلى (عاطفة ذات قيمة) يعني أولا إعادة التوازن في النظرة إلى جميع التناقضات والإرتباكات التي صنعها الفلاسفة، في نقض بعضهم أو رؤى بعضهم للبعض الآخر، ثم تحديد موقف نهائي وصارم من مجموعة الأوهام التي نخدع بها أنفسنا، منذ حكاية الخطيئة الأولى إلى يوم إنتاج أحدث كومبيوتر متطور!، وهذا يعني التخلص من حالة الإزدواجية التي مازلنا نعيشها في طريقة التناول والتعامل مع عواطفنا التي أزعجت سارتر، أولا، وتحديد موقف نهائي من قصة مخاوف ما بعد غلق غطاء التابوت على جثثنا ثانيا، وهنا أعني بالتخلص من المخاوف أو العواطف غير المجدية، تحديد موقف نهائي من سبعة آلاف سنة من الموت التي عانى منها الانسان، من بعد إكتشافه للكتابة، وإتخاذ موقف نهائي… أو شجاع منها وإلى الأبد.
الطريف أن هذا حدث عندما لم يكن الموت يرعب الانسان بسبب عدم تعقد حياته وقلة مقتنايته المادية بالطريقة التي يرعبه بها اليوم، ولذا بدا جهد هاتين الطبقتين كجهد كتاّب أسفار التوراة: ربط كل شيء بذيل كل شيء وإحالة الحياة إلى حلبة سباقات، من كل الاتجاهات وإلى كل الاتجاهات، دون تحديد خط أو علامة للنهاية.
أظن أن سارتر قد أطلق وصفه على الانسان، في كونه عاطفة غير مجدية، بسبب قابليته للخداع ببساطة، بل وإستحلائه لعملية خداع نفسه بالدرجة الأولى، فالانسان في البداية لم يكن يخاف الموت بالطريقة المرضية نفسها التي بدأ يخافه فيها بعد قيام الثورة الصناعية وما تبعها من تقدم تكنلوجي، ولذا كان من اليسير عليه، في عهد ما قبل التوراة ومنظريها من رجال اللاهوت، تقبل أفكار ناضجة حول إشكاليته، بدل التعقيدات التي أنتجها كتاب التوراة، والتي حولت إهتمام الانسان وأفكاره من مواجهة الموت وتفسيره بطريقة عقلانية إلى البحث عن طرق قبوله ومعايشته ومهادتنه، كأمر ملتبس، يستحيل فك شفراته والتعامل معه؛ ولهذا فإنه تحول من ذات قائمة بذاتها إلى أداة مبهمة التحكم والأهداف… وبالتالي ظهرت حاجة الانسان (التوراتية) إلى (ماشيح، مسيح، مخلص) على رأس كل حقبة أو دورة فكرية تجديدية، وأيضا حاجته إلى إعدام ذلك (الماشيح، المخلص) في نهاية تلك الدورة من أجل البدء بدورة جديدة… أي الركون إلى عواطفه غير المجدية بدل مواجهة إشكاليته المزمنة: الموت، بهيبة سطوته التي تضع نقطة في نهاية سطر الانسان / الذات الفردية أو الكيان المستقل، كما يفترض كل انسان في ذاته.
ومن هذا المنظور يمكننا القول أن التوراة (بشكلها المتداول بين أيدينا) لم تكن أكثر من محاولة لطرح البدائل العاطفية المزيفة وتكريسها في روع الانسان، كمخاوف وسلطات كهنوتية وليس لاهوتية فكرية، بدل إنضاجها للأفكار الأولى التي طرحتها الملاحم التصورية الأولى، كملحمة جلجامش وغيرها، بإنزالها للإله إلى الأرض وتحويله إلى قطب صراع دنيوي، وبالتالي تحويلها للموت إلى مفردة ترهيب بدل أن يكون فكرة إستشراف وتطلع..، في حين كانت الحاجة الفكرية تقوم على التحرش وفض بكارة رمزية الموت وتفكيكه إلى عناصره الأولية، من أجل التعامل معه ووضعه في إطاره الحقيقي.. وهذا يعني أن الجهد اللاهوتي كان عنصر تكريس للعواطف غير المجدية على حساب الأفكار وفعل التفكير.
وبلغة جان بول سارتر، يمكننا تلخيص الجهد الكهنوتي للتوراة على إنه كان تسطيح وتشييء (الكينونة والإرادة) بحرمانها من (العيش ضمن حقوقها) الفردية أو الكيانية الشخصية وتذويبها في روح القطيع، وهذا هو ما خلف أو أفرز في نفس (روكنتان، بطل رواية سارتر، الغثيان) روح الإشمئزاز الذي كان يسبب له الغثيان من قتامة المصير الانساني، بسبب سلبه لفرديته وحريته، وحشره في صف قطيع المجموع، الذي تسوقه أرثدوكسية اللاهوت إلى المطهر رغم أنفه، لأنه مخطئ ولو بجريرة أكل جده الأعلى لتفاحة الخطيئة الأولى.
ولكن، وهذا هو السؤال المهم، والذي لا ينفك في مد رأسه، بعد بوابة الوعي بنصف خطوة فقط: لماذا قامت فكرة الأديان واللاهوت والأكليروس من بعده، على (حاجز) الحد من قيمة الانسان وقيمة وعيه، رغم أن قيمة الانسان تقوم على قيمة وعيه، وحدها، في النهاية، ومنها وحدها يستمد قيمة وجوده الحقيقي؟
فالمجنون، أي انسان تام الجنون وفاقد لوعيه، لا يفهم وجوده أو قيمته الذاتية إلا عبر تجدد حاجاته الغريزية للطعام والشراب وحاجة إفراغه لقضلاته، وهو إدراك غائم وغير مستوف لشروط الإدراك الحقيقي المألوف، لأنه ممكن أن يأكل من صندوق القمامة أو يشرب من أي مصدر للماء يصادفه، دون الإلتفات للشروط الصحية التي تتوفر عليها تلك المصادر، وأيضا يمكن له أن يقضي حاجته في أي مكان خال قد يصادفه، ولو كان أجمل الحدائق..، في حين أن الانسان المحتفظ بالحد الأدنى من وعيه وإحترام مدلولات هذا الوعي، يبحث دائما عما هو أفضل من مصادر إشباع تلك الحاجات، إن لم تحكمه أسباب إقتصادية صرف، ويتناسب رقي إشباعها طرديا مع نمو وعيه، دون شك.. ونمو هذا الوعي و(نظافة بواباته) بتعبير كولن ولسن، هو ما سيقوده في النهاية لإلقاء تساؤل، بطل قصة تولستوي (مذكرات مجنون): لكن من أنا؟، وليس قبلها، وهذا يعني أن الوعي قد وصل أعلى مراتب نضوجه؛ فلماذا يصر (اللاهوت التوراتي) وإكليروسه على تغييب وعينا أو كان حربا عليه؟
والسؤال الآن هو: لم لم يتحرر الانسان من إحساس كونه مخلوق عادي وإن العالم ذو هدف يفوق حدود فهمه، رغم أن هذا الانسان ذاته قد خاض حربا ضروسا ضد هذا الفهم (ضد الكنيسة على وجه الخصوص، بصفتها وارثة الفهم التوراتي ذاك ومكرسته عبر جهدها الكهنوتي الذي حارب نهضة العقل البشري في أدق مراحلها) وأثبت لذلك الفهم ولنفسه إنه أكبر (عقله الذي أنتج العلم والتكنلوجيا الحديثة) من ذلك الفهم بكثير، على أقل تقدير، وظل يرزح تحت ذلك الإحساس القاهر؟
نعم! لقد ظلت الكثير من الامور دون تفسير، لا خلاف على هذا؛ ولكن بالمقابل فإن التفسيرات أو الحلول اللاهوتية ظلت، ومازالت، تهوّم في فضاءات يعوزها الكثير من الحكمة والتبصر… وهذا ما يتفق عليه الفلاسفة والعلماء ورجال الفكر، على الدوام؛ وأيضا ما يلوح به الجميع، من البورجوازيين الكبار، ومرورا ببعض كهنة المعابد المتنورين، ونهاية بأسذج الفلاحين، في ساعات ضجرهم وضيقهم من تكرار أيامهم، ببساطة لأنهم يواجهون في تلك الساعات أن لا قيمة سامية من الكون ومن كل هذا التكرار، بمرارة قاتلة!
روائي عراقي
سامي البدري