اجتمعت ذاكرة المشرق وتاريخها وبيئة مجتمعها وأسلوب معيشتها في سرد الروائي خليل النعيمي، الأديب السوري المقيم في باريس، لتأخذ القارئ في كل عمل إبداعي جديد في رحلة مدهشة عبر الزمن، وصولاً إلى راهن سوريا الجريحة، وتشمل تلك الرحلة الزمنية استعادة جماليات ذاكرة المكان، حيث يتجلى عالم الصحراء الفسيح، لما لهذا الفضاء من ترسبات وثقل في حياته، من حياة الطفولة في الصحراء والواحة، وكذلك من تأريخ الحضارات البشرية المتعاقبة على المنطقة. إنه البحث عن الحقيقة، وليست هناك رحلة أنبل من رحلة البحث عن الحقيقة.. الحقيقة موجودة في كل شيء، والفنان لا يقنع بحقيقة أصغر.. إنه يسعى إلى الحقيقة المطلقة، فأحداث الرواية الجديدة «قصاص الأثر» الصادرة حديثاً عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، تدور كلها في عالم الصحراء المليء بتحركاته وتقلباته ونباتاته وحيواناته ومشقاته وآماله، وتصحبنا في هذا النص السردي المثير شخصيات ملتصقة بهذا العالم السحري المليء بالأساطير والأعاجيب.. وكما يقول القديس بولس: «نحن غير ناظرين للأشياء التي لا ترى، أما الأشياء التي ترى فأبدية.. والصحراء هي الرديف أو القرين للأبدية دائما، ومحنة التعبير عن الأبدية هي محنة التعبير عن الصحراء». لذلك، كانت الكتابة عن الصحراء صعبة، لأنها الكتابة عن العدم، ولكنه العدم الذي يبدع الظاهرة، وليس العدم الذي ينفي الوجود، ومن هنا ينبثق الحنين للأبدية.. الحنين الميتافيزيقي الموجود في روح كل إنسان.
فالروائي خليل النعيمي خبير بخبايا الصحراء، وسحرها وتقلباتها، وهو ليس كباقي الروائيين الذين تناولوها كموضوع؛ اهتموا به سواء عبر قراءاتهم، أو مطالعاتهم أو زياراتهم الخاطفة، وهنا الفرق الشاسع الذي يميز الراوي/السارد، لأنه عاش أهوال المكان بطريقة مباشرة وعايش كائناته، مما يجعلنا نقف على أسماء النباتات والأشجار والوديان وأنواع تراب الرمل، وكأننا أمام دليل متمرس في معرفة المكان بشكل حقيقي وليس بشكل افتراضي أو دعائي. كما يؤكد على ذلك في ص. 67 «في وهج اصفرار الصحراء الكاسح، هذا، مرت برأسه خضرة الشام العميقة. ما الذي أخذه إلى الشام، ذات يوم؟ كان في قافلة طويلة مع أبيه. ساروا أياما وليالي، قبل أن يصلوا إلى بصرى أسْكي شام، ومن بعدها إلى الغوطتين، ولما رآه مملوءا بالمسرة والدهشة. قال له أبو بخفر وكأنه يصلي: «من هنا مر النبي». لكن الراوي يطمح دائما لمعرفة الفضاءات الأخرى عبر تنقلاته، سواء من خلال ما يصفه له الأب، حينما يحدثه عن البحر وعن البراري والمدن، أو عبر قراءاته وترحاله الدائم، لذا فإننا نجد أنفسنا ونحن نتوغل في قراءة «قصاص الأثر» في تموجات وتعرجات وذكريات وقراءات السارد، إما عبر التناص باعتماده على أبيات شعرية أو مقولات فلسفية أو حكم لفلاسفة عرب قدماء ومناقشة أفكارهم من قبل بعض مفكرين عرب، كما جاء في الصفحة 155، «ومن نقطة النهاية، هذه، سيبدأ حياة جديدة صار يحلم بها. هو، لم يكن يحلم بحياته الماضية، لكنه قَبِلها بشكل من الأشكال، وأرادها أن تدوم ما دام هو حيًّا، لكن كل شيء تحول إلى نقيضه وهذا النقيض اللامفَكَّر فيه، واللامتوقَّع، هو الذي حرره أخيرا منها».
واللامفكر فيه هنا، هو إحالة إلى المفكر الراحل محمد عرقون، في كتاباته الفكرية التي يناقش فيها مسألة الوجود والإنسان. كما يلاحظ القارئ أيضا توظيف الكثير من الأفكار عبر تناص مع آيات من القرآن الحكيم، أو سور تذكرنا بسورة يوسف عليه السلام، كما جاء في الصفحة 68: «من باب الجابية، دخلوا دمشق، كانت القافلة تدخلها من الجنوب، مساء، قادمة من بصرى أشكي شام»، أو حينما يقول «إني أرى الكواكب ساجدة على القاع، يا أبت! قال ذلك وهو يشير إلى سفح قاسيون المملوء بالأضواء».
ولعل صحراء خليل هنا تنقلنا عبر تساؤلاته عن قسوة وصعوبة المكان، إلى قسوة المأساة السورية التي نراها ماثلة أمامنا، الآن. وتشرّده في الآفاق المقفرة، يُحاكي تشرّد الشعب السوري في آفاق الأرض. فنحن نقرأ تمرّده واستياءه ونُفوره وهُجوره، وكأننا نقرأ عبثية الوضع السوري المأساوي، ولكن المبَشِّر بالحرية في نهاية الطريق، حيث أصبح التشرد والبحث عن أمكنة أخرى هو السبيل للخلاص من سطوة القمع وعنفه. فرواية «قَصّاص الأثَر» تحكي عن هذه الحالة، وعمّا آلت إليه الأوضاع من محن، وكيف انعكست على الإنسان السوري الباحث عن الراحة وعن أمكنة أخرى بديلة حتى إن كانت في بر افريقيا، وهو يعرف أن الطريق إليها مليء بالأشواك ومملوء بالأخطار سواء اتجه إلى العالم العربي الإسلامي، أو أوروبا.. فكلا المكانيين يعاني من أزمات اجتماعية هائلة، والعيش فيهما غير محمود العواقب، ورغم ذلك فهو يعمل كل ما في وسعه للهروب من نار النظام ومن دخان معارضته، التي يبدو أنها لا تطرح تحرراً جذرياً، إضافة إلى أنها متعددة البؤر والاتجاهات. وهي وليدة نظام عذّب الشعب السوري، وأدى به إلى ويلات بلا حدود وأغرقه في دوامة لا يعرف منتهاها.
هكذا، إذن، تدور أحداث الرواية فقد كرر السارد في الصفحتين7 و 8 مفردة «الباب» أكثر من 12 مرة، حيث يقول: «والآن إلى أين؟» يتساءل، قبل أن يضع قدمه خارج الباب. الباب الذي هو مغلق سينفتح، بعد قليل. سينفتح على فضاء الكون الرحب الذي لا علاقة له مع «فضائه» الضيق، المحصور، المليء بالأنفاس والروائح. «فضاؤه» الكئيب». ثم يواصل في الصفحة نفسها: «رغم كل ما عاناه، لن يذهب ما عاشه هدْراً، بشرط أن يمشي. أن يمشي فوراً، من دون كلام، من دون وداع.. أن يعبر الباب كالسهم.. أن يصير خارج الباب، بعد أن كان داخله».
«الباب؟ ! لم يكن يخطر له، من قبل، أن للباب كل هذه الأهمية، وهذه الرهبة التي تمتلئ بها نفسه، الآن. لم يكن يخيفه أن يفتح الباب ويخرج. وكان يدخل منه مثلما خرج، من دون خشية أو اضطراب. كان الباب مجرد معبر يؤدي إلى «هناك»، ومن «هناك» يعود عبره إلى «هنا» وكلاهما واحد. فضاؤه الشخصي كان متماثلا داخل الباب وخارجه. ومسألة العبور، والعبور المعاكس، لم تكن تشكل، بالنسبة له، هَمّاً، فهو حتى عندما يكون خارج البيت، يكون في الحقيقة داخله. كان مدفونا في بيته. خروجه، اليوم، من الباب يشبه خروج إبليس من الجنة. وباب الخروج، هذه المرة، لن يكون، من بعد باب الدخول. وخاف. خاف أن يصاب بوهن لعين يقضي على مشاريعه، ويغيِّر نواياه، فأسرع في تدبير رأيه». ثم يقول في الصفحة 16 «وسيخرج من هذا المأزق اللعين، كما خرج من الباب.. الباب الذي كان، حينما يُغْلَق عليه، يُغْلِق منافذ روحه، ويجعله أصمَّ وأخرسَ وبليداً» .
نحن أمام ثنائيات الداخل الذي يمثل التعب والسجن/الخارج الذي يمثل تحقيق الذات، البقاء في دوامة العيش الصعبة/ الهروب من أجل تغيير الوضع النفسي، الأمس المرتبط بالقمع/ اليوم الذي يرمز إلى البحث عن بديل أحسن، الخوف من غلق منافذ الروح/الحرية، التي من أجلها يجب أن يقاوم ويتعذب من أجل حياة أحسن.
«الباب» هو حاجز بين الاستمرارية في العيش تحت نيران التعذيب، وبين اكتشاف الذات رغم كل الأعاصير والويلات التي «يوفرها» العالم العربي لمواطنيه. وعلى كل رافض للطغاة أن يجد باباً يتسلل منه حتى لا يقبع في سجونهم متألما في عزلته يعيش تحت رحمة الجلاد الذي لا يعرف الرحمة.
إننا نتساءل هل توجد أبواب في الخيم؟ أم أن ذلك الغطاء الرهيف الذي يضعه الصحراوي للدخول والخروج منه هو ما يعنيه السارد بالباب؟ وهنا نقف عند رمزية ودور الباب كونه يتجلى في عدة آليات، ما دام أنه يكون حاجزا بين الداخل والخارج، ومكانا نعبر من خلاله للخروج أو الدخول، فالباب، إذا، كما يقول المثل : «أتَوا البيوت من أبوابها»: توصَّل إلى الأمور من مدخلها الطبيعيّ، إذهب مباشرة إلى الهدف. وللباب معان ودلالات متنوعة كثيرة، الباب السري، الباب الخفي، الباب العالي، باب الطوارئ، باب الخدمة، باب سياسي، باب اجتماعي، إلا أن الباب عند السارد في رواية «قصاص الأثر» بمعناه الرمزي هو الخروج من فضاء القمع إلى البحث عن الحرية مهما كلف الأمر، وكان مآل الصحراوي الهارب من قمع امرأته ومن الحياة القاسية.. الموت في آخر الرواية، لأنه كما يقول السارد في الصفحة 221 « فمصيرها الآن بين يدي «قصاص الأثر» الذي سيعثر، مهما طال الوقت، على «أثر» منه يدل عليه». عندها سينكشف كل شيء».
بهذه المقاربة، نتصور بأن الكاتب عبّر من خلال عمله عن الواقع التراجيدي السوري، وعن التشرد الذي أصبح مآل كل رافض له، حيث يسافر الإنسان من دون أن يعرف وجهته، أو يعرف أن مآله الضياع ولا اختيار أمامه غير الرحيل الذي أصبح بمثابة البديل الإجباري الوحيد.
يقول أحمد صلال في صحيفة «أورينت نت» بأن السارد يبذل مجهودا كبيرا «في البحث عن روح السوري، حيث يرمز إليها الراوي بتلك المسافات التي قطعها البطل في البادية بحثاً عن النداء العميق الصادر عن أعماق نفسه، وهنا تنفتح الرواية على أفق تشويقي وخيالي، كرحلة مصغرة عن حيواتنا، ونلاحظ في مستويات السرد أن الإيحاءات والرموز تجد لها سنداً، حيث تهشيم الزمن واعتماد على تقنيات الإرث الحكائي الشرقي».
ناقد جزائري
الطيب ولد العروسي