الرباط ـ «القدس العربي»: استضاف مركز عناية للتنمية والأعمال الاجتماعية بمدينة مراكش نهاية الأسبوع الماضي، واحدا من أهم الأصوات الشعرية الغنائية المصرية الراهنة، الشاعرعنتر هلال الشهير بـ»الجناني» أو «القناني»، وهو كاتب القصيدة الشهيرة «كامننا» التي غناها الفنان الكوميدي المصري محمد هنيدي في أحد أفلامه الحديثة.
عنتر هلال القادم من المسرح الاحترافي المصري سبق وامتهن التمثيل خلال سبعينيات القرن الذي ودعناه، بل وحاز على إحدى أرفع الجوائز عام 1979 عن دوره في مسرحية «المخططين»، شاعر إشكالي بامتياز، يكتب القصيدة العامية المصرية والفصيحة في الوقت نفسه، مختلفا عن باقي الأسماء الأخرى التي حفرت اسمها في عالم الإبداع الشعبي الذي يشتغل على ثيمات سحرية من واقع المعيش اليومي للمواطن المصري المقهور.
جاء في الكلمة التقديمية للإعلامي والشاعر مصطفى غلمان، رئيس مركز عناية للتنمية والأعمال الاجتماعية بالمغرب، أن عنتر هلال صوت شعري يكمن إبداعيا ونفسيا في الهامش الاجتماعي للأحياء الفقيرة المدقعة، بل إنه صوت الهامش ذاته، وهو واحد من أعمق شعراء العامية المصرية وأقواها تأثيرا في الذاكرة، حيث وثق للعديد من الأحداث السياسية والاجتماعية المصرية، منتقدا أفول نجم الشعر وموجها سهامه للذين ينبطحون للفن الهابط، المتغنجين خلف المحطات الواجفة. وأضاف غلمان أن آفاق الكتابة الشعرية في صنف الشعبي الغنائي توقف عند الأصوات الحاضرة الغائبة بعد رحيل الهرمين الفاجومي والأبنودي، غير أن ميراثا قديرا بمواصلة الطريق في نفس الاتجاه حمله بعض من الأسماء الواعدة التي تخضبت بوشاح «المعلمين» وأدارت الساعة في الوقت بدل الضائع، نذكر على سبيل المثال لا الحصر تجارب الشعراء محمد فتحي السيد وانتصار سليمان وخالد عز الدين وحسين السيد ومرسي جميل عزيز وعبد الفتاح مصطفى وعنتر هلال.. وآخرين.
الإعلامي والقاص هشام لمغاري أطل بقراءة عابرة كشف من خلالها ما يميز هلال عن غيره من شعراء العامية المصرية قائلا: «إنه يمسك العصا من البعد السامي للكلمة الحكمة، التي تقع في قلوب المصريين مثل سنام حصان.. إنه يدرك تماما أن رسالته لا تقترب فقط من حجم حضوره الفني في أغاني السينما والتلفزيون، بل ترقى لمصاف أشعار كبار القصيدة العامية المصرية التي التزمت منذ زمان بأدوارها الثورية والإصلاحية»، وأضاف لمغاري أن بعض قصائده خرقت الملتبس إلى الواضح، «قصيدة البطاطس» التي كادت تودي برأسه عهد المخلوع حسني مبارك.
كلمة الشاعر المصري المحتفى به عنتر هلال كانت تلقائية وحميمية في آن واحد، تحدث الشاعر عن الشعر المصري عامة وعرج إلى شعراء العامية على وجه الخصوص، وقال إنهم أبناء الرسل وحفدة الفراعنة، وأن لهم السبق في توطين عملية التثقيف المجتمعي، بل إنهم صفوة الممكنات في عالم يضج بالاحتيال والبلطجية. واضاف عنتر: «إنه يحس بآلام البشرية حينما يكون العوز ليس فقط عن عدم إشباع البطون، بل من آثار تفكيك روح لحمة الإنسانية، بما هي إنصات للمعنى وإدراك لمغازيها العميقة.
وأعاد عنتر في عملية استرجاعية توثيق أهم مراحل التحفيز القرائي لمعجم العامية المصرية، مذكرا بالقمم الشامخة الخال الأبنودي ونجم الفاجومي وغواية الشباب الذين جاءوا بعدهم. وقال إنه يضع نفسه رهين شموخهم وإبائهم، في الزاوية التي تؤرخ علاقته بهم.
وتحدث الشاعر هلال عن تنوعه الإبداعي، مرجعا ذلك إلى قراءاته الكثيفة في غابات كثيفة، متمنيا أن يكون قاصا بالجودة نفسها التي يحسها وهو يكتب قصيدة العامية والفصحى.
وأرجع هلال أسباب اختفائه مؤخرا عن الساحة الثقافية والفنية لظروف لا ترتبط لا بالثورة وبالشأن العمومي المصري، بل للتأمل في الزمن واستقصاء حدود المتخيل ومحاولة إعادة ترسيم إبدالات خاصة بالفكر والوجدان.
وفي مواجهة نادرة، عبر فيها المخرج والباحث المغربي عباس فراق عن استغرابه من شيوع بعض الأغاني الشعبية المصرية الهابطة خلال العشرية الأخيرة، مستنكرا انخراط بعض الأسماء المعروفة في تمييع هذا الشكل الإبداعي الجميل، خصوصا في مساحات فانتازيا الأفلام الغنائية المصرية التي اجترحت في طياتها الرقص الشعبي المشرقي، متخذة إياه يافطة لترويج مشاهد مفلسة، معبرا عن استغرابه من إباحة أنواع كثيرة من هذه الأعمال الفنية، مذكرا بفيلم نبيل عيوش الأخير»الزين اللي فيك» الذي أثار الجدل في المغرب.
رد الشاعر المصري عنتر هلال كان تقليديا، حيث احتكم لرأي الجمهور، منبها إلى عدم الوصاية عليه، قائلا:»اتركوا الجمهور يحكم»، داعيا إلى» تأسيس تقاليد لحرية التعبير وعدم الزج بالفن في متاهات هو في غنى عنها»، وأضاف عنتر: «أن حرية النعبير ليست بالضرورة إخلاء الساحة من النقد، بل إغناء الحوار وإثراؤه بما يلائم طبيعة وحجم القضايا التي تعكس المجتمع» وقلل عنتر من احتمالية نكوص المكتسبات في مصر، ما يضمن صيرورة الفن والإبداع وتدفقهما على نحو يخدم جوهر قضيتنا «الحياة ولاشيء غير الحياة».