ترجمة وإعداد فادي الطويل: برواياتها الثلاث، مجموعة قصص قصيرة وكتاب ضمّ مقالات نقدية، تحجز زادي سميث مكاناً لها في المشهد الأدبي البريطاني والأنغلوفوني عموماً. الكاتبة المولودة في انكلترا عام 1975 لأبٍ انكليزي وأم جامايكية، والتي أتقنت في صغرها غناء الراب، تتفرغ اليوم للكتابة ولمحاضراتها في مادة الأدب في جامعة نيويورك. ظهرت بتجربتها المكتملة الأولى عام 2000 برواية ‘أسنان بيضاء’ White Teeth، التي حازت جوائز عديدة منها جائزة الغارديان للكتاب الأول. حُوّلت الرواية إلى سلسلة تلفزيونية قصيرة من إنتاج هيئة الإذاعة البريطانية BBC. اليوم، وبعد ‘أسنان بيضاء’، ‘رجل الأوتوغراف’ و’عن الجمال’، تصدر روايتها الرابعة بعنوان ‘NW’ التي من خلالها تلقي الضوء على المنطقة التي نشأت الكاتبة فيها والتي تتردد إليها دائماً. تتبع في الرواية خطى أربعة شباب وشابات لندنيين: لِيا، ناتالي، فيلكس، وناثان. شباب يجربون الخروج من بيئتهم الضيقة الطفولية وعن جذورهم العالقين بها. تكتشف الرواية المدينة المتشعبة التي تعاقب من يحاول الخروج عن جذوره بفقدانه للهوية والمجتمع.هذه مقتطفات من حوار أُجري مع الكاتبة يوم طرح روايتها الجديدة عن دار Penguin. *لندن التي تصوّرينها، هي تجمّع لـمنظومات اجتماعية منفصلة أكثر مما هي بوتقة دمج ثقافية. لماذا، برأيك، تتجه المقاطعات لأن تكون أكثر انعزالاً وذات انتماء ضيق؟لقد تلاشى الإيمان بالدولة وبالفكرة المحددة للمسؤوليات الجماعية. هذا يعود جزئياً للتحول الإيديولوجي ومن ناحية أخرى بسبب مابعد العقلنة لاسيما بعد الانهيار الحالي للنظام الاقتصادي. حيث، ببساطة، أصبح الأغنياء أكثر غنى، والفقراء أكثر فقراً. *تقدم NW لمحات بارعة حول شكل العمل وبنيته. هل هذه النواحي التجريبية أتت من إعجابك بكتّاب مثل ديفيد فوستر والاس وجورج سوندرز؟ لا. ليس حقاً. كلاهما لم يقوما بعمل كبير في موضوع الشكل أو حتى البنية، تتركز ابداعاتهما بشكل كبير على النبرة. على اية حال، أعتقد أن علينا الحذر عند تسمية تقنيات محددة انها ‘تجريبية’ وكأنها مجموعة من الأدوات تلتقطها وتبدأ باستخدامها لتَسِم كتابتك. أنا أكره هذه الفكرة، كل ما أفعله هو محاولة الاقتراب مما هو واقعيّ، كما أختبره، وكلما اقتربت أكثر من حقيقة التجربة، كلما توجّب على العمل أن يبدو أكثر غرابة على الورق وفي النطق لأن تجربتنا الحقيقية لا تأتي معلّبة وجاهزة في بنية واحدة. بالنسبة لي، جيمس جويس هو الكاتب الواقعي الأهمّ. لقد حاول أن يوصل لنا كيف تكون التجربة، وقد وجد أنها ذات حساسية خاصة بحيث اقترح لها لغة جديدة. كل ما كنت أريد فعله في NW هو أن أقوم بإخباركم أكاذيب أقلّ من المرة السابقة، وخرجت الرواية بشكلها الحالي. *ذكرت في مقال سابق لك (ضمن مجموعة مقالاتك النقدية ‘تغيير رأيي’) إن صوتك الذي ينتمي إلى الطبقة العاملة قد حلّ مكانه تدريجياً صوت آخر لحياتك في كامبردج كجزء من البيئة الأدبية التي تعيشين فيها. هل سوّغت لك كتابة NW أن تعيدي اكتشاف جزءٍ ما منك كنت تقومين بكبته؟ – كنت في ذلك المقال أجرب أن أصف بعض آثار التغريب الجانبية التي يمكن للتعليم ‘الجيد’ أن يسبغها على طفلة من الطبقة العاملة. لكن الذهاب إلى كامبردج لم يجعل عائلتي الكبيرة تختفي، لا هي ولا أصدقائي ولا العشرين سنة من ماضيّ الشخصي. لا يزال كل شيء موجوداً وأنا جزء منه وإن اختلفت عليّ البيئة. كان من السارّ لي أن أعود إلى حيّي القديم، لكن بمعنى آخر كان الأمر استراتيجياً في جوهره، شيء له علاقة بالكتابة ذاتها. لم يكن إنجاز هذا الكتاب سهلاً. شعرت أن أقلّ ما يمكن أن أعطيه لنفسي كان بضعة شوارع لم يكن عليّ زيارتها أو البحث عنها في غوغل من أجل أن أصفها. وقد كنت أشحن نفسي بالتفكير في جيمس جويس وهو في تريستي (Trieste) يكتب لأقربائه في دبلن، سائلاً عن اسم محلّ اللحام هذا أو ذاك في دبلن، أو عن اسم ذلك الزقاق. يمكنك أن تكون مغامراً ومتحفظاً في الآن ذاته. *عندما تقوم لِيا بإعطاء المال لأحد مدمني الكحول تصديقاً منها لحجّته الزائفة عن حاجته الماسّة للمال لأمر طارئ. هل كان إحباطها المضطرب نتيجة، بشكل أكبر، لشعورها بالغبن أم من غضبها من نفسها لأنها لم تعد تستطيع فهم المجتمع الذي نشأت به؟-هذا السؤال متروك للقارئ. بماذا يدين المضيف لضيف بائس؟ هذه أسئلة أخلاقية تعود في أساسها لليونان القديمة- لكني أتصور أن هذا يعود لكل قارئ كي يحدده بنفسه.*ثمّة أحداث في الرواية تتراوح ما بين العبثيّ إلى الحتميّ، حيث يصطدم الشباب المحرومون من حقوقهم مع المحيطين بهم. هل باتت لندن مكاناً يشعر فيه، وحدهم، أطفال الطبقة الوسطى أنهم في دارهم؟-على العكس. تبدو الطبقات الوسطى خائفة وعاجزة بشكل متطرف في لندن. هذا هو النقيض التام من ‘الإحساس أنك في وطنك’. إنهم يعيشون حالة مستمرة من التوجّس من أن يأتي أحد ٌ ويأخذ منهم شيئاً ما. هؤلاء، مسلوبو الحقوق، هم الذين يشعرون فعلاً في الشوارع أنهم في وطنهم. لكن هذا الشعور هو تعويض فقير لكون تعليمهم سيّئاً، ولافتقادهم للمؤهلات للعمل وعدم وجود مستقبل لهم. *هل لديك تصوير أدبيّ مفضّل لمدينة لندن، وأنت التي قلت في مقابلة حديثة ‘عندما تكون لديك لندن في رواية، لن تحتاج إلى الكثير غيرها’. – ‘الأرض اليباب’ جميلة بشكل واضح. في الواقع، ساهم زوجي (الشاعر نيك ليارد) بقصيدة ضمن أنطولوجيا لخمسمائة عام من الشعر في لندن. عندما ألقيت نظرة على الأنطولوجيا، أحسست أن لندن أفضل ما توصف به هو في الشعر. لكن عندما كنت طفلة، أعتقد أن تشارلز ديكنز كان أول كاتب بدا لي، عند قراءته، أنه مواطن حقيقي من مدينتي.*مضت فترة على استقرارك في الولايات المتحدة. هل وجدت الثقافة الأدبية هناك مختلفة جداً عما هي في بريطانيا؟ – الفرق أنني في أمريكا أقوم بالانجاز أكثر. لا أحد يزعجني. كما أنني واحدة من بين مئات الآلاف. في نيويورك وحدها يوجد حوالي ثلاثين ألف كاتب. أنا أعمل مع ثلاثين منهم. في إنكلترا أشعر أنني مراقبة ولا أعمل براحة. في أمريكا الوضع أسهل. أخفض رأسي، أذهب إلى مكتبة وأدوّن ما أريد تدوينه من الكلمات.