قدر هذا الجيل الذي ينتمي إليه جيل الخمسينيات والستينيات أن يتعرض لجرح عقب جرح. فقد مر أكثر من نصف القرن على انفصام عرى الوحدة ما بين مصر وسوريا والتي رغم أنه تمت الموافقة على تلك الوحدة باستفتاء شعبي وبرضا كامل من شعبي القطرين، في حين أن الإنفصال الذي وأد ذلك الحلم الجميل تم باستخدام القوة وبالرشوة والمال ولم يتم أي استفتاء على الوضع الجديد الذي آل إليه.
كانت واقعة الانفصال طعنة قاسية في أماني ذلك الجيل الذي انتمي إليه، الجيل الذى نشأ في أحضان المد العروبي التحرري الذي يحلم بقيام وحدة عربية شاملة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، وكانت الأجواء العامة وقتها تنضح بالآمال الكبيرة في قيام المشروع الوحدوي. ولهذا فإن الجرح الذي أحدثه الانفصال المشؤوم كان عميقا لم يندمل أبدا. وقد سبقته دون شك أحداث أخرى كانت من نصيب الأجيال السابقة والتي تعرضت هي كذلك لطعنات موجعة في ذاكرتها ومنها اتفاقية سايكس بيكو سيئة السمعة والصيت التي مضى عليها ما يقارب القرن من الزمان وهي الاتفاقية المشؤومة التي بموجبها قسمت تركة الدولة التركية المنهزمة في الحرب الكونية الأولى على دول التحالف الغربي بريطانيا وفرنسا.
ومثل الدولتين فيها مارك سايكس المندوب البريطاني في القاهرة وجورج بيكو الذي كان قنصل فرنسا في بيروت ثم عُيّن مندوبا سامياً لها. حدد الاتفاق بينهما هذا التقسيم على الخارطة بانتظار أن تضع الحرب أوزارها، وبالفعل حال انتهاء الحرب استولت فرنسا على القسم الشامل للبنان والشام أي سوريا واستولت بريطانيا على القسم الشامل لفلسطين والأردن والعراق.
وظلت حدود سايكس بيكو مقدسة حتى اليوم وهي التي مزقت أوصال أمة واحدة وشعب واحد ووطن واحد، الأمر الذي جعله عرضة لأطماع القوى الخارجية الإقليمية منها والدولية حتى يومنا هذا. لقد اعتمد قادة الوطنية في مكونات تلك الكيانات المتعددة خلال الحكم العثماني على الحلفاء لتحرير أوطانهم من الأتراك فكانت النتيجة القاسية والحصاد المر أن ذهب الأتراك ليحل محلهم الإنجليز والفرنسيون فيقتسمون التركة بينهما، وكانت المأساة الكبرى في إعلان حق اليهود في إقامة دولة في أرض فلسطين العزيزة وكان ذلك بمثابة الخنجر المسموم في خاصرة الوطن العربي.
وها هي سايكس بيكو اليوم في نسختها المنقحة بعد ثورات الربيع العربي وسيناريو احتلال العراق ومحاولات تمزيق أراضيه ولحمته الوطنية وإثارة النعرات الطائفية والجهوية والأثنية فيه. ثم جاء الدور الدامي في مشهد مؤلم على كل ذي ضمير عربي حر في أرض سوريا قلب العروبة النابض، وصرنا نتوجع لما يدور فيها من معارك غير مبررة على الإطلاق بين الأطراف المتنازعة من معارضة وجيش حر وقوات بشيمركة وتنظيم الدولة وجبهة النصرة وغيرها من الجيوش والجبهات في أكثر من جبهة حتى وصل الأمر في أماكن قريبة من هضبة الجولان المحتلة من العدو المشترك المتربص بالجميع وفي جميع الجبهات.
ولم تسلم دول الجناح الغربي من الوطن العربي الكبير من الوقوع في محرقة النزاع الجهوي المتعصب، باستثناء تونس التي حسمت معركتها مع الخيار الديموقراطي وخوض تجربتها الحرة في مساراتها النيابية والرئاسية ونجحت لحد ما في ذلك الطريق الصحيح الآمن من مصيدة سايكس بيكو الجديدة في تقسيم المقسم وتفتيت المفتت. أما قضية فلسطين وهي قضية العرب والمسلمين المركزية فأصبحت في يد أصحابها العزّل يدافعون عنها وعن أقصاها بصدورهم العارية وبحجارتها المقدسة، إزاء ارتكاب سلطات الاحتلال الصهيوني المجازر البشعة ونهج سياسة الإبادة الجماعية والقتل بدم بارد حتى للأسرى المحررين لمجرد الاشتباه فيهم. ووصل الأمر قساوة وقتامة في أرض الكنانة أن يُخطّط لمنطقة عازلة بطول 14 كيلومترا وعمق 400متر إلى كيلومترين على حدودها مع غزة الجريحة مع تهجير وترحيل قسري لأهل ذاك الشريط من سيناء الغالية، وهو إجراء قاس سرعان ما باركته وأيدته واشنطن كعادتها في مثل هذه المواقف تزكية وتدعيما لسياسة سيكس بيكو الجديدة.
أما ما يحصل في اليمن اليوم فقد خرج عن دائرة الحدود المعقولة وتخطى كل الخطوط الحمراء، والخشية كل الخشية أن تصاب أماني الجيل المجروح بطعنة أخرى ربما قد تكون أكثر إيلاما من سابقتها عندما انفصمت عرى الجمهورية العربية المتحدة في عام 1961م.
ومع كل ذلك فإنه يبرز سؤال ربما يكون عصياّ على الإجابة لماذا في أعقاب اتفاقيات موقعة بين كافة الفصائل والمكونات الحزبية والسياسية في اليمن تندلع حروب لا تستند إلى مسوغات قانونية وأخلاقية أو حتى منطقية. لقد اكتوى اليمن في حرب 1994م بخسائر فادحة على مستوى الأنفس البشرية والبنية التحتية وتغيير منظومة القيم الاجتماعية، وكانت تلك الحرب المأساة بعد توقيع وثيقة العهد والاتفاق في عمان برعاية ملك الأردن الراحل المغفور له الحسين بن طلال.
وها هي اليوم في حرب درامية أخرى بعد توقيع عدة اتفاقيات بل بعد انتهاء أعمال مؤتمر الحوار الوطني ومخرجاته تحت رعاية إقليمية ودولية.
د. سالم عوض رموضه