■ لا يبدو حافظ الاسد حزينا في قبره، كما يعتقد كثيرون، صحيح ان ابنه بشار يواجه تمردا كبيرا سيطيح بحكمه، وإن بعد حين، إلا ان صمود نظامه الاقلوي بعد اربعة اعوام من ثورة الاغلبية، هو حصاد لما زرعه حافظ الاسد مدة اربعين عاما في أرض خصومه.. ليجعل كثرتهم عددية، إما خاضعة له بالعبث بهويتهم السنــية، وإما عاجزة عن اسقاطه وإن ثارت لعدم قدرتها على التوحد والعمل بمنظومة كفوءة ناجزة..
واليوم ورغم كل ما يقال من تقديرات وتقييمات يظهر خطؤها في كل مرة، عن قرب زوال الاسد وايذان ساعة الصفر في دمشق، فإن الاسد مستعينا بحلفائه العقائديين من الخميني حتى نصر الله، يبدو قادرا على حماية نظامه في دمشق امام المعارضة وحلفائها غير العقائديين من الحكومات العربية. ولعل اكثر ما سيسهم في ابعاد الخطر عن نظام الاسد في المرحلة المقبلة هو الاقتتال السني السني بين الفصائل المعارضة.. وهو اقتـــتال سبق ان اسهم قبل عشر ســــنوات في العراق بانهاء فصائل المقاومة العراقية السنية، لصالح سيطرة سلطات الحكومة الشيعية وميليشياتها وقواتها الطائفية وسيادتها على مناطق السنة، لحين الحراك الســــلمي، ثم المســـلح الذي قاده تنظيم الدولة لإبعاد قوات المالكي خــــارج المدن الســــنية في العراق.. واللافت ان هناك ما يتكرر دوما عند العرب السنة في سوريا والعــــراق، بما يتعلــــق بانقسام الفصائل والارتباط بالانظمة العربية، فالانقسام بين الفصائل يحصل على مستويين اثنين، الاول هو انقسام بين العائلة الجهادية نفسها، بدوافع الغلبة من جهة، ودوافع حدود الانتماء وآفاق المشروع، إن كان قطريا او عابرا للحدود.
والمستوى الثاني من النزاع هو بين الجهاديين (على اختلافاتهم) وبين فصائل محلية صغيرة لا مشروع ولا هوية لها تخسر إماراتها ونفوذها، وتخسر معظــــم كوادرها المحترفين الذين انضموا للجهاديين، فتضطر للاستقواء بالانظمة العربية المعادية للجهاديين، وبالتالي التحالف مع الحرب الامريكية على الجهاديين، وهكذا تلتقي مصالح الانظمة العربية التي تعتبر الجهاديين الخطر الاول الذي يتهدد سلطتها القائمة منذ عقود، مع فصائل وقوى محلية سنية ترى اولوية غنائمها الحزبية مقدمة على المصلحة العامة للسنة، والتي تقتضي الاندماج في الفصائل المؤهلة للتصدي لانظمة بغداد ودمشق. وهنا يعود التوازن بين الجهاديين وبين الفصائل التي يطلق عليها «الصحوات» المدعومين من الخارج.. وعندما تتوازى القوى تصبح الحرب ممكنة وطويلة! فتستعر الحرب بدعم حكومات عربية سنية، هي اصلا على عداء مع ايران، لكنها ترى الجهاديين اكثر خطرا على حكمها، لأن تأثيرهم مباشر في المجتمع السني، في المقابل تتوحد قوى الشيعة والعلويين معتمدة على الجهاديين الشيعة قبل غيرهم! لأن انظمة المحور الايراني اكثر تعبيرا عن انتماءات شعوبها الاسلامية، بل هي اصلا انظمة الجهاديين الشيعة، على عكس انظمة المحور «المعتدل» التي تقوم اصلا على معاداة الاسلاميين الجهاديين السنة. لذلك يبدو الاصرار حثيثا من قبل انظمة عربية تقاتل الجهاديين بتوفير غطاء ديني من علماء وشيوخ ونخب مرتبطة بها اكثر من ارتباطهم بالشريعة.
وهكذا فإن الصراع يدور بين منظومة إيرانية حسمت سلطتها وقيادتها لصالح الجهاديين الشيعة، ومنظومة حاكمة عربية تغذي انقساما في المجتمع السني المبعثر المشتت، وتمد طرفا سنيا ضد طرف اخر بدلا من احتوائه وتوظيفه في هذا الصراع الكبير، الذي قد يفضي لتغيير وجه المشرق العربي.
٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»
وائل عصام