توقفت بأسف أمام توقيع القارئ باسم: للأسف الشديد، عربي». لا أستطيع أن ألومه كثيراً فأنا لا أجهل مغارة الأنفاق المظلمة والمتاهات الحربية التي تدخل اليها قوافلنا كعرب ولست من خريجي «مدرسة الببغاء» بقوالبها الجاهزة، لتجريم من يعترف بجرح قلبه كالقارئ «الآسف جداً» لأنه عربي.
وها نحن ندخل في تكرار بغيض لزمن «الفتنة الكبرى» ونعيد أبشع ما في تاريخنا العربي.
وفي المقابل أتمنى أن نرفض الاستسلام لتلك الصورة المظلمة ونلجأ إلى مخزوننا الحضاري العربي بالمعنى الحقيقي للكلمة، نتذكر من نحن حقاً، وكيف كنا منارة حضارية في الحقول كلها يوم كان الغرب غارقاً في حروبه الدينية وطلاب الغرب يأتون للدراسة في معاهدنا العلمية كما نفعل نحن اليوم مع معاهدهم. اتمنى، كلقاح ضد الياس أن نستلهم جزءاً خامداً منا هو طاقتنا الحضارية يوم منحنا الإنسانية تقدماً مذهلاً في حقول الطب والعلم والمعارف والفلسفة.. ثم اننا نستطيع أن نحمل جنسيات متعددة لبلدان متطورة متحضرة لكننا محكومون بالوطن ولا نجاة لنا!..
كدت أنسى موضوع الرسالة من «العربي/الآسف» وسؤال في محله وهو: لماذا لم ألجأ إلى الشرطة في بيروت حين استلمت رسالة القارئ/المنتحر بعد اعترافه لي بجريمة قتل؟ لقد فعلت ذلك بالتأكيد بواسطة محام ورويت التفاصيل في أحد كتبي فالرسالة هي أيضاً وثيقة جنائية في ملف حادثة قتل.
جاذبية الوطن وسحره الحلال
يمضي بي القطار في منطقة التيرول البديعة من ميونيخ ـ بافاريا إلى إنسبروك فسالزبورغ، أتأمل حقولاً مشعة بالخضرة والسلام وأرى عبر نوافذ القطار وجوهاً عاشت عمرها كله ولم تسمع صوت إطلاق رصاصة ولم تقض أعواماً من حياتها والحروب تدور في بيتها والقنابل تنهال. أغبطها لكنني أعرف أنني لا أستطيع أن أكونها.
وفي هذا القطار بالذات أخطط للعودة إلى بيروت وأنا أعرف ما هي عليه! إنه «مغناطيس الوطن» الذي قلما ينجو مهاجر منه ويكابده حتى الجيل الثاني من أبناء المغترب. ونعثر في رسالة أفانين كبة (كندا) على مثال جميل لسطوة مغناطيس الوطن/الأم على الجميع حين تقول إنها تجد في الرسائل الورقية التي كانت تصلها معطرة من بغداد التي غادرتها قبل خمسة وثلاثين عاماً «رائحة بغداد ونهر دجلة وورد الرازقي» وتضيف «أتحسس الورق المصنوع من ورق أشجار العراق وكم من الأيادي لامست هذه الرسائل قبل أن تعبر المحيطات لتصلني».
ولعل عبدالكريم البيضاوي المقيم في السويد، البلد السعيد الهانئ المستقر، لعله يعيش سطوة «مغناطيس الوطن» ولولا ذلك لما طالع صحفاً مكتوبة بالعربية وبعض كتابها من الطاعنين في العروبة ومن أيتامها مثلي.
إسرائيل سعيدة بمذابحنا
أورتيغا منعم من السلفادور يُعرفنا بنفسه بقوله الجميل «أنا العربي الفلسطيني المقيم في الشتات البعيد، أنا من أبناء الجيل الأول في الهجرة. تعلمت اللغة العربية وآدابها بعد الثانوية العامة تقريبا». أورتيغا على الرغم من أنه نبت في الغربة لكن جذوره بقيت في فلسطين و«الولاء لشيء اسمه الوطن العربي الكبير والأمة العربية، برغم المرارة التي تملأ أفواهنا» كما يقول متذكراً أيضاً الشهيد الفلسطيني غسان كنفاني.
رسائله تعيدني إلى زمن كنا فيه على وشك اليقين من قدرتنا على تحرير فلسطين ومن توحدنا حول «الهدف» وهو عنوان المجلة التي أسسها كنفاني ذات يوم؟
ولكن سقط منا الآلاف في المدن والقرى العربية، لا شهداء لتحرير فلسطين ولا في فلسطين بل مجرد قتلى وضحايا في حروب محلية ونسي بعضنا قضية اسمها فلسطين… ها نحن نتفكك ونتناثر وتهب علينا رياح لا نريد أن تقتلع جذورنا كمجتمع عربي وهي موضع نقاش لا يخفي القارئ س. عبدالله رأيه في بعضها فكتب ضد زواج «المثليين» وضد «إعادة صياغة هندسة المجتمع التي قام بها أوباما، عندما وقع على قانون يعيد تعريف الأسرة، إلى مفهوم علاقة جديدة تسمح حتى بعلاقة ما بين الجنس نفسه».. وليس أوباما وحيداً في حقله ومعظم شعوب أوروبا الغربية صوتت لصالح ذلك، وحرية الرفض مكفولة!
قراء آخر الليل وباسم عبدو
أما «قارئ آخر الليل» بولنوار قويدر من الجزائر فلم يعد وحده «قارئ آخر الليل» وثمة أديبة لبنانية موهوبة شابة تنافسه في ذلك هي عفيفة حلبي صاحبة كتاب «مش مهم» و«ثلاث نقاط» فقد كتبت لي تقول انها لا تنام ليلة الجمعة إلا بعد أن تطالع مقالي.
كنت أتمنى أن لا أخط سطوراً كئيبة لقراء آخر الليل.. ولكن، من يعلمني كيف أكف عن نبش أحزاني وأحزان القراء في هذا الليل العربي الطويل؟
وختاماً، شكراً لتغريدة الأديب السوري باسم عبدو وأنا حريصة على صداقاتي مع جيل جديد من الأديبات والأدباء السوريين وآسفة «لوفاة البريد» من باريس إلى دمشق ـ وحتى من بيروت ـ وعجزي عن التواصل الإلكتروني بأمر طبيب عيوني، ولكنني تلقيت بعض أعداد «النور» بفضل الأديب سهيل الشعار وأقرأ لكما فيها، كما يعجبني فيها أيضاً موقفها الأيجابي العصري من قضايا المرأة ـ حتى في كاريكاتورها ـ وتبنيها لقضايا الكادحين والمرأة العربية هي كادحة الكادحين ومظلومة المظلومين.
وإلى اللقاء في وقفة أخرى مع عمرو ـ سلطنة عمان ـ وقراء آخرين لم يسمح المجال لبرهة معهم هذه المرة.
غادة السمان