تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة ومأزق التعليم في المغرب

يبدو أن الحكومة المغربية تعيش حالياً أتعس أيامها، فما إن تخرج من مشكلة عويصة، حتى تجد نفسها في دوامة مشكلة أخرى، مثلما حدث لها في بحر الأسبوع الذي ودعناه، حيث حصل تسريب لأسئلة بعض مواد امتحانات البكالوريا (الثانوية العامة)، اعتمادا على شبكات التواصل الاجتماعي الافتراضية؛ ما خلق فوضى عارمة في عدد من المؤسـســات التعليمية في المغرب، وحــدثت أعــمــال عنف ومواجهات غير مسبوقة احتجاجا من التلاميذ وأوليائهم على تلك التسريبات.
لم تبق السلطات المحلية مكتوفة الأيدي إزاء حالات الغش هذه، حيث فتحت تحقيقات لمعرفة الأشخاص المتسببين في تسريب أسئلة الامتحانات، مستعينة في ذلك بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وهو ما أدى إلى اعتقال عدد من المتهمين بالتورط في تلك الأعمال التي اعتبرها رئيس الحكومة المغربية، عبد الإله بن كيران، بمثابة «خيانة للوطن» متوعدا بمعاقبة المتورطين. ومن جهة أخرى، قررت وزارة التربية الوطنية إعادة الاختبار في مادة الرياضيات الجمعة الماضية.
وتقاطرت التعليقات على هذه الواقعة في العديد من الصحف المحلية والمنتديات الاجتماعية الافتراضية، حيث جاء مانشيت صحيفة «الأحداث المغربية» على النحو التالي: «الحكومة ترسب في امتحان التسريبات»، كما عنونت صحيفة «الاتحاد الاشتراكي» مقالها الرئيسي بـ»التلاميذ يقلبون طاولات امتحانات البكالوريا على بلمختار» (في إشارة إلى وزير التعليم المغربي). فيما كتبت صحيفة «بيان اليوم» أن «تكنولوجيا وزارة التربية الوطنية تنهار أمام فيسبوك»، وذلك تعليقاً على استعمال وسائل تقنية متطورة للكشف عن مدى حمل التلاميذ للهواتف الذكية قبل ولوج قاعات الامتحانات. ومما ورد في افتتاحية صحيفة «أخبار اليوم»: «البكالوريا التي أصبح مستوى جل حامليها لا تسعفهم للقراءة ولا للكتابة ولا للحساب، لم تكن تنقصها إلا رصاصة الرحمة هذه، وها هو الفيسبوك يعري المستور، ويجعل الفضيحة فضائح…»
وتحت عنوان «الثورة قادمة وستسقط بإذن الله»، نشرت صحيفة «كود» الالكترونية، مقالا ساخرا قال فيه كاتبه الصحافي علي أوشن إنه رأى «الثورة» بأم عينيه، حين «خرجت الحشود في اليوم الأول من امتحان البكالوريا بسبب تسريب الأسئلة السخيفة»، وأضاف: «التلاميذ جاؤوا مستعدين للغش كما يحصل في كل الأنحاء وفي كل المجالات.. ومن حقهم الغش… كيف لا يغشون والأمة قاطبة تغش؟» وفي السياق نفسه، جاء في افتتاحية صحيفة «الأحداث المغربية»: «نخشى أن نقول إن اقتناع أجيالنا الجديدة بأن الغش هو الوسيلة المثلى للارتقاء الاجتماعي ناتج عن مشاهدتها لنماذج من يكبرونها سنا وهم يعتنقون مبدأ الغاية تبرر الوسيلة مهما كان الثمن».
وعلى الصفحات الفيسبوكية توالت التعليقات، حيث اعتبر الكاتب محمد الهجاجي أن «المدرسة ليست جزيرة معزولة عن المجتمع. فالغش في المدرسة ليس سوى مظهر من مظاهره المتفشية في جميع مناحي الحياة الاجتماعية». ورأى موسى الأطرسي أن التسريب تسريبات، تشمل الصفقات ومخططات تهيئة المدن والتصاميم المجالية كي تستفيد الحيتان الكبيرة وتسريب الامتحانات المهنية لذوي القربى والأكثر كرما، وتسريب رخص المقالع الرملية والحجرية وتسريب رخص القيادة ورخص سيارات الأجرة والحافلات. وكتب الشاعر إدريس علوش إن «تسريب امتحانات الباكالوريا كحدث يستوجب التحقيق. لكن أن تكون هناك جهة أو جهات وراء هذا الحدث لتسويق معدات تقنية ورقمية للحد من هذه التسريبات فالأمر يحتاج لتحقيقات. والخلاصة مصائب قوم عند قوم فوائد». وأطلقت الإعلامية سهيلة الريكي حملة تحت عنوان «جميعا لتعيين ناطق رسمي باسم امتحانات البكالوريا».
ولاحظ الباحث والخبير اللغوي الدكتور فؤاد بوعلي متسائلا عما إذا كان من الطبيعي حدوث تسريب الامتحانات في المغرب والجزائر في الوقت نفسه، وبقيادة وزارة التعليم من طرف النخبة الفرنكفونية نفسها، بلمختار (في المغرب) وبن غبريط (في الجزائر).
أما الخبير الاستراتيجي المغربي مراد بنيعيش المقيم في واشنطن، فكتب منبهاً إلى المنحدر الذي وصل إليه المستوى التعليمي في المغرب: «استيقظت صباح اليوم على منشورات تندد بانهيار النظام التعليمي في المغرب.. العديد أفرغوا مداد أقلامهم وعصارة أفكارهم لصلب القائمين على المنظومة التعليمية.. الغريب في الأمر أن أغلب هؤلاء ارتكبوا أخطاء لغوية ونحوية وصرفية وتركيبية فادحة، ورغم ذلك تكلموا وكأنهم نوابغ زمانهم!».

الطاهر الطويل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية